جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


الرؤيا وأفق الخيال الشرقي في أعمال الفنان العراقي سعدي داود


محسن الذهبي
من الاسماء  المتميزة في التشكيل العراقي المعاصر نتوقف عند تجربة الفنان  (سعدي داود) المغترب بين  المملكة  المتحدة  وفرنسا  من  سنوات، فما ان ندخل عالمه حتى نخرج ونحن نغرق في لجة من التساؤلات وموجة حب جارف لتلك المخلوقات الحلمية المنتشرة على سطوح لوحاته الغارقة  بطفوليتها  المحببه،  والمستقاة من جذر حكائي  شعبي موروث،
فهو يعتمد في ابداعه على ماهية الشكل بشكل اساسي اذ تبنى خطابا بصريا قوامه لغة جمالية مغايرة تستنبط  معالمها من اسطورية الوعي الثقافي المكون لوعيه كفنان  وانسان مبدع.  فالشكل التصويري  عنده يفهم في اطار قالب من المحلية حتى نستطيع ان نستوعب القدرة التوصيلية والتعبيرية، فهو يجتهد في تحويل الذاكرة الجمعية التي يختزن  لتصبح اشكالا  ورموزا ذات معنى انساني اوسع  مفهوما  ومقبولا  عالميا ومن مختلف الثقافات. 
فهو يشتغل  بجد على عدة عوامل تؤثر في اسطرت هذه الاشكال المعبرة عن تلك القيم الاجتماعية  والجمالية والموروث الشعبي وكلها  منابع تصب في الذاكرة الفردية للفنان والتي  هي مخزن الابداع الذي يعود اليه ليجسد ظاهرية الاشياء  بصريا وغالبا ما يكون مشحونا بعاطفة ترابطية ومعان باطنية متفاعلة مع ثقافته المحلية على المستوى  القيمي وبهذا المعنى تكون جزءاً من فلسفة ذاتية تعكس نظرته للواقع.
  فالشكل البدائي  - الانساني والحيواني -  خصوصا يختزن معاني  متعددة تساهم في  بناء المعنى العام للوحة رغم انها اشكال بسيطة ولا تحمل اي تعقيد او تراكبية  لكونها  ذوات مسكونة بمعاني متوالدة تستند على صياغات بصرية ذات مضمون واضح المعالم بعضها يطفح بها سطح اللوحة فيما يظل البعض الاخر رابضا في العمق مستترا يستعصي على الامساك وينتظر الكشف من عين المتلقي ووعيه.
ان  اعمال الفنان (سعدي داود) تعتمد بشكل اساسي على  قيمة الفعل الدرامي العفوي ليصوغ المعنى الصوري،  مما يجعلنا ندرس تجربته الواسعة  على  انها  وحدة  واحدة من التطور  الدرامتيكي لفنان  يحاول  ان  يطرح همومه باعتبارها جزءاً من  موروث  ذاتي يعبر بشكل  او بآخر عن  هموم  مجموعة عاشت  وتعيش  تلك  اللحظات  التي  يسجلها، مستفزا فينا  روح الاستذكار الطفولي المغرق بالتمويهات االذاتية المترسبة في تكوين ذاكرتنا.  فهو أذن يؤرخ  لها بشكل ما كما نفهمها على أنها صور تسجل او تؤرشف  وعيا جمعيا، قد تتجاوز في  منظورها الفني  الوعي الفردي الملتصق بالواقع فهي تتجاوز المطابقة المفترضة بينها  وبين الواقع، لتنقلنا  الى  تكوينات  أقرب ما  تكون  لحلميات متخيلة عن واقع مضى  وبقيت  في النفس  جذور  منه، أستغلها الفنان بمهارة المبدع  كي  تجد طريقتها في التعبير  عن  الأنا الجمعي. مستعينا بتلك الفطرية  المحببة  لقلوب  الاخرين  وهي  عالم الطفوله. فمن  منا لم  تتكون  احلامه  من  حلم  قديم ترسخ  بالذاكرة؟؟ التساؤل  اذن  بين تطابق الصورة التعبيرية في  خلق  ذاكرة جمعية تنتج وقائع بصرية محددة  الاشكال  تشكل بدلالاتها البصرية نموذجا يداعب  خيالنا  الطفولي، بمعنى  اخر ان الفنان يحاول جاهدا ان يعيد  لنا  فرح  اللحظة الطفولية بشكل  أقرب ما يكون لفطرية  السذاجة.
فالحداثة عنده لا  تعني الاغراق بالتجريد بل  بالاشتغال على  اللاوعي فهو السر، إنه الاشتغال الواسع على (مبدأ حياة) الحياة. الملجأ الوحيد ضد الأنا، مثلما يرى الشّاعر الألمانيّ شيللر(أنّ العبقريّة ملازمة للسّذاجة) و ليتخطى واقعية تنقل الواقع بطريقة غير مباشرة، فيها نوع من الفنية والجمالية والإيهام بالواقعية. ففي المذهب الواقعي نهتم وندرس التكوين وعمارة المنظر وعلاقات الخطوط والشكل واللون من أجل تمثيل فكرة لها طابع متكامل  بدلا من مجرد تسجيل المظهر الخارجي للأشياء الطبيعية، لكن الفنان هنا  يفعل  ذلك متقصدا بالمبالغة او التحوير الشكلي أحيانا لتوسيع  دائرة  الرؤيا وآفق الخيال  لعين المشاهد. 
بينما انتقل من مفهوم الزخرفة والتزيين في اللوحة عنده من معنى البناء التشكيلي والمنظور، ليعني مفهوما أشمل باعتباره فنا مركبا يجمع بين العلامات اللغوية والبصرية  عبر اعطاء الصور المرئية  البصرية  قصد توضيح معاني النص الدرامي وتفسير مؤشراته السيميوطيقية والمرجعية. وتنصب أيضا على الخلفية التشكيلية المتوقعة في اعطاء مدلول اوسع للجزئيات الثابتة في المتن النصي للوحة فهو لا يعتني باعادة  صياغة الواقع الماضوي – الطفولي بشكل تماثلي  وحلمي  فحسب  وبشكل  توثيقي  بل هو يريد ان  يوثق الزمن  المفتقد في  فرحه انها  سيرة  لحظوية لا  يريد لها  ان  تموت  بل يوثقها كي  تبقى  حية  بمداليلها.
أن (سعدي داود) يحاول ان يترك بصماته المميزة فنيا وجماليا على رسم الحدث، وأن يضيف إليه أشياء كثيرة من تجاربه الذاتية والموضوعية يرسم التصورات من أجل إضفاء معنى على الفضاء.  فيشكل من معطياتها، وفق رؤية موحدة، تكوينات بصرية- مشهدية تنطوي على علامات مكانية وزمانية ذات قدرة على التوليد الدلالي، أو الدال على ماوراء الدلالة الحقيقية من دلالة ثقافية إضافية إيحائية احتفالية ميثولوجية تنبني على البساطة والتنظيم والترتيب والميل إلى التشكيل التراجيدي. فهو  اذن يضع أصبعه موضع الوجع الحضاري الذي نخاف ان يهرب في غمضة عين من ذاكرتنا
اعماله في مجملها تؤكد أن لامناص للمبدع في هذا الارث الشرقي وان  تغرب، من أن يكون امتداداً للمسات وتراتيل إبداعية موغلة في هذه الأرض العتيقة، وإن كانت الترتيلة القديمة تأتي هنا وكأنها تسجيلية، لكن مع التأمل، والإحساس الذي يقدمه المشهد البصري، يؤكد أنه قدّم فنه الخاص، من خلال خطٍّ تشكيلي اتخذه لشغله البصري والبحثي معاً، وأعتقد أن قلة قد ينافسوه في ذلك.
يطرح أمام مشاهديه جمالية لوحته التشكيلية الجديدة، التي وصل من خلالها إلى غنائية الموروث الشرقي  والعراقي  بالذات. فهو يستثمر بوعي التحويرات التعبيرية، التي تكسر حدة المدارس الفنية بحشد الحركة الإيقاعية المتصاعدة والمعبرة عن الحرية العاطفية في التعاطي مع الجوهر التكويني والتلويني.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية