سيزان كما يراه الفيلسوف موريس ميرلو-بونتي
رابط الصفحة :http://www.tatoopaper.com/news.php?action=view&id=2274
الكاتب: luay


 حرر في الإثنين 10-12-2018 06:16 مساء

يعتبر ميرلو-بونتي من أهم المفكرين الفرنسيين الذين برزوا بعد الحرب العالمية الثانية، وأفضل مساهمة له كانت في مجالات فلسفة الفن والتأريخ واللغة والطبيعة والسياسة.
وقد لعب دورا أساسياً في نشر بذور المنهج الفينومونولوجي الذي أسسه في بداية القرن الماضي الفيلسوف الألماني أدموند هوسرل، وسعى لتحقيق دمجه في علم نفس الجشطلت والتحليل النفسي والماركسية ولسانيات فرديناند ساوسور.
وإذا كانت الفينومونولوجيا (الظاهراتية) تؤكد على أهمية التجربة الذاتية في المعرفة الموضوعية وعدم الفصل ما بين الذات والموضوع فإن ميرلو- بونتي أضاف الجسد كجزء من الذات أي أن العقل- الجسد يشكلان وحدة أمام الموضوع الخارج عنهما.
في مقتطفات من دراسته اللاحقة عن الرسام الفرنسي سيزان (1839-1906) تنعكس منهجية المفكر ميرلو-بونتي في إضاءتها لعنصرين ظلا موضع اهتمامه طوال حياته: جوهر المعنى والإدراك.
شكوك سيزان
كان سيزان راغباً في العودة إلى رسم الأشياء المادية من دون التخلي عن جماليات الفنان الانطباعي الذي يأخذ الطبيعة”موديلاً"، لذلك كانت رسومه تحمل المفارقة التالية: من جانب، كان ينقل الواقع على لوحاته  من دون التخلي عن السطح الذي يمنح متعة حسية للعين، ومن دون رسم أي خط كفافي يطوق اللون، ومن دون ترتيب منظوري أو صوري للأشياء في اللوحة. هذا ما دعاه الرسام والكاتب أميل برنارد انتحار سيزان: التوجه نحو الواقع بينما هو يحرم نفسه من الوسائل التي تساعده على التعبير عن هذا الواقع فنياً، فالأكواب والصحون على المائدة يجب أن تظهر للعين، من جانب واحد، بيضوية، لكن رسوم سيزان تظهر جانبي هذه الأجسام كأنها مضخمة وممطوطة.
لم يفكر سيزان  بأن عليه أن يختار بين الشعور والفكرة، بين النظام  والفوضى. فهو لم يكن يريد أن يفصل بين الأشياء المستقرة التي نراها والطريقة التي يتم بواسطتها حرف هذه الأشياء، حرفاً قوياً، من حيث الكيفية التي تظهر بها أمامنا، لذلك أراد أن يصور المادة مثلما تظهر كشكل، ولادة النظام من خلال التنظيم العفوي. فهو يقيم تمايزاً أولياً ليس بين”الأحاسيس”و"الإدراك”لكن بالأحرى بين التنظيم العفوي للأشياء التي ندركها وبين التنظيم البشري للأفكار والعلوم. نحن نرى الأشياء؛ نحن نقبل بها؛ نحن متجذرون فيها؛ وهي مع”الطبيعة”تشكل الأرضية التي نبني عليها علومنا. أراد سيزان أن يرسم ذلك العالم الأصلي، لذلك تبدو لوحاته كأنها تُظهر الطبيعة بشكلها النقي، بينما تسعى الصور الفوتوغرافية لنفس المناظر أن توحي بعمل الإنسان ووسائل راحته وحضوره الوشيك.
ببقائه مخلصاً لهذا الظاهرة عَبْر بحوثه حول المنظور، اكتشف سيزان ما توصل إليه علماء النفس في الفترة الأخيرة: المنظور الحي الذي نلاحظه حقاً هو ليس منظوراً هندسياً أو فوتوغرافياً. فالأشياء القريبة منا تبدو أصغر، وتلك البعيدة نراها أكبر مما تظهر عليه في الصورة الفوتوغرافية.
إنها عبقرية سيزان التي تجعل من التشكيل الفني للوحة ككل يظهر للجميع، بدون أن تكون التحريفات المنظورية مرئية في حد ذاتها، بل بالأحرى تسهم هذه التحريفات، مثلما في الرؤية الطبيعية، في طبع ظهور النظام الذي يحكم الجسم المرئي أثناء ظهوره وتنظيم نفسه أمام أعيننا. بنفس الطريقة، تكون تقاطيع الجسم المرئي المتخيَّل كخط يحيط بالجسم وينتمي لا إلى العالم المرئي بل إلى الهندسة. فإذا حدد المرء شكل تفاحة بخط مستمر، فانه في هذه الحالة يكون قد جعل الشيء يتلبس شكلاً، بينما التقاطيع هي بالأحرى الخط الخيالي الذي نحوه تتراجع جوانب التفاحة إلى الخلف لتشكل عمق الجسم. لذلك يجب أن يكون الخط الكفافي ناجماً عن الألوان إذا كان يجب تمثيل العالم بكثافته الحقيقية، فالعالم هو كتلة بدون فجوات، نظام من الألوان عبره  يكون المنظور المتراجع والخطوط الكفافية والزوايا والمنحنيات منقوشة فوقه كأنها خطوط القوة؛ والتركيب الفراغي يبدأ بالتذبذب مع تشكيله.
لم يحاول سيزان استخدام اللون لخلق أحاسيس لمسية تمنح شكلاً وعمقاً. هذه الفروقات بين اللمس والنظر غير معروفة في الإدراك الحسي الأصلي. إنه فقط بفضل علم جسم الإنسان بدأنا نميز بين حواسنا. إذ لم يَعُد اكتشاف الجسم الحي أو رسمه على أساس خصائص الحواس؛ بل بالأحرى يقدم نفسه لنا منذ البدء كمركز منه تشع الخصائص. نحن لا نرى نعومة الأجسام وهشاشتها وصلابتها وعمقها فقط؛ بل إن سيزان ادعى أننا نرى حتى رائحتها. فإذا كان الرسام يريد التعبير عن العالم، فإن ترتيب ألوانه يجب أن يحمل معه ذلك الكل غير القابل على الانقسام، وفي حالة عدم تحقق ذلك فان اللوحة ستلمّح فقط بالأشياء بدون أن تظهر وحدتها المهيبة؛ الوجود الذي هو الذروة التي لا يمكن تجاوزها، والتي بالنسبة لنا ما يعنيه الواقع. لذلك كان على كل ضربة فرشاة أن تحقق شروطاً لا متناهية. كان سيزان يمضي ساعات من التفكير قبل أن يوجه ضربة فرشاة معينة، وحسب ما قاله برنارد، كل ضربة يجب أن”تحتوي على الهواء والضوء والشيء المرئي والتشكيل والشخصية والخط الكفافي والأسلوب.”فالتعبير عما هو موجود مَهمّة لا متناهية.
في رواية”جلد الحزن”يصف بلزاك سماط طاولة أبيض كأنه طبقة خفيفة من ثلج سقط توا، وفوقه تتصاعد الأشياء بشكل متناسق ومتوَّجة بثنيات بيضاء. قال سيزان للرسام والكاتب الفرنسي اميل برنارد:”خلال كل فترة شبابي حاولت أن أرسم ذلك السماط المكوَّن من ثلج متساقط حديثا…الآن أنا أعرف أن على المرء ألا يرسم سوى الأشياء فوق الطاولة وهي  تنمو بشكل متناسق مع الثنيات البيضاء. إذا تمكنتُ من رسم الثنيات فأنا أكون قد وصلتُ إلى هدفي. هل تدرك ذلك؟ لكنني إذا خلقتُ توازنا حقيقيا وظلَّلْتُ أشيائي وثنياتي مثلما هي في الطبيعة فآنذاك ستكون التيجان  والثلج وكل العناصر الجميلة  هناك أيضاً"
نحن نعيش وسط الأشياء التي خلقها الإنسان، بين الأدوات، وفي البيوت والشوارع والمدن وفي أغلب الوقت نحن لا نراها إلا من خلال نشاط الإنسان التي يضعها للاستعمال. نحن نصبح معتادين أكثر على التفكير بأن كل ما هو موجود ضروري وغير قابل للتزعزع. لكن لوحة سيزان تعلق كل عادات التفكير هذه  لتكشف الأساس غير البشري للطبيعة التي فرض الإنسان نفسه عليها. لذلك تبدو شخصيات سيزان غريبة كأنما يُنظر لها من جنس آخر. بل حتى الطبيعة نفسها منزوعة عنها تلك الصفات التي تجعلها جاهزة  للمشاركة الروحية، فليس هناك ريح في المشهد الطبيعي، ولا حركة هناك في بحيرة آنيسي، وتلك الأشياء المجمدة تتردد في حركتها كأنها في بدء تكون العالم. إنه عالم غريب لا يشعر المرء فيه بالراحة وخالٍ من تلك العاطفة المسرفة. فإذا نظر المرء إلى لوحات رسامين آخرين بعد مشاهدته بعض أعمال سيزان فإنه سيشعر بالاسترخاء مثل عودة الحوار بعد فترة حداد، لكن ذلك لا يمكن أن يحققه إلا إنسان قادر على رؤية كهذه تخترق جذر الأشياء القائمة تحت سطح الوضع البشري المفروض.
أفضل تجسيد لهذه الرؤية تصريح أميل برنارد  بأن سيزان لا يرى  الفنان الواقعي إلا قرداً مقلداً،  لذلك فهو معاكس للحقيقة تماماً، وبإمكان المرء أن يرى كيف أن سيزان كان قادراً على إعادة إحياء التعريف الكلاسيكي للفن بأنه إنسان مضاف إلى الطبيعة.
الرسام يعيد إمساك وتحويل ما سيظل لولاه مغلقاً  داخل وعي كل إنسان، إلى أشياء مرئية: ذبذبة المظاهر التي هي مهد الأشياء. هناك عاطفة واحدة ممكنة لهذا الرسام – الشعور بالرغبة- وهناك غنائية واحدة- إنها الولادة المستمرة  للوجود.

     

Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009