علاء المفرجي
وقع بين يدي أخيراً أحد الكتب الذي استهواني عنوانه، وأخذني محتواه المبتكر والمهم الى قراءته بشغف، والكتاب الذي يحمل عنوان (صورة بغداد الافتراضية في المخيال اليهودي العراقي) لمؤلفته د. خالدة حاتم علوان والصادر عن دار مكتبة عدنان ..



ناجح المعموري
لم يكن الفنان عماد عاشور فناناً ثابتاً في إختيار الوحدات البنائية لأعماله الفنية ، مثله مثل غيره من الفنانين وهم كُثر ، بحيث إرتضوا التحول إلى أنموذج خطي ، وينجح المتلقي لحظة رؤيته أحد اعماله الوصول إلى عائديتها بشكل سريع ، هذا دائماً ما يتمظهر في التجارب التشكيلية العراقية ، وهي تمتاز بكثرتها وعمقها البنائي ،


الكتابة وكتاب الغريب، طريق مهند العلاق في رسم رحلة الاغتراب والترحال من مكان لاخر اكثر وحشة، رسم طريقه على الورق، مغلفات الرسائل، الجنفاص، ووصل الى المرمر الذي لا يقبل اللون، فلونه وكتب عليه مسماريا..


اخر ما ارسله الشهيد علاء مشذوب الى تاتو
الأستاذ علاء المفرجي المحترم
تحية بلون المحبة
أعتقد أن بورتريه الفوتوغراف بلقطة الزوم غير مسلط عليه الضوء، وحتى أساتذة الفوتوغراف في العراق كانوا يأخذون اللقطة المتوسطة والعامة فقط. أتمنى أن يلقى هذا الموضوع القبول ومن ثم النشر في جريدتكم الموقرة..محبات
علاء مشذوب


ترجمة: ستار كاووش
آرل ١١ نيسان ١٨٨٨
تـَيّو العزيز
لا تعرف مدى سعادتي بوصول طلبية الألوان التي أوصيتك عليها، يالك من رائع وأنت تقوم بكل هذا من أجلي، أن الصندوق معي الآن لكني لم أُعاين محتوياته بعد، وفضلتُ أن أكتب لك أولاً،


أصبت بلحظة انهيار غريبة عندما سمعت لأول مرة في حياتي ، أن القبور التي نعرفها ، قبور احبائنا مصيرها الفناء، لا يشبهون الأئمة والمشاهير وأصحاب الكرامات في أبديتهم ، وبعد جيلين أو أكثر ، سيتم ازالتها . شهقت عدة مرات ، لكني بقيت متماسكًا تماسكَ المراهق الذي يريد أن يبدو رجلا . وكان كل من حولي من الناس يمتصون الكلام كما يفعل الإسفنج ، شعرت بارتعاش هزني ، صاحبـته غيبوبة خفيفة ، والمشهد المتآلف انظر إليه
كالناظر عبر نافذة يغشاها الضباب الا من فسحة ٍ . بعد أكثر من ١٢ سنة ، ومن خلال الدراسة والكتابة ، استطعت أن أميّز أول شعور ب " الغربة " شعرت به . لا ادري ماذا كنت اتوقع !!
وقتها كان جدي أحدث زائري " دار السلام " . كان كبير قومه بالاستحقاق لا بالوراثة ، مؤذنا في الجامع لفترة لم أكن اتذكرها بل سمعت عنها ، وشهدتها مرةً ، عندما تعذّر المؤذن لإصابته بالمرض . قضى أغلب عمره المتبقي بعد زواجين والكثير من الأولاد والجيش في الصلاة ، يستيقظ الفجر لأداء صلاة الفجر ، أما أوقات الظهر والمغرب فيؤديهما في الجامع الذي يبعد مسافة ٥ دقائق عن البيت .
في الأعياد والمناسبات يخصص جدي يوما واحدا فقط ، لزيارة بعض البعيدين الذين تعذّر قدومهم ، وما تبقى من ايام العيد، يفيق مبكرا ، مع صياح الديكة ، يطلب من جدتي تحضير الدِلال والفناجين ، ويعد القهوة بنفسه ، وتظل الدِلال تزهو عبر رقودٍ نفيس وهي تنثر عبقها في البيت ، تغري بفورانها وزبدها الذي يظهر كغيمات صغيرة تثير شهوة الامعان والترقب . فيبدأ الناس شيبة ومن معهم من الشباب بالتوافد ، لتقديم التهاني وفق
الطقوس المتعارف عليها . نتناوب أنا وأصغر أخوالي محمد ، في أداء واجب الضيافة ، وقد كانت هذه المرات الأولى التي تعلمتُ فيها آداب التقديم والتحايا والتقاليد الخاصة بالضيافة ، في تقديم الماء أو الشاي أو القهوة ، حيث كانت السعادة تغمرني و أنا أضع أولى خطواتي في عالم الكبار ، سعيدا ومنتشيًا بالثناء والمحبة الوفيرة التي تحيطني . ربما كنت محظوظا بالمصادفة ، فقد نلت مكانة بين الأحفاد لم ينلها أحد اخر ،
لأني كنت من اوائل الاحفاد ، ولي مكانة مختلفة بين الخالات والاخوال لفترات طويلة . كنت مغمورا بمحبتهم الى درجة لا توصف ، كنت أرى العالم مضيئا ولامعا دائما ، والى اليوم أخفف قسوة الحياة بتلك المحبة الفائقة ، التي لم تترك فراغا او عوزا في نفسي ، منحتني الثقة والقوة ، وأدركت عظمة تلك المحبة اكثر عندما شهدتُ معاناة أصدقاء لي ولدوا بعائلات كبيرة ، ولم يحظوا بالاهتمام الكافي ولم يفهموا شيئا من لطف ورحمة
وحكمة جدودهم ، لم يكن الأجداد أنبياء ، كانت لهم حسناتهم التي نفتقدها وسيئاتهم التي أعزي سببها الى ظروف الحياة القاسية وتقلباتها .
زرته مرات عديدة اثناء مرضه ، وكان يستقبلني بضحكة تملأ وجهه تشير الى سعادة كبيرة . وقتها كنت في المدرسة تلميذا بين الابتدائية والمتوسطة ، لذا كانت زياراتي خاطفة وسريعة لم يكن باستطاعتي البقاء لأكثر من ساعتين أو ثلاث بالكثير ، وكان وقعُ ذلك شديدا عليّ ، فأنا المعتاد على قضاء العطل الصيفية في بيت جدي ، وأسبق أيام العيد بيوم أو يومين ، متلهفا لأجواء العيد والعيديات ، وارتداء ملابسي الجديدة التي
اشتريتها بعناية وتعب .
وعندما كان يضع كفه اليمنى على رأسي تلك التي أميزها من خاتم رافقه سنوات طويلة حتى وفاته ، أشعر براحة عجيبة ، وكأنه يبعثني من جديد الى الحياة . الأمر الذي يضحكني قليلا الآن عندما اتذكر طلبه المتكرر بأن أصبح شيخا او معمما ، لأنه رأى أني مؤهل لذلك وفق نظرته ومعاييره التي لا اعلمها .
لا تعلم يا جدي كم تقلبت الحياة وتقلبت و تقلبت حتى لم يبق من الثياب التي ألِفتها سوى مزق ، فلا الشيخ شيخ ولا المعمم معمم الا ما رحم ربك وقليلا مما رحم ربي ، الذي ورثته عنك وعدّلت عليه كثيرا بما يجعلنا متوافقينِ أكثر .
كانت اللحظة التي توفي فيها هي اللحظة الأغرب في حياتي ، لم أكن متأثرا بكل ما سمعت وشهدت تأثرا عميقًا ، ربما لأني كنت آملا ومتفائلا بأنه جدي الذي أحب ولا أعرف أحدا لا يحبه ، التقي والورِع والمواظب على قراءة القران ، جدي الذي يحظى بمكانة عظيمة لدى الخالق وفق منظوري ، سيصعب على الله قبضَ روحه ، وسيجعله بصحة جيدة مرة اخرى ، وستشفع له صلواته وزهده وحكمته وتواضعه والتزامه الشهير بين الناس . في ذلك اليوم
كنت خجلا من نفسي أيضا ، خائفا ومستغربا أن لا استطيع البكاء ، وكنت متأكدا أنني لن أبكي ولا اعلم سبب يقيني ذاك في تلك اللحظة ، لكني بعد أن سمعت بالخبر ، مستعينا بالهاتف الأرضي لبيت الجيران في التاسعة ليلا ، سائلا عن أحواله ، بعد أن وردنا خبر قبل ذلك وقت العصر باقتراب أجله . اغلقت سماعة الهاتف ، نظرت الى جارنا ، حاولت قول كلمة شكر واحدة ، لم يسعفني فمي ، تخشب وجهي ، تسمّرت في مكاني ، تحركت مثل رجل
آلي ، وقبل أن أخرج من البيت بكيت ، بلا وعي مني ، بكيت ، وانا امشي تاركا بيت الجيران ، و ما زلت أبكي ، مسحت دموعي ، استعدت توازني ، يصيبني الخجل بمثل هذه الأحوال ، دخلت منزلنا ، لم انظر الى احد ، لم احدث احدا ، لم اظهر أية اشارة او حركة ، كنت احاول ان ابدو طبيعيا وعاديا قدر الامكان ، صعدت الى الطابق الثاني ، دخلت الغرفة ، جلست على الارض ، وصرت أبكي كلما تذكرت موقفا لي مع جدي ، حتى اني تذكرت بعضا من
العقاب الذي يردعنا فيه عن افراطنا في اللغو والعراك ، وبرغم ذلك كله ، كان هناك شيء في داخلي مثل شعلة نار زرقاء ، لا ادري لماذا زرقاء ، هكذا أحسست بها ، ربما لأنها نار باردة ، نارٌ خيرة ، لا تكوي بل تضيء فقط ، تجبرني على عدم التصديق وأن جدي بطريقة ما لن يموت ، وسأسمع بأية لحظة ذلك الخبر المفاجئ ، أنه بخير ، استعاد صحته ، استجاب الله لدعائنا مثلا ، أو انبرى له أحد الأئمة المكرمين ، كما يفعلون
بكراماتهم التي نسمع عنها ، جدي لن يموت .
أذكر الآن نزار قباني في أجمل قصائده وأجمل قصيدة عن الأب لما فيها من الصدق المحض والوجع الطافح والسلاسة البالغة في تعرية الشعور واستجلاء الأحاسيس خاصة عندما يقول :
أمات أبوك ؟ ضلالٌ أنا لا يموت أبي
ففي البيت منه روائح ربٍ وذكرى نبي
ولعل عدم التصديق يحيل الواضح والثابت والمتفق عليه الى ضَلال ، فيرى المنكوبُ الآخرين على خطأ ، ويمنحهم ويمنح المشهد صفة الضلالةِ ، الا أن ما يقتلني في هذه القصيدة قتلا ، و أراه يماثل ما شعرت به ، قوله بالنبرة المؤكدة : " أنا لا يموت أبي " . فكان أمري في تلك اللحظات هو أني أقول للعالم كله : ضلالٌ ، أنا لا يموت جدي . مع المراعاة الوزنية.
بعد مرور ٤٠ يوما شاهدت جدي ، نعم ، شاهدته بهيئة اخرى ، بشكله الجديد المصنوع من الحجر والإسمنت ، وشاهدة قبره أكدت لي أنها النهاية ، أصبح جدي الآن رفقة أصدقائه الجدد ، وعالمه المجهول الذي لا نعرف عنه سوى ما قيل وما كُتب ، يُغسل بالدموع والنواح وماء الورد ، ويقال للذي أجهدهُ النوح والحرقة والبكاء ، يكفي ، أنت بذلك تؤلم الميت ، دعه يرقد بسلام  .


نعيم عبد مهلهل
بفضل حكايات شهرزاد استطاع شكسبير أن يصل الى الكثير مما قاله ولكنه لم يعلن عن ذلك
بورخيس

( 1 )

لم يكن لمتصوفة البصرة توهجاً يشبه ذلك البوح الذي اعتنقه الزنج وأمازيغ الفداغية وعذارى مملكة العشار ،



الصفحات
<< < 1
2 
34 > >>