الحياة.. امرأة
رابط الصفحة :http://www.tatoopaper.com/news.php?action=view&id=2510
الكاتب: luay


 حرر في الأحد 15-03-2020 06:31 مساء

ولماذا كانت قصة الحب محاطة بذاك الكم، وذلك الحجم، من رموز البشاعة؟ إنها قصة حب مشوّهة، سعى المؤلف الى تزيينها بمختلف أنواع (الماكياج)، وقد بذل جهدا لتقديم قصة حب جميلة، في ظروف إنسانية – هي فضاء الرواية - تنتج القبح، لقد زرع زهرته الجميلة في حقل أشواك، لكنه لم يصف الأشواك كثيراً، فكانت روايته قصيرة، لم تتجاوز (138) صفحة من القطع الصغير، هي رواية قصيرة، في مصطلح أكثر دقة من مصطلح قصة طويلة؛ لأن الرواية قصة، والمتغيرات التي تسببت في تسميات تجنيسية، ليست إلا فروقاً رياضية، في الأعداد والحجوم.
يستعرض (م. ع. ص) مشغله الكتابي، فيختار آليات كتابية ليست سهلة، وبدون مبرر سردي، إذ يتم حكي نسبة ليست قليلة من النص بضمير المخاطب، نادر الاستخدام في الرواية! لكنه كان وجها آخر للحوار الذاتي (المونولوغ)، فضلاً عن تواتر استخدام هذا الضمير في روايات (م. ع. ص) الأخرى، فالسارد الذي يخاطب البطل: "الرسالة التي بعثتْ بها اليكَ" (الرواية: ص5)، في الواقع هو البطل نفسه، يحاور نفسه، هكذا ينوجد متلقيان: الأول داخلي هو البطل نفسه، والآخر خارجي هو القارئ، فنلاحظ جمالية هذه اللعبة – النادرة – باستخدام ضمير المخاطب، ومن قبل البطل نفسه، وهو هنا لا يحكي قصته الذاتية – المتخيلة – بضمير المتكلم، لقارئ خارجي، أو لداخلي يوجد بطريقة ما في النص، فحسب، بل ينقسم البطل الى راوٍ وبطل، الراوي البطل يصير الراوي والبطل، بسبب استخدام ضمير المخاطب.
ولكنه ليس بطلاً مطلقاً، ولا بطلاً مستحوذاً على النص والأحداث والمواضيع، إنه بطل محدد البطولة، تشاركه إياها امرأة "الامرأة الصغيرة" (ص8)، ليؤكد المؤلف – مرة أخرى - اهتمامه الكبير بالمرأة، من خلال الحضور الأنثوي المكثف في رواياته، نوعاً وكمّاً، كأن ذلك رؤية العالم، هكذا: الحياة امرأة، فالمرأة كانت بطلة مطلقة في (الشاهدة والزنجي): دار الشؤون الثقافية – 1988، وفي (بيت على نهر دجلة): دار المدى – 2006، وبطلة مشاركة في (امرأة الغائب): دار المدى – 2004، تتمتع بدور منافس لدور البطل، وفي رواية (الشاطئ الثاني) تلتصق بها صفات غريبة عجيبة، من الذكاء: حين تُسأل عن عملها (ص60- 61)، والقدرة على مقاومة الحياة، وهي محاطة بصفات تجعلها من الصنف المرفوض اجتماعياً، "امرأته كانت واحدة من... تعرف عليها في بيت للساقطات" (ص18)، لتعزيز النص بالمزيد من التوتر الدرامي، لكن حرص المؤلف على بطلته، في موقف حساس تجاه القيم الإنسانية، ذلك الحرص يحظر تقديم البطلة في مشهد في "بيت الساقطات"، ويحظر على البطل أن يذكر ذلك: "هو لم يفكر قط بأن يذكِّرها بعمل مارسته من قبل" (ص28)، وربما كان أقصى ما وصل إليه التساهل في هذا الأمر في حواره الذاتي: "فتاة ذات ماض مدنس" (ص33)، وسترد الإشارات الى ذلك الأمر بشكل مختصر جدا، ورافض أيضا، كما ورد في (اعترافاتها)، حكيها للبطل: "إنني لست فتاة سيئة... تقول له أنها لم تبقَ في ذلك المنزل غير ستة أشهر" (ص33).
امتلكت بطلة النص قدرة خارقة للتأثير على البطل، فقد أعجب بها من النظرة الأولى، وعاش صراعاً نفسياً واجتماعياً، وضحى بخطيبته وعلاقته مع أهله، وبجزء من راتبه، وبقطعة أرض كان يمتلكها، من أجل هذه البنت، التي أجادت دور العاشقة، فسحرت البطل، واقتحمت حياته الاجتماعية بجرأة: "جاءت امرأة تقول إنها خطيبة جنابك" (ص58)، جاءته الى المدرسة التي يشغل منصب المدير فيها، ثم أوصلته مبكراً الى الفراش: "تستطيع أن تدخل... يراها تتمدد على فراشه بكامل عريها" (ص65).
على الرغم من الإتقان والتوازن والتناسب في بناء الشخصيات، لكن قد تبدو شخصية البطلة مبنية بعناية شديدة، وبحرفية عالية، مرسومة بألوان غير واضحة تماماً، وتقوم على التناقض، هي انسانة، تحيط بها شبهات أنها كانت بائعة لذة، وهي الآن في وضع اجتماعي مزرٍ، أرملة، تعيش مع أم زوجها في بيت صديقه المهرب، وتدعي أنها حامل (ص67)؛ للاستفادة من الوقت في إيجاد حل لمشكلتها، وتنتهز أول فرصة تقع بين يديها، في التأثير على البطل منذ اللقاء الأول أو الثاني، وجعله متعلقاً بها وعاشقا لها، ثم اقتحامها لعالمه الاجتماعي، وما الى ذلك من أساليب وظروف، تصل بها الى مطالبته بالزواج: "إذا كنت صادقاً في حبك تزوجني.... مللت من لعب دور البغي" (ص90)، ثم تتركه، بعد موافقته على الزواج منها، بسبب تعرضه الى حادث في الشارع، سيارة مسرعة كادت تدهسه وهو يعبر الشارع، فعرفت أن من قام بذلك الفعل هو الشخص عينه الذي قتل زوجها السابق بحادث سير، فتتركه، لتحفظ حياته.
هكذا، ليس بمقدور (م. ع. ص)، الروائي المحترف، إلا أن ينتصر للإنسان، فهذه المرأة المحاطة بالشبهات التي تجعلها في الدرك الأسفل من السلم الاجتماعي، حسب وجهة نظر ما، يقدمها بهذه الصورة، الخالية من الأدلة الكافية لإدانتها، وبكونها امرأة، تبحث عن الزوج وعن الحب وعن البيت والأمان، وربما تضحي بكل آمالها تلك من أجل الحفاظ على حياة من تحب! وصورتها سوف ترسم بواسطة أكثر من ريشة: أم زوجها، وصديق زوجها، والشخص الذي قتل زوجها وحاول قتل البطل، سيظهر في الجزء الأخير من النص، ويلتقي بالبطل الذي خسر منصبه وعوقب بسبب علاقته بهذه المرأة، وسيقوم الأول برسم صورة كبيرة لها، هي امرأة موظف كان يعمل في شركته، والموظف أصيب في حرب الشمال، وصار مريضاً نفسياً، فأدمن القمار، ووصل به الأمر الى السمسرة على زوجته حين خسارته، ثم سرقته من الشركة، وإحالته الى المحكمة، ثم المساومة بين الزوج وصاحب الشركة - الذي يحكي هذه الحكاية للبطل - ثم يطلق زوجته، أو يتنازل عنها زوجها لصاحب الشركة، الذي أسقط دعوى السرقة عنه، ثمنا لزوجته (ص135- 136)، لكنها ستهرب من البيت الذي استأجره التاجر لها بعد أسبوع، وتلجأ الى بيت "الساقطات"، وسيعثر عليها هناك، في الوقت عينه الذي تعرفت فيها على عباس، وهربا معاً الى البصرة ليتزوجا، فلحقهما هذا وقتل الزوج، ثم ستحكي هي أيضاً أجزاء من قصتها، فتبدو البطلة كالزهرة التي تحوم الفراشات حولها، الفتاة المعشوقة، متزوجة أصلا، ثم تطلق لتكون محظية، ثم تهرب للتزوج ثانية، ثم تترمل، ثم يحوم حولها صديق زوجها وصاحب البيت الذي تسكن فيه مع أم زوجها، ويعشقها البطل، ومازال ذلك "النذل" (ص125)، الذي اشتراها من زوجها الأول، وقتل زوجها الثاني، مازال يبحث عنها ولا يمل، فنلاحظ هنا أن صورة البطلة ليست مشوهة أصلاً، بل تم تشويهها اجتماعياً، سعى المؤلف الى تقديمها ضحية، ولكنها ليست مستسلمة، هي تمتلك الكثير من فنون الحب والحياة، ولا ينسى الموضوع المؤسس لمصائب الإنسان، وهو الحرب، فكل هذه التراجيديا، قصة الحب المشوهة هذه، والمنتهية نهاية مفتوحة، ولكن على توجس وخوف وأمل شبه ميت، هذه التراجيديا تسببت بها الحرب، ونلاحظ أن موضوع تأثيرات الحرب مر هنا سريعاً موجزاً، لكنه السبب في كثير من المصائب، وسيعمل المؤلف على تطويره في روايتي (امرأة الغائب) و (بيت على نهر دجلة).
بدأت الرواية من نقطة زمنية وانتهت بأخرى، في مسيرة طبيعية، تداعياتها جاءت بواسطة استذكارات البطلة، ولكن الرواية لم تخلُ من الألعاب المدهشة والممتعة، منها استخدام ضمير المخاطب، والانتقال – الالتفات - في الضمائر، والانتقالات المدهشة في الأزمان والأشخاص والأحداث في الفصل الواحد والصفحة الواحدة والفقرة الواحدة، ففي مشهد عبور النهر بواسطة القارب، إذ يعود البط من لقائه بـ "الامرأتين" (ص8) – استخدم المؤلف هذا المصلح في الرواية كلها مستبدلا به مصطلح المرأتين – وفي رحلة العودة هذه يحكي لقاءه بهما، منتقلا بين وصف رحلة عودته وعبوره للنهر واستذكاراته زيارته للمرأتين، وربما يكون الأكثر إدهاشا انتقالاته عند قراءة الرسالة، وجعلها ساحة حوار، في استثمار ما يمكن أن يحدث عندما يقرأ الإنسان رسالة، فيجيب ويعلق على ما مكتوب فيها، في حوار مع نفسه، المؤلف هنا نقل تعليقات البطل/ قارئ الرسالة الى الرسالة ذاتها، ولو باستخدام علامات الترقيم: "أنا أعرف انك تتعذب، تعرفين وترحلين أيتها الغادرة" (ص)125، ثم، في حوارية افتراضية لا تختلف عن الواقعية: "أتدري كيف أحسست ساعتها؟ كيف أحسست يا صغيرتي الشقية!؟" (ص126).
هذه الرواية القصيرة اشتملت على هذه الدراما العنيفة، وهذا الكم من الصفات والأفعال الانسانية، والتي ابتعد المؤلف عن تقديمها كثنائيات، بل قدمها كصورة من الحياة، مليئة بالصراعات وضاجة بالتناقضات، صورة الحياة بدون التجميل والاصطناع، القدرة على مواجهة حقائق الحياة، والتعامل معها بذكاء وأمل وحب كما فعلت البطلة، ليثبت المؤلف مرة أخرى، قدرته المتميزة على تقديم نص قصصي مليء بالدهشة والمتعة، وغني بالفنون القصصية، المعتنى بها، لزيادة القيم الجمالية في النص، مع الانتباه والحذر من الافتعال، والمبالغة.
في الحساسية اللغوية التي يتوفر عليها النص، يوجد ما يمكن أن يطلق عليه (لعبة الأسماء)، إذ يعمد (م. ع. ص) في رواياته الى اختيارات مفعمة بالدلالة لأسماء شخصياتها، وهنا يكثف ذلك، بواسطة أكثر من لعبة، أو من خلال أجزاء اللعبة، فالبطلة يبدو أنها تختبئ خلف الأسماء، والضبابية تغلف بوحها بهن، "سلوى!... في الحقيقة سلوى ليس اسمي!... سلوى اسم عباس" (ص74)، ثم: "الاسم الذي أطلقه عليّ أبي هو سكينة"، "كل أسمائك تبدأ بحرف السين"، "صاحبة المنزل" تطلق عليها "سعاد"(ص75)، ثم، "أين سلمى؟" (ص132)، "من هي سلمى!؟"، "سلوى رحلت" (ص133)، وتوقع رسالتها بـ: "سراب" (ص127)، ويبدأ اسم البطل أيضاً بالسين: سامي، الاسم ذو الدلالة الأخلاقية الثقيلة، وربما يؤكد اهتمام المؤلف بالأسماء إنه يترك اسم الشخص المتهم بقتل زوج البطلة، ومحاولة قتل البطل، بدون اسم، فلعبة الاختفاء خلف الأسماء، الواقعية، والبوليسية، والمستخدمة من قبل الهاربين من مشاكل، شيء تقليدي وقديم وبسيط، لكنها تعززت بلعبة دلالات الأسماء، فكل اسم منها كان مرتبطا بوشائج مع الحالة التي رافقته، فاسم سراب الذي اختارته هي ليكون اسمها من قبل سامي، يدل على أنها – حين ستذهب – كانت شيئا غير أكيد في حياة ذلك الرجل.

     

Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009