ما قاله عابر المتاهات عن زمانه
رابط الصفحة :http://www.tatoopaper.com/news.php?action=view&id=2269
الكاتب: luay


 حرر في الإثنين 12-11-2018 05:43 مساء

وبشكل عام سيظل هذا الكتاب بحضور ملفت، لأنه سجل ملاحظات متنوعة عن العلاقات الثقافية منذ كان في كركوك وبغداد وإن لم يذكر ما يعرف من اسماء. وتبدى للقارئ حذراً لكنه مندفع للحديث بشجاعة وجرأة عن تجربته الإبداعية، شعرياً وسردياً. واستطاع التقاط الجوهر في سيرته المهمة للغاية وعلاقاته الثقافية في بغداد وتكتم على تفاصيل معلومة عن الصراع الثقافي والاجتما - سياسي الذي عرفته بغداد وكان فاضل العزاوي شاهداً  مهماً وحياً فيما. وما يلفت الانتباه في تنوعات الرائي في العتمة، الأصول الثقافية المبكرة لمكوناته التي أخذته الى فضاء الأدب وتنوعاته واعتقد بأن ما يثير الانتباه هو غزارة مصادره المتنوعة في الأنواع الادبية، لكن ما يستحق الإشارة لأنه فاعل ومؤثر في الأصول المكونة له وظل حاضراً بوعي ومعرفة لأهميته وأعني به ألف ليلة وليلة”التي تمتعت بحضور متكرر مرّات عديدة ضمن كتابة، وتعامل معها بوصفها السرديات الغنية والفاعلة والتي منحت الشرق حضوراً جوهرياً ومهماً.
كشف هذا الكتاب السيري تنوعات تجربته الحياتية والثقافية ومعرفته باسماء أدبية عالمية بارزة، استفاد منها عبر اشارات ايقونية للاستدلال بها على ملاحظاته ووجهات نظره. كذلك تميز بغزارة المعرفة ووعيه العالي لتجربته الشعرية والسردية، وحاز على كثير من الشواهد الجوهرية المستعان بها كي تتمظهر تجربته وتحققاتها من خلالها. لذا تميز هذا الكتاب بالسيرة المركزة جداً، واعطى تجربته السياسية مساحة واسعة جداً، إنها تمثل شاهداً حيوياً في أعماله السردية. كتاب اختار له فاضل العزاوي الشعر ابتداءً واستهلالاً، لأنه يدرك بشكل قصدي أهمية الشعر بالنسبة له، وهذا لا يعني أفضليته على السرد، كلاهما يمثلان تجربة أدبية مهمة جداً. الشعر استهلال الكتاب، وأراد من خلال بث شفرات عن المتن الواسع والمتنوع مع تلميحات جوهريته عن غزارة تجربته وحيويتها واستمرار ما يثير من جدل واختلاف في الوسط.
اختار نص (ضوء يبرق في الظلام) استهلالاً لكتابة وقال فيه ذات يوم وكنت وحيداً / أجالس مستوحشاً في المغارة نفسي / وفي قلبي الضوء يبرق مرتعداً في الظلام / رأيت العصور تمر أمامي / براياتها ومواكبها الصاخبات / مجللة بحرير الليالي / وتفتح لي في الأعالي / كتاب حياتي / فقلبته صفحة بعد أخرى / لاعرف أي صحارى سلكت، فرأى جبال صعدت، وكيف قطعت بلا نجمة او دليل / كل هذا الطريق الطويل / بادئاً قصتي دائماً من جديد ص7//
تمظهر هذا النص عن الصفة التي منحها لذاته الرائية، فهو مماثل للشخصيات التاريخية الكبرى، معتزل في المغارة، يرى ويحلم ويرسم تصورات عن ايامه الذاهبة والتي بالانتظار فهو عارف بها، متحركة. اعتقد بأن السردية الشعرية، ذات البلاغة العالية اكتفت باختصار او على الاقل رسم توصيف عن الذي سيقوله متنوعاً عن غيره من الأدباء في تجاربهم. إنه قدم لنا طريقاً طويلاً وابتدأ فيه وكأنه يستعيده للمرة الاولى.
تعامل فاضل العزاوي مع تنوعات الرائي وسط العتمة باعتبارها سردية. إنها قصة حياة مبدع كبير ومناضل سياسي وصاحب رؤى ولأنه ذهب باتجاه السرد، فقد اختار في الصفحة رقم 315 خاتمة لسردياته قال عنها”في نهاية القصة”هو يؤكد بوعي وإدراك بان كل الذي قاله هو سرديات متنوعة، قدمته واضحاً وصريحاً، وإن تكتم بالتستر على بعض المعلومات الضرورية وتركها المعلومة ناقصة، ويبدو لي بأنه ـ العزاوي ـ لم يرد فتح منافذ لمعارك مع الوسط، فالكثير من الأسماء التي عرفها مازالت حيّة، ولم يشأ بالتنازع مع واحد منهم أو كلهم. لكني اعتقد بأن سيرية فاضل العزاوي ستثير كثيراً من الردود لمن يؤمن بأنه كان أكثر حضوراً من العزاوي.
في الاستهلال الذي أشرنا له، ذكر فيه العزاوي بأنه في مغارة يحلم، يراقب، يتصور ما مرَّ من أيام وما سيأتي منها وقد اختصر نص الاستهلال تنوعات السيرة وتمكن بنجاح واضح تأشير الخاتمة وليس نهاية هذه السيرة بكلام مركز وبليغ : (اعتقد أن عليَّ الآن أن أنهي كتابي هذا حتى لا يطول أكثر مما ينبغي لأعود الى المغارة التي بنيتها لنفسي فوق صخرة منفاي العالية لاستريح قليلاً واستجمع قواي قبل أن أهبط من الجبال ثانية لأسير، كما فعلت دائماً، في الطرق والشوارع ذاتها، باحثاً عن مدينتي الأخرى التي رأيتها ذات مرة في أحلامي، وهي تضيء من بعيد كلؤلؤة وسط ظلام العالم.
أيتها المدينة الأخرى أين أنت / ص351)
المغارة الثانية مختلفة، وليست مثل الأولى، الثانية فوق صخرة وهي مغارة شعرية، مكانه المتعالي، هذا ما أراده أن يختتم به فاضل العزاوي سيرته. إنه مبدع كبير، معترف به عالمياً واختار مغارة فوق الصخرة. الشاهدة على عظمة الذي اختار فاضل العزاوي المغارة مكاناً لاستشراقاته في نص الاستهلال وخاتمة كتابه السيري، لكن المغارة الثانية متسامية، ليست أرضية بعد عمره الطويل والحافل باتجارب الكبيرة، فاختار لذاته مغارة / زقورة، فوق صخرة، وهو يتأمل الأماكن، والفضاء للوصول الى مدينة جديدة بعدما تعرف على مدن عديدة. انه ابتدأ باحثاً ومتشوفاً وظل هكذا بعد عمر طويل من التجريب والانجازات الادبية الجوهرية، قال الكثير لنا وانتهى بسؤال مركزي وحيوي حول مدينته :
أيتها المدينة الأخرى، أين أنت.
ساهم المنفى بولادة أفكار كثيرة، التقط العزاوي خيطها الرهيف وشعريتها الحاسة، وهو الذي قال بأن الواقع هو معروف ومرئي، لكننا في الشعر نبتكر واقعنا الخاص.
ويكرر تمركزه حول المغارة في مرثياته المتخيلة وكتب بوضوح وصراحة بأنه”خارج المغارة”هذا رمزه الأثير متنوع الدلالة، وارتبط منذ الأصل الأول بخطوات الروح والتأمل وتكرس الميتافيزيقيا، لكنه رمز العزاوي الأمتحاني المساهم بتوصيف ما خفىّ بتجربة (هوذا الباب ينفتح أمامك، فتخرج من كهفك الى زمان حلمت أن تكون فيه سيداً، تبني فيه عاصمتك بنفسك. ها هنا ينتهي فصل كنت فيه الشاهد على عالم رايته ينزف دماً من قلبه الذي طعنه الصوص كانوا مختبئين في أقصى أحلامك المتروكة في الصحارى)ص61.

     

Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009