جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


الوصايا الأخيرة للعجوز قبل خرفه المهلك: عن ورشة كتابة المقالة للنساء في أربيل


تاتو
ماذا ينقصك يا سارة لتصبحي كاتبة؟! وماذا ينقص زميلاتك العزيزات الجالسات والواقفات في الصورة، ان يصبحن كاتبات مميزات، وبعضهن قد مارسن الكتابة والنشر داخل العراق، وربما خارجه؟ بتصوري،
وانا القارئ للأدب والمعجون بكتابه في العراق ومحيطه العربي والعالمي منذ ثلاثة عقود، فاني اتحدث هنا عن امور بعينها يمكن ان تصنع منك، ومن زميلاتك، كاتبات مميزات، بعد موهبة الكتابة، والاخيرة هبة توجد عند الجميع بفارق ان احدهم لا ينتبه اليها، فيما اخرون يقمعونها، والقليل ينمونها؛ فلا احد لا يحب التعبير عن نفسه، وهي، بتصوري، صيغة اولية لما يسمى عندنا الموهبة، وبالفعل فثمة اناس موهوبون، ولأجله ربما قال ابو الشاعر العراقي القدير: رشدي العامل، وهو يهيل على قبر ابنه والدموع تملأ عينيه: مع السلامة اوليدي... يا موهوب". جملة الاب الملتاع لم تقل عبثا، انها نتيجة متابعة الاب اليومية لسلوك ابنه، رشدي العامل كان محظوظا في هذا الامر، ان كان له اب يتابع موهبته.. احيانا يُسكت الخوف هذه الموهبة، ولنقل المقدرة الاولية على التعبير عن الذات، وليس مهما ما هو هذا الخوف: من سلطة غاشمة مثلا، او من اب لا يفهم رغبة الابن - البنت في التعبير عن نفسها، في النهاية هناك خوف يمنع او يقتل تلك المقدرة! وبعد.. فان اول ما اشدد عليه، ان تحبي اللغة، اية لغة تكتبين بها، فلا معنى للكاتب - للكاتبة من دون هذه اللغة؛ واللغة هي اداة الكاتب - الكاتبة. ومن قبل نصح صاحب الخمريات، العظيم ابو نؤاس ذلك الفتى الذي سأله النصح ليصبح شاعرا، قال له: احفظ الف بيت وتعال! فلما جاء، قال الفتى: لقد حفظتها.. رد عليه المعلون: انسها! ولو عاش ابو نؤاس الان لجلس في قيصرية كريم حنش، فهو البغدادي، وان رضع اللغة من بادية بني اسد، وقال للفتى، وهو يقهقه: انسها ايها الولد!! وعمك الجواهري كان ابوه يعده ليكون مرجعا عظيما، فصار اعظم شعراء العربية في العصر الحديث. وكان الاب يجبره ان يحفظ القران والشعر في قبو البيت، حتى اذا انتهى مما كلف به ركض الى الشارع فلا يجد احدا من الصبيان ليعلب معهم. ثم هناك القراءة الموسعة في الادب اولا، بعد التولع به؛ فان تكون مولعا بأمر هو نظير ما قاله عمك العجوز، صاحب نوبل، يوسا، ان تكتبي عما تحبين. نعم هذا سر النجاح، لكن يوسا كان قد تتحرر من قيود كثيرة جعلته يكتب عما يحب، بالضبط مثل صاحبكم نجم والي، فهو كذلك حر ويكتب عما يحب. وقريب من هذا ان تكون لديك فكرة تكتبين عنها، وهو ما شدد عجوز اخر عليه "اهي مصادفة ان امثلتي كلها مأخوذة من حياة العجائز، ولابأس فالكتابة تجربة مريرة، وهي كاللؤلؤة الثمينة تزداد قيمة بتقادم الزمن!!"، هيمنغواي، مثلا، كتب يوما انه يجب ان نجلس الى طاولة الكتابة سبع ساعات. هذا ما افعله يوميا، لكن لابد ان يكون لديكم فكرة عما تريدون ان تكتبوا عنه!! وعندي ان الفكرة تنفتح على تاويلات عديدة، اهمها ان تكون لديك قضية.. ولا اقصد بالقضية المفهوم المبتذل الذي اوجع به رؤوسنا اصحاب الايديولوجيات الكبرى، انما اقصد ان تكون لديك قضية تريدين ان تكتبي عن جانب منها. وفيما يخصني فقد كانت حياتي مثار قضيتي دائما: كيف عشت، كيف قرات، كيف تعلمت، وكيف نجوت، وربما كيف تبدد هذا العمر!! ومن قبل سألوا شاعرا عربيا قديما: لماذا لا تكتب عن حياة القصور؟ اجابهم: لاني لم اعش حياة القصور. ولاني كنت دائما هذا الفقير الذي يتدبر قوت يومه بالكاد، شأن اغلب الكتاب، فإني اكتب عن حياة هؤلاء الفقراء. وليست مصادفة ان اغلب الكتابات العظيمة كانت عن محنة الفقير اليومية. ماركيز، مثلا، وهو، بالمناسبة، عجوز اخر قتله ما كان يقاومه دائما: الخرف او الزهايمر، كان قد ضرب ساقه، وهو يرى ابنه يتلوى من الجوع، ولا حليب عنده، قال لابنه لحظتها: اقسم يا ولدي انها المرة الاخيرة التي تبكي فيها من الجوع..! وترك الادب ليعمل في مجلة اقتصادية ابعد ما تكون عن اهتماماته الادبية والثقافية، لكن الادب وعدوى الحكي كانا قد اصاباه بمقتل، فكانت "مائة عام من العزلة" تتويجا لامتناعه عن الادب. وفي بالي الان قول اهلنا هنا في العراق، الجنوبيون منهم خاصة: هلهلله بالناس، هلهلله بالفقير.. وهو، عندي، صاحب القصة وراويها..!
والان، فإن السبل كلها امامك فأبداي من حيث تشائين.. وكل التوفيق لك، ولزميلاتك المتدربات. وشكرا لنجم والي؛ فهذا بعض الوفاء للكتابة عن العراق، والاهم للكتابة باللغة العربية، مثلما اشكر منظمة البرلمان الالمانية ووزارة الخارجية الالمانية، ولا شكر لوزارة الثقافة، ولا لوزارة الخارجية "نعم لدينا وزارة خارجية، مثلما عندنا وزارة ثقافة، فيا للعجب العجاب، وكلامي دليل دامغ على وجودها، مثلما كان دليل امين بغداد السابق: خير الله طلفاح، عندما سئل عن ادلة وجود الديمقراطية المسعورة في العراق، فقال بيقين: الدليل انك تتكلم معي وفي تلفزيون بغداد! فأية معجزة هذه، واي دليل هذا على وجود تلك الديمقراطية الفذة..! ولأجل هذه ايضا يستحق عليها نجم والي ان نشكره ايضا وايضا!!.. هذه الورش هي التي تنمي قدرات المرأة على الكتابة والتعبير عن ذاتها... ومن هنا تبدا الحكايات الكبيرة..



المشاركة السابقة : المشاركة التالية