قصة قصيرة: تماثيل..وأصنام
رابط الصفحة :http://www.tatoopaper.com/news.php?action=view&id=2203
الكاتب: luay


 حرر في الإثنين 02-07-2018 05:32 مساء

ألأهداء.  إلى نبينا وسيدنا خليل الله إبراهيم, ع , نريد من أحفاده اليوم أن يقولوا
بشجاعة.. نحن من حطم الأصنام.. وليس كبيرهم..
  علي حداد


حين مررنا بمحافظة بابل سألتني زوجتي بصوتها الفاضح وهي تؤشر لي
_ لمن هذا التمثال؟
نظرت الى التمثال وتذكرت صديقي النحات ,وكان نظره ضعيفاً مما أضطره الى إجراء أكثر من عملية لإصلاحها....
_ هذا التمثال لرجل بنى مدينة الحلة.
رميت بعقب سيكارتي في الشارع المليء بالأوساخ  من قناني المياه الفارغة وقناني  المشروبات الغازية وأكياس تتطاير هنا وهناك وبقع من المياه الآسنة منتشرة في كل مكان تحوم عليها أسراب كبيرة من الذباب الطنان..  ومن بعيد ينبعث دخان كثيف  يبدو أن هناك  نار مشتعلة لحرق الأوساخ.. ثم رأيتها تقفز من مكانها
كأن لدغة ألمت بها..وبصوت فاجأني أنه لم يكن فاضحاً هذه المرة
_ أنت المثقف وترمي ب...فما بال....
تذكرت سفرتي القصيرة الى الصين وحين أردت أن أرمي بعقب سيكارتي
في الشارع النظيف.. إذ برجل عجوز ملامح وجهه طيبة ودودة وهو يركض خلفي وبيده صفيحة معدنية

                                _ 2
تلمع  وهو يؤشر لي على الصفيحة المعدنية أن أطفئها هنا..ذاك صباح عجيب بقي يعيش في ذاكرتي طويلا..وكانت إبتسامة إبنته الساخرة  التي ركضت خلفه توحي بأنها كبصقة في وجهي لم تنشف الى يومنا هذا..أنا الذي أوهمت الجميع بأني مثقف راق وأحس معهم بالاحتواء..والرقة والأنسنة.. أقف اليوم أمام الروايات التي كتبتها.. وعشرات القصص القصيرة..والندوات التي حشرت نفسي فيها وقد بح صوتي وأنا أردد أن الثقافة ليست معرفة فقط وكذلك الأديان السماوية والوضعية.. بل إنها سلوك.. أهم من كونها معرفة..أحسست بتقزمي  وغثيان مريب يتملك روحي ووجداني وعقلي واوصالي
_ وهذا التمثال لمن؟
عدت الى نفسي وإلى حجمي المزيف. وغصة تملأ هذا القزم الذي يقود سيارته القديمة..في شوارع المدينة
_ هذا للطاغية الذي حطم مدينة الحلة.
..وأنت تمشي في بغداد يمكنك أن ترى صنم هولاكو الذي حطم بغداد وهو يحمل بيديه معولاً دون أن يعرف أن بغداد  أم  الدنيا  لاينفع معها معول لخرابها.. وتبقى هي الأجمل برغم  كل  محاولات الأشرار لدمارها وحرقها.. وإذا مشيت في شوارع بغداد يمكنك أن ترى تمثال  للعلامة الكبير طه باقر الذي ترجم الكتابات المسمارية.. واذا قادتك ساقيك الى منطقة الفضل لرأيت تمثالين كبيرين أحدهما للباشا نوري السعيد وبيده باكورة والآخر لرجل تركي طويل القامة بشارب كث يحمل بيده عصا بلون العنب الأسود وهما يتجادلان حول متر من الأرض , متر  واحد فقط هذا يؤشر بباكورته هناك وذاك يومئ بعصاه هنا..وعلى مبعدة قليلة ينتصب تمثال جميل لفنان الشعب سليم البصري.. وإذا ما ساقتك  الأقدار وذهبت إلى الكوفة لمتعت بصرك بتمثال البهلول الكوفي وقد خطت على قاعدت التمثال مثله المعروف وبلهجة شعبية < إلياكلة العنز يطلعه الدباغ >
وحين عدنا إلى بغداد أخبرتها بأني عازف عن الذهاب الى البيت فدعوتها
على العشاء في كشك صغير يمتد بمقاعده الى حديقة غناء بأضوية فاضحة

                                    _ 3 _
أيضاً..وكما جاءتني إبنة العجوز الصيني تركض كذلك فاجأني صوت المرحوم الفنان كامل القيسي وهو يقول لي ذات ليلة شتوية عاصفة كاد زجاج نوافذ البيت أن يتحطم وضربات المطر بدت كموسيقى همجية..
_ أنت لاتعرف كيف تسوق نفسك , فأنت أشهر كاتب غير معروف.
وغص في ضحكة طويلة وظل يكح  كحة لم تنته الى أن شرب قدح الماء حتى القاع..
وحين إستعدت سيرتي الذاتية وما شابها من سوء طالع وفشل متواصل..  كدت أبكي لولا وجودها معي وهي تستغرق في النظر عبر نافذة سيارتي القديمة.. كانت تبدو سعيدة  مستمتعة بالطعام  والمقبلات والحلويات.
غيرت طريقي المألوف وأنا أمر بمقبرة  الشعراء  وفي ممر ضيق صعقتني إنارته إذ هجم علي صوتها وكاد أن يمزق أذناي وهي تصيح بلهفة طفل فقد لعبته
_عندك هنا توقف..قلت توقف أرجوك
كأني دهست احدهم وأنا أتوقف فجأة أردت أن أسألها عما  ألم بها إذ رأيتها
تؤشرلي بأصبعها على مجموعة من الأصنام تقدر بثلثمائة وثمانية وعشرين صنما لم تكن رمادية اللون , كلها كانت باللون الأصفرالمقزز ولم تك تسر الناظرين
_ من هم...من هؤلاء ؟
ضحكت بيني وبين نفسي.. ماذا أقول لأمرأة كأنها جاءتني من أدغال أفريقية < بالمناسبة كلما أتيت على ذكر هكذا مناطق يجئ على بالي
المرحوم كاتب الرحلات المبدع محمد شمسي > دفعتني حركات يديها
الى ترك صورة  محمد شمسي جانبا وركنت بسيارتي على الرصيف القريب من مقبرة الاصنام هذه, وانا أفرش بنظري على هؤلاء وآخذ نفساً طويلاً من سيكارتي التي لم أجرؤ على رميها في الطريق النظيف  والذي تحف جانبيه أشجار مورقة مضيئة
                                  _ 4 _

_ اسمعيني جيداً.. بعد أن أسقط الأمريكان والدول المتحالفة معها صدام حسين.. عملت هي وحدها  على إنشاء مسابقة كونية إشترك فيها نساء ورجال من كرتنا الأرضية هذه.....
وبعفوية قاطتني بصوت عذب
_ ولماذا لم تشترك فيها؟
_ فقط إسمعيني حتى النهاية..المسابقة قاعدتها الأساسية أن يكون المتقدم..  قاتل قانوني  محترف..سارق قانوني محترف.. وناهب قانوني.. ومن يستطيع أن يخرب البلدان ويبيع الاوطان وبطريقة  لا تشكل  الشبهات عليه.. ومن يستطيع أن تكون ضحاياه نتيجة الامراض العادية والمستعصية ومن يتمكن أن يجلب للناس الموت نتيجة البؤس والحزن والهلاك والدمار وخيبة  الأمل لدى الناس وهذه جرائم شيطانية وبلا دليل..بمعنى آخر أنها مسابقة لأقذر من عليها وفاز بها هؤلاء الذين ترينهم امامك..وأنا أراهم على مد البصر أشعر كأن أبناء العراق يصيحون بصوت واحد نحن من حطمهم ونحن من صنعهم كأصنام قذرة.................
حينذاك بأن على وجهها الآسى والحزن والتعب
وأطرقت برأسها..ثم رفعته على غير توقع  وتعلقت عيناها  بلوحة مضيئة معلقة على بوابة مقبرة الأصنام هذه وهي تتساءل
_ ماالذي كتب عليها؟
كانت لوحة كبيرة  مضيئة ومؤطرة  بزجاج سميك مكتوب عليها بخط جميل
<  مهما أكلت من جذوري أيها العنز فسوف يأت اليوم ألذي يصنعون فيه
من أوراقي إكليل غار ليضعوه على رأسك ألمذبوح  >
  . أحدهم.
وأعتقد أنها ترجمة حرفية  لما قاله البهلول الكوفي رحمه الله <  إلياكلة العنز يطلعه ألدباغ >

     

Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009