عصر الهيبي.. عصر التمرد على النظام والقيم الغربية
رابط الصفحة :http://www.tatoopaper.com/news.php?action=view&id=2372
الكاتب: luay


 حرر في الإثنين 17-06-2019 05:47 مساء

وتقدمها الموسوعة البريطانية  على أنها " حركة ثقافية مضادة للثقافة الغربية السائدة في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وذلك من خلال رفضها " لأعراف التيار الرئيس للحياة في الولايات المتحدة" ( الموسوعة البريطانية) ونشأت الحركة في مبنى إحدى الكليات في الولايات المتحدة وانتشرت بعد ذلك في بلدان أخرى مثل كندا وبريطانيا. وقد أشتقت الكلمة في الأصل من كلمة 
Hip 
  وهي كلمة أطلقت على مجموعات ( بيتز) التي نشأت في خمسينيات القرن العشرين  ومن بينهم ألين جيسنبيرغ وجاك كيرواك وهما من دعاة الحركة. ورغم أن الحركة نشأت كجزء من حركة الأحتجاج على تورط الولايات المتحدة في حرب فيتنام ، لكن حركة الهيبيين لم ترتبط بالسياسة على نحو مباشر على
عكس نظرائهم الناشطين في السياسة الذين كانوا يسمون " اليبيز"  ويرى أعضاء الحركة الهيبية  أنهم غرباء عن مجتمع الطبقة الوسطى التي رأوا فيها طبقة خاضعة لهيمنة النزعة المادية والأضطهاد الطبقي. وقد طور هؤلاء أسلوبهم المميز في الحياة : إذ فضلوا إطالة شعورهم وإرتداء الملابس العادية غير التقليدية في الغالب وفضلوا إطالة اللحى وراح الرجال والنساء يلبسون أحذية الصندل بدل الأحذية التقليدية ، وشاعت بين النساء الملابس الطويلة  والنظارات بدون حواف ، وغالبا ما تبنوا النظام الغذائي النباتي . وعلى المستوى الطبقي، كان أفراد المجاميع الهيبية ميالين الى الأنسلاخ عن المجتمع التقليدي رغم أن بعضهم طور شركات صغيرة كانت تخدم فئات أخرى من الهيبيين.
فلسفتهم
كرس الهيبيون فلسفة معادية للعنف داعية للحب وشاع في زمانهم شعار " مارس الحب لا الحرب" ولهذا كانوا يسمون أحينا " أبناء الوردة" فقد دعوا الى الانفتاح والتسامح كبدائل للقيود التي عانوا منها في حياة الطبقة الوسطى التقليدية التي قيدتهم بكثير من المحرمات. وغالباً ما كان أعضاء الحركة، إن صحت التسمية، يمارسون علاقات حب مفتوحة وعاشوا في أنواع مختلفة من المجاميع الأسرية. من ناحية أخرى، سعوا الى الحصول على التوجيه الروحي من مصادر تقع خارج إطار التراث المسيحي- اليهودي، خاصة البوذية والأديان الشرقية، وكانوا يجدونها أحيانا في مزيج متعدد من المعتقدات. وشاع بينهم علم الفلك وكان يشار الى فترة ظهورهم  " بعصر أكيوريوس". وقد شجع الهيبيون على إستهلاك عقاقير الهلوسة التي إستخدمت لأغراض التسلية وخاصة الماريوانا و ما يسمى " أل أس دي" فيما سمي حملات توسيع الوعي كما إدعوا. وعلى الرغم من الأعتقاد السائد في حينها عن الهيبيين من أنهم أتخذوا موقفا معادياً للحرب، إلا أنهم فضلوا الأنشقاق عن الثقافة السائدة ولم يشكلوا حركة سياسية نشطة. ومع ذلك، كانوا يشتبكون مع الشرطة  وألقي القبض على الكثير منهم. أما من الناحية الأجتماعية وفلسفة العيش، فقد كانوا يتناولون الأغذية العضوية وخبز القمح الكامل ويرتدون الملابس المهلهلة والشعبية مثل الجينز الذي مازال شائعاً حتى يومنا هذا.
أرتبطت هذه الحركة منذ البداية بموسيقى الروك التي أصبحت الصوت المعبر عن ثقافة شبابية جديدة عرفت بأسم " الهيبية" التي أرتبطت منذ أواخر الستينيات بالحرب الأمريكية في فيتنام والأحتجاجات المرتبطة بها وحركة الحقوق المدنية والحرية الجنسية. وقد عرًفت فرقة الروك البريطانية الموسيقى بأنها " فن وليس تجارة أو حرفة" وأرتبط الفنان بالتكنلوجيا بدلا من السوق. شق البيتلز الطريق مثلا من خلال موسيقى البوب ثم الى الروك في الألبوم الذي أصدروه عام 1967 حتى أرتبطت الحقبة بأسم الهيبيز. وشهدت نهاية عقد الستينيات أعظم تناقض ظاهري شهدناه : فقد حقق إزدراء قادة موسيقى الروك للشعبوية ثروات طائلة ووصلت مبيعات موسيقى الروك ومن بعدها البوب أرقاماً لم يسبق لها مثيل في تاريخ الموسيقى الشعبية. وقد تسللت موسيقى الروك الى روح التمرد الهيبي وحققت مكاسب مادية كبيرة نتيجة لأرتفاع مستوى الطلب غير المسبوق. وكان عقد السبعينيات هو عقد الروك سوبر كما سمي في حينه، وإشتهرت فرق مثل رولينج ستون ليس من خلال الثروة والشعبية حسب بل من خلال إدخال تقنيات جديدة على المسرح والمؤثرات الصوتية. وإشتد عود الفنانين ومدراء الفرق والمجاميع العاملة معهم مما أسهم في تعزيز خبرتهم في التفاوض مع شركات التسجيل والتوزيع. وبحلول نهاية  عقد السبعينيات، توقف النمو الكبير الذي حققه سوق الموسيقى الشعبية لعوامل أرتبطت بالركود الأقتصادي وإرتفاع مستوى المنافسة للفوز بسوق الموسيقى  وخاصة في صناعة ألعاب الفيديو التي تسببت في إدخال سوق الموسيقى في حالة من الركود.
وقد شهدت سوق الموسيقى الشعبية حركة خارج الأطار الأنجلو أميركي بطرق غير متوقعة في عقد السبعينيات من القرن العشرين. فقد ظهرت فرق موسيقية  حظيت بشعبية واسعة منها على سبيل المثال فرقة أبا التي تمكنت من إختراق سوق الموسقى الشعبية العالمية  وإدخال الأجهزة الموسيقية الحديثة ، وعقد إتفاقيات تعاون مع فرق أمريكية  وإيطالية ، وبعدها شهدت الحركة  الموسيقية الشعبية دخول اللمسة الجمايكية  تلتها حركة الهب هوب  بتقنياتها الحديثة كبديل عن الموسيقى التقليدية مما ساعد في إنقاذ سوق الموسيقى من الركود أواخر عقد الثمانينيات.   
ينظر الكثير من الناس الى حركة الهيبيز على أنها نتيجة مباشرة للصراعات الوطنية والدولية المختلفة التي وسمت عقد الخمسينيات من القرن العشرين. وقد أطلقت كارثة الحرب الكورية ( 1950-1953) حقبة القصص البطولية وإستمرت بالاختبار الجديد والمرعب للقنبلة الهيدروجينية عام 1954. وفي منتصف عقد الخمسينيات إنبثقت حركة الحقوق المدنية . ورافق هذه التطورات قفزة علمية تمثلت في إرسال السوفيت القمر الأصطناعي سبوتنك 1 الى الفضاء عام 1957 وبدأ سباق الفضاء الذي كلف في حينه مليار دولار في تنافس محموم  بين الدولتين العظميين. وشهدت الخمسينيات أحداث كبيرة وخطيرة أخرى مثل الثورة الكوبية والثورة الهنغارية الفاشلة عام 1956. ورغم ان الكثير من الناس حملوا مفهوماً مسبقاً عن عقد الخمسينيات بأنه فردوس ما بعد الحرب، إلا أن تلك السنوات تميزت بالأستقرار مثل سنوات عقد الستينيات التي مهدت الطريق أمام ظهور حركة الهيبيين في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين.
كانت حركة البيتلز هي الحركة التي مهدت الطريق أمام ظهور حركة الهيبيين التي تشكلت أساسا من مجموعة من الكتاب الذين إستكشفوا التحولات الثقافية الغربية في أميركا ما بعد الحرب العالمية الثانية. وكانت حركة ( البيت) واحدة من الحركات التي عارضت التيار الثقافي التقليدي في أميركا وإعتنقت ممارسات الأدمان على العقاقير والحرية في ممارسة الجنس وتبني الفحش في الكتابة والأعمال الفنية. ومن أشهر كتاب تلك الحقبة جيسنبيرج  و كيرواك  وكانت جامعة كولومبيا هي ملتقى هؤلاء الشباب لكن الأحداث إنتهت بهم في سان فرانسيسكو .ورغم أن جيل الخنافس ( البيتلز) كان الى حد كبير يمثل حركة أدبية إلا أن الحركة  فهمت على أنها حركة أثرت بقوة على التحولات الموسيقية والفنية كما يرى بعض النقاد من خلال الأثر العميق الذي تابعه النقاد والجمهور في فيلم ( أحدهم طار فوق عش الوقواق). وكانت مجموعة كين كيسي هي أول مجموعة سميت بإسم ( الهيبيين)  وأرتبط أسمها بالفيلم المذكور. وكان كيري هو صلة الوصل بين البيتلز والهيبيين التي كانت قد ظهرت في الستينيات وشكلت هذه المجاميع تجمعات كبيرة من الأشخاص من ذوي الميول الفكرية المتقاربة في كاليفورنيا وأريجون ممن تنقلوا في رحلات برية في حافلات مدرسية ملونة . وعرف عنهم إنهم كانوا يتعاطون كميات كبيرة من حبوب (أل أس دي) المخدرة والتي كانت مشروعة حتى عام 1965 وجالت المجموعة أرجاء البلاد وأستضافت حفلات كبيرة وزعت كميات كبيرة من تلك الحبوب وساهمت في نشر موضة الشعر الطويل والملابس الغريبة التي أصبح رمزا للهيبيين في أميركا.
وكانت الحرب الأميريكية في فيتنام التي إستمرت لفترة طويلة جدا خلال عقدي الستينيات ومنتصف السبعينيات  أثر كبير في دفع حركة الهيبيين لتأخذ مكانها في تيار الصحوة الأمريكية  التي أخذت تصعد من إحتجاجها ضد التورط الأميركي في الحرب المجنونة. وقد أسهمت الأحتجاجات الطلابية الكبيرة والعسكريين السابقين والهيبيين في تشكيل حركة وعي ورفض للحرب حتى على المستوى الدولي مما أسهم ولو ببطىء في تغيير موقف الأميركيين من الحرب في فيتنام. بالأضافة الى ذلك، أحدثت الحركة تحولات عميقة في ثقافة الطبقة الوسطى وتاثيرها الأجتماعي والسياسي والأخلاقي ووصلت ذروتها في سنوات التجريب وإقامة المهرجانات ومنها مهرجان أقيم في ريف نيويورك وحضره مئات الألف من الأشخاص حتى من خارج الولايات المتحدة. وثبت من خلال تلك المهرجانات أن الحركة الهيبية مثلت تجمعاً سياسياً كان له عميق الأثر في المجتمع ككل وتغيير أو إضعاف القيود التي يفرضها على الفرد. لكن إفراط الحركة في دعوتها الى التحرر من القيود الأجتماعية والأخلاقية أدى الى إضعاف تماسكها وأستمراريتها  بحيث تعرض مركزها الى التدمير وأصبح مكبا للأزبال. وبعد رحيل معظم السكان، لم يستطع هذا الحي الأستمرار ليكون مركز نشاطها. كما عانت من ضرر كبير آخر بعد جرائم القتل ومنها جريمة قتل الممثلة شارون تيت على يد أفراد أسرة ( مانسون) وحادثة قتل مراهق أثناء إحياء فرقة رولنج ستون لحفلها على المسرح الأمر الذي شوه صورة الهيبيين في عيون الناس. ومع نهاية الحرب في فيتنام وبحلول عقد السبعينيات إنتفت مبررات الحرب ومعارضتها . وبالتركيز على تحقيق الأهداق المثالية كما وصفها بعض النقاد، نضجت الحركة وسارت بأتجاه تحقيق أهداف " مسارات" طبيعية.
وفي بداية عقد السبعينيات، أدرك الكثير من الأشخاص أن المثالية المتقائلة للطبيعة المضادة مهما كانت نبيلة، لم تكن أمرا عمليا. ولذلك، قرروا الأنتقال الى ممارسة وظائف في " العالم الواقعي" ولكنهم تركوا أثرا عميقا في من خلال تأصيل ثقافة مضادة تقوم على الحرية والسلام ومناهضة الحرب. وتمكنت الحركة من إختراق حدود الأتحاد السوفيتي في حينها ووصلت الى صفوق الشباب هناك وبقوة رغم أن الحركة الشبابية حاولت أن تتجنب المسار السياسي والتركيز على الإضاءات الثقافية والتركيز على المشاغل الفردية على نحو أوسع.

     

Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009