كيف اخترع القديس أوغسطين الجنس (2-3)
رابط الصفحة :http://www.tatoopaper.com/news.php?action=view&id=2407
الكاتب: luay


 حرر في الإثنين 16-09-2019 06:08 مساء

عندما تولّى أوغسطين منصبه في ميلانو، أبحرت مونيكا من شمالي افريقيا للانضمام إليه. هذه المرّة، هو لم يهرب برغم انه لم يكن مُهيَّأً للتعميد ككاثوليكي، أخبر أمه إنه متأثّر شديد التأثّر بآمبروسيوس، الأسقف الكاثوليكي لميلانو. خُطَب آمبروسيوس المُحْكَمة ساهمت بتقويض ازدراء أوغسطين للعنف الواضح في قصص الانجيل. ما كان في الأصل يؤثر فيه بوصفه سخافات، صار يبدو غموضاً عميقاً. يقينه الفكري والجمالي القائم منذ أمد طويل كان يتداعى.
كل ذلك الوقت، استمرّت مسيرة أوغسطين على نهجها. كان يلتقي تلاميذه في الصباح، ويقضي فترات الظهيرة مع أصدقائه المقرّبين، يتناقشون في أمور الفلسفة. والدته، التي أقامت حينذاك في منزله، سعت الى تغيير حياة ابنها. أشغلت نفسها بترتيب زواج مؤاتٍ، فوجدت وريثة كاثوليكية مناسبة، وافق والداها على الارتباط.. كان، مع ذلك، يعوز الفتاة عامين على عمر الزواج، فوَجَبَ الانتظار على الزفاف.
في غضون ذلك، خطّطت مونيكا لتغيير آخر في حياة ولدها. المرأة التي كان يعيش معها «أُخِذَت من جانبي، لأنها كان من المفترض أن تكون عقبة في طريق زواجي،» يكتب أوغسطين. «قلبي، الذي انصهر مع قلبها، كان مثخناً بالجراح، ومشيت أعرجاً أتعقّب آثار الدم.» عن مشاعر عشيقته، لم يعطنا لمحات، مشيراً ببساطة الى، «إنها عادت الى افريقيا، مُقْسِمة لك انها لن تعرف أبدا رجلا آخر.» بعدئذ اختفت من روايته، تاركة إيّاه مع شهوة جنسية ناخِرة كانت هي التي تهدّئها. سرعان ما اتخذ له عشيقة أخرى.
مع ذلك، كما شَهِدَ ذلك لاحقاً، الرحمة الإلهية تعمل بطرق غريبة. في أقل مما يزيد عن عام، كان أوغسطين اهتدى الى المعتقد الكاثوليكي11 . بعد ذلك بفترة وجيزة، قام، المعمَّد الآن، بفسخ خطبته للزواج، استقال من استاذيته، وتعهّد لنفسه بالعفَّة الدائمة، وصمّم على العودة الى أفريقيا وإيجاد طائفة رهبانية. بهروبه من والدته، كان بدأ، من دون أن يدرك ذلك، برحلة روحانية ستفوق قصارى أحلامها. على نحو مميّز، كان قادرا على اعتناق مذهب 'سيدة العفّة'، كما عبّر هو، فقط في سياق إعادة تفكير أوسع بكثير في طبيعة الجنسانية . كان بحاجة الى فهم الحِدَّة المميّزة للإثارة الجنسية12 (arousal)، الرغبة القهرية، المتعة، والألم الذي يسم الاشباع البشري للرغبة. لم يكن ينظر إلى هذه المشاعر من العلياء الآمن لإنحسار رغبة جنسية، أو مضلّلا نفسه بالاعتقاد أنها مشاعر غير طبيعية. بوصفه رجلاً شاباً كان سلفا أباً لطفل، عَرِفَ أن، لكل الجنس البشري، الانجاب يستتبع بالضبط الاتصال الجنسي الذي كان عازماً على نبذه. كيف يمكن للدعوة الدينية المسيحية الأرقى أن ترفض شيئا هو من الواضح طبيعي؟ في سياق الإجابة على هذا السؤال، توصّل أوغسطين الى رؤية مؤثِّرة، وإن كانت مثيرة للجدل، عن الجنسانية، رؤية بلغها لا بسبْر تجاربه الأعمق فحسب، بل أيضاً باسقاط نفسه في الماضي البشري الأبعد.
في المرفأ الروماني أوستيا، قبل أيام قليلة من البدء بإبحار الى افريقيا، كان أوغسطين ووالدته يقفان عند نافذة تشرف على حديقة مُسيَّجة، يتناولان الحديث على نحو حميمي. حديثهما، الهادئ والسارّ، قادهما الى استنتاج أن ما من متعة جسدية، مهما كانت عظيمة، يمكن أن تُضاهي يوما سعادة القديسين. وعندئذ «مُمْتَدَّين صعودا بعاطفة أكثر حرارة،» خَبَرا اوغسطين ومونيكا شيئا رائعاً: شعرا بنفسيهما يرتقيان أعلى فأعلى، عبْر كل الأجواء السماوية، و، أعلى ما زالا، الى أقاليم روحيهما وصعوداً نحو الأبدية التي تقع فيما وراء الزمن نفسه وبينما كنّا نتكلّم ونتلهف إليها، بظمأ يحتاج الى كل قوة القلب مَسَّيناها قليلا
من الصعب النقل بالترجمة لقوّة هذا الوصف، ولِمَا كان يعني للابن ذي الثانية والثلاثين عاماً والأم ذات الخمسة وخمسين عاماً بلوغ هذه الذروة معا. ثم انتهــــــت  «13 suspiravimus»  . «تأوّهنا،» يكتب أوغسطين، وعاد الى صوت خطابهما.
لحظة النشوة التي تقاسمها اوغسطين وأمّه كانت أكثر التجارب أثرا في حياته – ربما، كما لاحظت ريبيكا وست14 ، «أكثر التجارب قوّة التي أُحْيِيَت ذكراها يوماً.» بعد بضعة أيام، وقعت مونيكا مريضة، وماتت بعدها بقليل. الـ"اعترافات" لم تتناول المزيد من سيرة حياة اوغسطين. بدلا من ذلك، تحوّل الى التأمّل الفلسفي حول الذاكرة وتفسير افتتاحية سِفْر التكوين، كما لو كانت كل سيرته الذاتية أخذت هذا المنحى. لماذا سفر التكوين؟ ولماذا، في السنوات التي تلت، ركّزَ انتباهه بخاصّة على قصة آدم وحواء؟
كان الوثنيون يسخرون من تلك القصة بوصفها بدائية وغير مترابطة من الناحية الأخلاقية. كيف يمكن لربّ جدير بالاحترام يحاول أن يمنع البشر من معرفة الخير والشرّ؟ اليهود والمسيحيون ذوو الدراية بشؤون الدنيا فضّلوا أن لا يتوقفوا عندها أو نأوا بأنفسهم عن معالجتها بوصفها قصة رمزية. بالنسبة لفيلو، يهودي يتحدث الاغريقية في اسكندرية القرن الأول، الانسان الأول – انسان الفصل الأول من سفر التكوين – لم يكن مخلوقاً من لحم ودم بل فكرة أفلاطونية. بالنسبة لأوريجن، مسيحي من القرن الثالث، لم يكن الفردوس مكاناً بل حالة من الروح.
القصة العتيقة عن الرجل والمرأة العريانَين، الحَيَّة الناطقة، والشجر السحري كان شيئا من إحراج. إنما هو أوغسطين الذي أنقذها من النسيان الباطل الذي بدا إنها متجهة إليه. هو مَن يتحمّل المسؤولية الرئيسية عن شهرتها، بما فيها واقع أن أربعة من عشرة أميركيين اليوم يعتنقون الإيمان في حقيقتها الحرْفية. في غضون أكثر من أربعين عاماً التي أعقبت هدايته التاريخية – أعوام من جدل لا ينتهي وصقل المقدرة والكتابة المحمومة – أقنع نفسه إنها لم تكن مجرد حكاية خرافية أو أسطورة. كانت المفتاح لكل شيء.

الهوامش
10 - في العهد القديم، «قال للمرأة: 'أزيد تعبك حين تحبلين، وبالأوجاع تلدين البنين. الى زوجك يكون اشتياقك، وهو عليك يسود'.» – الترجمة العربية المشتركة للكتاب المقدّس.
  11 -  بدأ تحوّل أوغسطين الى المعتقد الكاثوليكي بعد انتقاله الى ميلانو ولقائه باسقفها آمبروسيوس وتأثره بعظاته، وفي صيف عام 386، بعد قرائته سيرة القديس انطونيوس الكبير اهتدى الى المسيحية – المترجم.
12 - Sexuality  مصطلح الجنسانية مفهوم حديث نسبيا من مفاهيم العلوم الاجتماعية، يشير الى الخصائص والسمات التي ينسبها المجتمع الى كل من الجنسين. وهي تعني التوجّه الجنسي، الايروتيكية أو الاثارة الجنسية، المتعة، الحميمية، والانجاب – المترجم.
13 -  «تأوّه»، في اللاتينية في الأصل – المترجم.
14 - ريبيكا وست (1892 - 1983)، روائية وصحفية وناقدة أدبية بريطانية. كانت ناقدة متقدة الذهن ويسارية الاتجاه ومناصرة كبيرة لحركة تحرر المرأة. أشهر أعمالها رواية "عودة الجندي" عن الحرب العالمية الأولى و"الصقر الرمادي" – المترجم.

     

Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009