في مملكة الروائيين العظام
رابط الصفحة :http://www.tatoopaper.com/news.php?action=view&id=2191
الكاتب: luay


 حرر في الإثنين 04-06-2018 05:12 مساء

في مناجياتي الممتدة مع العملاق الإغريقي نيكوس كازانتزاكي بهرتني عبارته الساحرة: (توصّل الى مالاتستطيعه) التي كانت مفتاح سر حياته وكفاحه: واصل مسعاك لإنجاز صيرورتك الإنسانية في مدى عمرك البشري القصير، لاتتوقف ولاتلتفت إلى الوراء، إمضِ نحو تلك الوهجة النائية في الأفق، عليك أن تختبر الطرق الوعرة وأن ترتقي المنحدرات الخطيرة، ستجرحك الأشواك والصخور تدمي قدميك، دع الطرق المستقيمة فإنها لاتعزز قوتك، إختبر ذاتك في الصعب الوعر الذي تتجنبه الأرواح الواهنة، لاتتردد، سترتكب كثيراً من الأخطاء والخطايا ولكنك ستنجح أخيراً في التحرر من قيود الزمان والمكان والوصايا، ستفوز بروحك الحرة وتتألق جوهرة الوعي والحرية في ذاتك المستفيقة.
تعلمتُ من مناجياتي مع كازانتزاكي أن لاأؤمن بالحدود، كان يقول: نواصل الصراع لأننا نحب التفوق لا الخنوع، ويردد: نحن نغني رغم أنه لاوجود لمن يسمعنا، ولا أحد يدفع أجورنا، نكتب لأنفسنا ولانعمل للآخرين، نحن أسياد بساتين العالم، البستان ملكنا، نحرثه ونشذّب شجره ونجمع غلاله ونعصر أعنابه ونحتسي خلاصة خمرها، بمعنى عندما ننسى الحدود نستطيع فعل المستحيلات. العقل والقلب يقيداننا....
هذا مافعله كازانتزاكي بحياتي، تبعت حلمي ولم أحفل بالحدود و(كافحت بأقصى ما أستطيعه لأبلغ مالا أستطيعه)، نحن الكائنات البشرية التي يتهددها الفناء كل آونة، ينبغي لنا أن ننهض من ثقل الطين والتراب وننقب عن جذوة عتيقة تلبثت في دمائنا من الشهب ونيران الأسلاف، نوقظها لنستدلّ على أحلامنا التي تتهددها مخاطر المجتمعات والأضداد، هكذا استطعت أن أتجاوز مستحيلات العيش وسط الحروب والدم والهلع وأنجو بتلك الجذوة التي تلاحقها النزعات العدمية والتنافس الفظ والنفاق المجتمعي في محاولة مستميتة لإخمادها.
وكما كافحت بأقصى ماأستطيعه مهتدية بكفاح المعلم الكريتي العظيم كازانتزاكي في الزهد ومواصلة العمل في أسوأ الظروف، ساندني المعلم الروحانيّ الكبير هيرمان هيسه في مناجياتي معه لأستنير بوهجات الحكمة المشرقية ورهافة الروحانية الآسيوية وقوتها والاسترشاد بعظمة النور لا بضباب الفكر المتجهّم، وجدت فيه صنوي الذي يخاطب الطبيعة ويتعلم منها أسرار الديمومة والتجدّد، أنا التي نشأتْ في البساتين الشاسعة وعند ضفاف الأنهار العظيمة وبين أذرع النخل وشجر التين ووهج البرتقال وأشذاء الورد وعبق الريش المبلول للبلابل والحمائم، أنا التي كنت أقتنص العبير الحلو الذي يوقظه المطر في نبتة مهملة وأستدلّ على نجمة الصباح وسط أسراب الإوز وطيور القطا، همس لي هذا المعلم: (كانت الأشجار وظلت بالنسبة لي الواعظ الأعظم تأثيراً في روحي، إني أبجّلها سواء أكانت تحيا في مجموعات أسرية في الغابات والبساتين، أو منفردة وحدها، وكلما وقفت بمفردها يزداد تبجيلي لها...)؛ فرأيتني شجرة وحيدة تصارع العاصفة والزمن وترفض وقوفها العاجز وتحقق وجودها وفق قانوها الخاص...
من مناجياتي الممتعة مع العملاق اللاتيني ماركيز أخذت على نفسي عهداً: أن لاأتراجع أبداً وأواصل ملاحقة أحلامي وأجترح أسلوبي ونمط كتابتي، أهتدي بقوة الأنوثة الرائية وحدسها وأزهو بها، أتقبل سمات أنوثتي وميزاتها الثمينة وقوتها وتجددها، أمجّد طاقة الخلق وأمومة الوجود وصنع الحكايات، تعلمت من روايته العظيمة (مائة عام من العزلة) فكرته البسيطة والحاسمة: قد لانبلغ البحر في مسيرتنا ولكننا لن نعود إلى الوراء، وفي إحدى مناجياتي معه أخبرني بسر جليل (إن قصص الحياة السعيدة لا تدفع بعالمنا الى الأمام بل إن ما يحرّضه ويجدده وينقذه من التحلل والفناء تلك القصص والأحداث التي تقترن بالمآسي)، وردّد على مسمعي عبارته المحرضة: طالما أنك ولدتِ تحت برج الحوت مثلي إحتضني محنتك وأحلامك والحكايا وحاولي صنع مدينتك المتخيلة واتبعي سحر واقعك الشرقي من غير التفريط بعلوم الحاضر وتجليات العقول الحرة.......

     

Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009