تولستوي و دستويفسكي
رابط الصفحة :http://www.tatoopaper.com/news.php?action=view&id=2286
الكاتب: luay


 حرر في الإثنين 10-12-2018 06:33 مساء

وكم تأسف تولستوي في حديثه مع أرملة دستويفسكي لأنه لم يلتقيه أثناء حياته  (كما أشارت أرملته في ذكرياتها عن اللقاء , الذي جرى بينها وبين تولستوي بعد وفاة دستويفسكي) , وكان هذا اللقاء يمكن أن يحدث في بطرسبورغ , عندما كانا كلاهما (تولستوي ودستويفسكي) حاضرين في جلسة واحدة , حيث ألقى محاضرته المفكر الروسي سولوفيوف الشاب آنذاك (و الذي سيرتبط اسمه لاحقا بالرمزية الروسية). لقد قال تولستوي لأرملة دستويفسكي , أن ستراخوف (وهو الصديق المشترك لكليهما) لم يعرّفهما مع بعض عندئذ, ولكن ستراخوف قال , إن تولستوي كان في زيارة عمل ببطرسبورغ , وإنه اشترط على ستراخوف ألا يقدمه الى أي شخص أثناء تلك المحاضرة. وهكذا ضاعت (بالنسبة لتاريخ الأدب الروسي) فرصة اللقاء التاريخي بين هذين العملاقين.
الحديث عن تولستوي ودستويفسكي معاً حديث قديم في مسيرة الدراسات المقارنة في الأدب الروسي وفي الأدب العالمي ايضا , وقد ابتدأ منذ نهاية القرن التاسع عشر , ومازال مستمراً لحد الآن , ويكفي أن اذّكر القارئ الكريم بالكتاب الذي نشره ميرشكوفسكي بعنوان – (تولستوي ودستويفسكي) الصادر عام 1902 في موسكو (انظر مقالتنا بعنوان – الأديب والفيلسوف الروسي ميرشكوفسكي) حيث توقفت عند هذا الكتاب , الذي تناول فلسفة الكاتبين والمقارنة بينهما, إذ أشار ميرشكوفسكي هناك الى أنهما يجسّدان    العلاقات غير المتكافئة وحتى المتناقضة الى حد ما  بين حقيقتين كبيرتين في الفكر الروسي , والتي يمكن أن نسميهما (حسب ميرشكوفسكي واجتهاداته) – حقيقة الإله , وحقيقة الإنسان. الحقيقة الأولى يجسّدها دستويفسكي , والثانية يجسّدها تولستوي , وكلاهما (الحقيقتان) ضرورية للانسان ومسيرة حياته وعلاقاته المتشعبة في المجتمعات البشرية على الأرض.
استمرت الدراسات المقارنة بين الأديبين الكبيرين في مسيرة الفكر الروسي , الى أن حدثت ثورة اكتوبر1917 , والتي أصبح دستويفسكي بعدها ضمن قائمة الأدباء والمفكرين (المغضوب عليهم!) , ولكن تلك المقارنات ازدادت في الأوساط الروسية خارج روسيا , اذ استخدم اللاجئون الروس عندها اسم دستويفسكي رمزاً لحملاتهم ضد ثورة اكتوبر , ولنتذكر الفيلسوف الشهير بيرديايف مثلاً (انظر مقالتنا بعنوان – بيرديايف ودستويفسكي) , ولكن عندما خفتت مسيرة الأحداث (الطنانة والرنانة!) بعد وفاة ستالين في الاتحاد السوفيتي و بدأت مرحلة (ذوبان الجليد!) كما استقر هذا المصطلح الطريف في تاريخ الفكر الروسي و العالمي , عاد دستويفسكي الى الحياة الفكرية الروسية من جديد (بل وانتصب تمثال كبير له أمام مكتبة لينين بالذات في قلب موسكو. انظر مقالتنا بعنوان – تماثيل دستويفسكي) , وبالطبع , عاد الحديث عن المقارنات الفكرية بين دستويفسكي وتولستوي في روسيا مرة أخرى وبحيوية واضحة جداً. ومن غير الممكن التوقف عند سلسلة هذه الكثرة الكاثرة من الكتب والبحوث والمقالات والتعليقات المتنوعة جداً , التي تتناول المقارنة بين هذين العملاقين ونتاجاتهما وتأثيرهما على المجتمع الروسي المعاصر , ولكننا نريد الإشارة هنا فقط الى نقاش حاد وطريف جداً جرى عام 2016 ليس إلا  في روسيا حولهما. لقد كتبت الصحافية الروسية ليزوكينا مقالة بعنوان – (تولستوي ودستويفسكي – كلاسيكيان لا يستسلمان) , تناولت فيها موقف رئيسة الجمعية الروسية للتأليف فيربيتسكايا حول هذين الاديبين في المناهج المدرسية بروسيا, إذ دعت رئيسة الجمعية الى حذفهما من تلك المناهج , لأن عقل التلاميذ غير مؤهل لاستيعابهما. وتهاجم الصحافية رأي رئيسة الجمعية هذا , وتعتبره غير صحيح بتاتاً , وتدعو الى إعادة النظر ليس في مفردات المناهج , وإنما في الأسلوب السائد في نظام التربية المدرسية, وفي الطريقة التلقينية التي يقوم بها المعلم  اثناءعملية تدريس هذه المواد , وقد أثارت هذه المقالة ردود فعل كثيرة ومتنوعة جدا لدى القراء , وكلها كانت تؤيد رأي الصحافية المذكورة.
ختاماً لهذه المقالة الاوليّة والوجيزة جداً, أريد أن استشهد بما كتبه تولستوي , عندما علم بوفاة دستويفسكي. لقد جاء في رسالة تولستوي الى صديقه ستراخوف بتاريخ 5 شباط / فبراير من عام 1881 ما يأتي – (لم أر هذا الإنسان , ولم تكن لديّ علاقات مباشرة معه , وفجأة, عندما مات , فهمت بأنه كان أكثر الناس قرباً , وعزيزاً وضرورياً لي...... لقد كنت أعتبره صديقي, ولم افكر بشكل آخر , وإننا سنلتقي , ولكن الآن لن يحدث ذلك...... لقد انفصل سند من كياني..... بعدئذ أصبح واضحاً , كيف كان غالياً بالنسبة لي , وبكيت , وأنا أبكي الآن...).

     

Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009