لماذا أكتب الشعر أو أعجز عن تركه؟
رابط الصفحة :http://www.tatoopaper.com/news.php?action=view&id=2545
الكاتب: luay


 حرر في الأربعاء 07-04-2021 09:03 مساء

حجم الشعر لدى هذا وذاك ميزة استوقفت النقاد أيضاً، هنالك في المقابل الشعراء المقلّون، هؤلاء يصمتون كثيراً، وكما يبدو فإنهم غير معنيين بقصة حجوم الكتب. صمتهم على الأغلب علامة زهد. وربما تأمل. الزهد والتأمل جاران في شارع واحد.ومن عادات الشعراء في النصف قرن الأخير طباعة أعمالهم الكاملة ، لنلاحظ هنا أنهم يدفعون المال من أجل ذلك، هذا مما لا شك فيه ، أقلها بالنسبة لي . ثم أنهم يضطرون للطباعة مجدداً بعد سنوات إذ تستجد عندهم مجاميع شعرية جديدة. وأخيراً إنهم يتركون الآن لذة إصدار مجموعة شعرية لصالح الأعمال الكاملة.
الأعمال الكاملة تحمل زهواً للشاعر يشبه زهو ذلك الشاعر المتفاخر بعدد ما كتب من قصائد. في الحالتين أجد نفسي أمام سؤال لا يخلو من عدمية مريبة: هل يستحق الأمر كل ذلك؟
إن عدد الشعراء المعاصرين في العراق هائل جداً. أضف لهم عدد شعراء العربية، ثم الأمم الأخرى. الآن عليك أن تسأل بقصد: هل يعادل عدد الشعراء في العالم عدد لاعبي كرة القدم  مثلاً؟ أو يعادل عدد رجال الدين الذين يجيدون أنماط البلاغة وسبك الكلام؟ لنقل بعبارة أخرى: إذا كان هذا العالم بحاجة فعلاً إلى ترفيه كرة القدم، وبحاجة إلى مخدرات رجل الدين، فهل هو حقاً بحاجة إلى هذا العدد الضخم من الشعراء؟ (العدد الضخم: لا نملك إحصاءات دقيقة، ولكننا نملك معطيات، وهي تفيد غالباً بعدد ضخم من الشعراء حولنا).
يذهب أغلب من قرأتهم من الشعراء الى القول، في إجابة سؤال العنوان، الى أنهم يكتبون الشعر بسبب رغبة داخلية عصية على الإمساك. هذا صحيح. وبعد أن صدرت لي خمس مجاميع شعرية، ومخطوطة واحدة، أعجز عن الإتيان بإجابة غير تلك. ربما يكون الشاعر الغزير، والشاعر المقل، يتشاركان معي في ذات الحيرة. أعني حيرة أن لا تعرف وأن تحاول أن تعرف، ولكنك تبقى ناقص المعرفة.
والآن دعني أسرد عليك هذه الحكاية. طلب من أحد الشعراء أن يدبر قصيدة في مديح السلطان. تلفت الشاعر من حوله. وجد أن أغلب زملائه كانوا قد أنهوا منذ زمان بعيد كتابة قصائدهم في هذا المقصد. أما القلة النادرة التي رفضت فلقد بني على قبورهم جدران عملاقة، ووضعوا أعلى تلك الجدران أكياس مليئة بنفايات الحيوانات. بعد زمان طويل جدا. اختفت القبور والجدران ولكن رائحة عفن مازالت تملأ المكان.
فكر صاحبنا بالشعراء الذين شاركوا في مهرجان المديح. وجدهم جميعا يسكرون ويرقصون على أن اللافت فيهم أنهم بلا رؤوس. نعم. لقد قطعت رؤوسهم بلا شفقة.
لقد كان على صاحبنا أن يتخذ قراره الآن. بين هذا وذاك. فلم يجد حلاً أفضل من الانتحار. ذهب إلى النهر الذي يتوسط المدينة، وغاص في أعماقه. لم يجدوا قط أي أثر لجسده. بدلا عن ذلك كان ترك مجموعة شعرية غير صالحة للنشر.
أنت تعرف ان هذه قصة رمزية من نسج الخيال. ولكنها تصلح لحيرة الشاعر الذي عليه أن يرضي نفسه أولاً. لماذا حيرة؟ لأنه سيظل وحيداً على الدوام.
لقد قررت مئات المرات طيلة ثلاثين عاماً، وأكثر من حياتي، أن أترك كتابة الشعر. السبب متوفر بشدة: أنا لست مخلصاً الكفاية للشعر. ثم أنني جربت أدواتي في الكتابة مرة وأخرى وثالثة ورابعة وخامسة، ولكني مثل زوج يعرف أن زوجته تخونه، ومع ذلك يعود إليها متوسلاً في كل ليلة.
لقد تعلمت الركوع كثيراً أمام بهاء الكلمة. كثيراً ما كنت أقول لنفسي: لعلها تكون الكلمة الأخيرة. الأكثر قدرة على الصمود. ولكن هيهات. كل كلمة تولد تحمل معها معولا لهدم صنم ما. والأصنام كثيرة في هذا الزمان، إنها أكثر بكثير من أصنام العصور السابقة. ينبغي أن يكثر الشعراء إذن. ينبغي أن تنتشر قصائدهم في كل فضاء ممكن. هذا هو العزاء الوحيد الذي يمكن أن يتلقاه حائر ومندهش مثلي، وهو يغذّ الخطى إلى الغد.

     

Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009