جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


العثور علىقصائد نيرودا المفقودة


ترجمة /تاتو
وُجدت القصائد المكتشفة حديثاً، كما تقول ماجدولين أدواردز في مقالها هذا، مخبَّأةً في دفاتر الشاعر التشيلي بابلو نيرودا، وهي مكتوبة على قوائم مطاعم، وأوراق مقطوعة. وكان نيرودا، كما هو معروف، قد مات عام 1973،
مسموماً كما يقال، بعد حوالي أسبوعين من انقلاب أيلول الدموي الذي قاده الجنرال أغوستو بينوشيه بتدبير من وكالة المخابرات المركزية الأميركية. وكان نيرودا قد خدم كدبلوماسي لبلاده في بورما والهند، وسيري لانكا، والمكسيك، وأسبانيا، والأرجنتين وأماكن أخرى، وتتجلى صور أسفاره بشكل واسع في شعره. وفي عام 1945، انتُخب سيناتوراً عن مقاطعتي أنتوفاغاستا وتاراباكا من شمال تشيلي، وانضم إلى الحزب الشيوعي ليضطر بعدها للاختباء والهرب إلى المنفى حين حظر الرئيس غابرييل غونزاليس فيديلا الشيوعية في البلاد عام 1948. وفي هذه الفترة، أكمل نيرودا عمله التأسيسي (أغنية عامة Canto General)  الذي يُعد تاريخ العالم الجديد من منظور أميركي لاتيني، وهو يعير فيه انتباهاً خاصاً لموطنه تشيلي. ويتألف الكتاب من 15 قسماً ومن 250 قصيدة تقريباً، ونُشر أولاً عام 1950 في مكسيكو سيتي بطبعة خاصة برسوم للفنانين الجداريين المكسيكيين دييغو ريفيرا وديفيد ألفارو سيكويروس. وراح نيرودا، في أعقاب إطلاق كتابه هذا، يؤلف القصائد الواردة في (ثم ارجع Then Come Back)  وهي عملية استمرت حتى السنة التي مات فيها.
وتتباين هذه القصائد القصيرة نسبياً، المكتوبة من دون عناوين بل بأرقام، مع مدى التحويل الأسطَوري الطموح لـكتاب (أغنية عامة)، مع أن الكتابين يتشاطران زخماً غنائياً يتغلب على زخم تشيلي والعالم الجديد، ويكافح ليصبح مستقلاً. فنجد نيرودا يكتب في المقطع الختامي من القصيدة الرابعة، قائلاً:
[ ومهما كان الأمر، ستظل طُرُقي القديمة
تعلّمك وتغني لك
  عما هو مرّ وكهربائي في هذا الزمن المشعّ،
غير الصافي....]
ويقدّم وعداً بعد أبيات قليلة:
[  سأفتح صفحاتٍ من الحديد والندى
لقرنٍ ملعون ومبارك،
قرنا صار بنّياً مثل رجال قاتمي اللون بأفواهٍ متعذّبة،
رجال ذاتّسموا، في حياتي، بضمير وإدراك عميق لائق،
وادّعوا لهم رايةً ملطخة بقرونٍ من الدم والعذاب. ]
فهناك تقابلات أينما كان هنا، أضداد وتكملات: "تعليم" و"غناء"، " مر" و"كهربائي"، " غير صافي" و"مشعّ"، "حديد" و"ندى"، ملعون" و"مبارك"، "ضمير" و"عذاب". والقوى والقوى المضادة في حالة عمل خلال "قرن صار بنياً". وقد بلغ الأمر بالرجال من غير أبناء الطبقة الحاكمة الأوروبية البيض إلى "أن يدّعوا لهم راية" ليسمّوا بلدهم الذي ينتسبون له بـ " بالأفواه المعذبة". وإنه لأمر له أهمية مركزية أن يتحول هذا الوصف المثير للعواطف من سلبية العذاب إلى قوة الادعاء. 
ويتردد صدى هذا التحول مع حدثٍ في حياة مؤلف القصيدة، الذي غيّر اسمه من ريكاردو أيليسر نيفتالي ريز باسولتو إلى بابلو نيرودا، اسم الشاعر التشيكي جان نيرودا. وكان قد اتخذ هذا الاسم الأدبي وهو في سن 14 تجنباً للمشاكل مع أبيه الذي لم يكن يريده أن يكون شاعراً، كما قال.
والقصائد الست الأولى في المجموعة الشعرية هي قصائد حب لماتيلد أروشا، زوجة نيرودا الثالثة. وفي الوقت الذي يبدو فيه هو وماتيلد عاشقين حميمين ومتعاونين إبداعيين على امتداد أشعاره، فإن نغمية مواجهاتهما المنزلية، والفنية، والرومانسية المؤطرة بالخط الغنائي يمكن أيضاً أن تعلَق سريعاً في تاريخ بلدهما وجغرافيته. وتبدأ القصيدة كالتالي:
    [ إني لألمس شعورَكِ في الظل، ويديك في الضوء،
      وفي الطيران ترشدني عيناك الرحّالتان،
        ماتيلد، بقبلاتك التي علّمني إياها ثغركِ،
        عرفت شفتاي النار. ] 
وماتيلد ملهمة شعرية قوية تعلّم وترشد نيرودا، ليس فقط في مسائل القبلات والنار. ففي البيت التاسع والأخير من القصيدة يتعلم الشاعر شيئاً ما جديداً من تشارك جسديهما الحميمي، وأذناه منضغطتان على نهديها، ودمه يسري خارج مقطعها الأروكاني Araucan. فهو، باستخدامه جسده هكذا للاستماع إليها، يستعمل لغةً أحشائية من مقاطع آتية من المابوتش الأروكانيين، وهم أكبر الجماعات الأصلية من سكان تشيلي. وفي اللحظة النهائية من البيت الأخير، تنفتح القصيدة في اتجاهات غير متوقعة وتتدفق الألفة التي بين الاثنين نحو هذه الجماعة التشيلية بوجه خاص.
ويمكن القول إن العناصر السياسية لشعر نيرودا، وبشكل خاص كطريقة لتسمية وتجميع كتلة جماعية من الشعب، تبدو واضحة أحياناً (" ادعاء راية ملطخة بقرون من الدم والعذاب") وفي أحيان أخرى تكون أكثر خصوصيةً ودقة  ("وسرى دمي خارجاً من مقطعكِ الأروكاني"). وهي توجد على الدوام إلى جنب لحظات إنسانوية أكثر هدوءاً تتكلم من دون إطارات واضحة لارتباطٍ أو اتحاد سياسي.     
ويأتي عنوان المجموعة الشعرية هذه من القصيدة السابعة، حيث يقع هذا النوع الدقيق من اللحظة الخاصة. فصوت الشاعر يخاطب هنا " رجلاً شاباً " (هو الشاعر نفسه، إضافةً للفنان داخلنا جميعاً) وينصحه بأن ينتظر:
      [ أبقِ صمتَك
          معلَّقاً
        حتى تنضج الكلمات
        داخلك ]
وبينما يحدث النضوج،
        [ عليكَ
          أن توسّخ يديك
          بالزيت المحترق،
        بالدخان
        من المرجل،
      وتغسل نفسك
      وتلبس بدلتك الجديدة
        ومن ثم...
          تتقسّى
        تقوم بمشيةٍ
          على الأحجار الحادة
        وبعدها تعود.]
فقبل أن يكون بإمكان الشاعر أن يبدأ بإنتاج شعره لا بد له من أن "ينضج" و"يوسخ" يديه بأي شيء أمامه. وعليه أن يقسّي نفسه بأن يدوس على "الأحجار الحادة" ويعود من ثم إلى البداية، نقطة الأصل لديه. وعملية العودة هذه، رجوع المرء إلى جذوره أو ذاته الأصلية والأصغر سناً، شعيرة قوية للاستحضار. فحتى لو غيَّرتَ اسم مولدك، وحتى لو انتهك رئيسك حزبك السياسي وأصدر إذناً باعتقالك، حتى لو ذهبت إلى المنفى واتصلت مجدداً بأصدقاٍ قدماء وقابلت أصدقاء جدداً وأنجزت عملاً جيداً في الخارج.. وحتى لو متَّ، فإنك ستعود على الدوام إلى الشخص الذي كنته في البدء.
والتغيير، سواء كان تسوية صغيرة جداً أو انتقالة دائمة، موضوعة تبرز في القصيدة الـ 14. ويشير مقطع القصيدة الأخير بوجهٍ خاص إلى 22 آيار 1960، يوم زلزال فالديفيا، أقوى زلزال تم تسجيله هناك، وأحدث تغيراً في الأرض وسكانها، وضربت أمواج البحر الهائج تشيلي واليابان، وهاواي، والفيليبين.. ومع هذا فإن أولئك الذين "شعروا بالموت هناك/ ماتوا قبل أن يموتوا". ويشير الشاعر بذلك إلى أن سكان فالديفيا كانوا قد عانوا طويلاً من الهلاك والموت ــ الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والروحي ــ قبل الزلزال الكارثي، المصيبة التي هددت " كيان المدينة من جذوره" وإمكانية نشوئه مجدداً.
والتغيير كالخسارة لا يجب أن يكون على قدر كارثة طبيعية ليتجلى بطريقة ذات معنى أمامنا على نحوٍ متعجل. فعلينا أن نرى ونسمع ما أمامنا ونتّبع المثل الوارد في آخر أبيات القصيدة، وندع الريح اليومية تجعل قلوبنا تخفق كأوراق الشجر، ونُسمع تعاطفنا لجيراننا ولأنفسنا: "كما يقولون/ القلب مثل الورقة/ تجعلها الريح تخفق".   
ويمكن تتبع الأوراق في الريح هذه من خلال عدد من قصائد نيرودا الأخرى في هذا المجلد، بما فيها الرابعة "ورقة الخريف المغنية"، والثامنة، والثالثة عشرة (مراهقة مفسَدة، حزينة و عذبة،/ مستنقع من الكآبة/ حيث ترتعش الأوراق/ والأجساد.)
أما القصيدة الحادية والعشرون، فيتردد فيها صدى صورة القلب كورقة في الريح، لكن على خلفية ما بين المجرّات  مع رجلين فضائيين يطوفان في الفضاء، " أولئك الرجال/ الذين هناك في الأعلى ":
      [ بين أجسادٍ نجومية مشذبة ومتلألئة
      كالعشب في الفجر،
        شيءٌ ما جديد أتى من الأرض،
        أجنحة أو برودة عظام...
        طائر غريب
          يخفق
          للقلب الإنساني البعيد. ]
وهذا "الشيء الجديد" الآتي من الأرض، كما يبدو في الأول، هو الفضائيون، لكنه يشير كذلك إلى روح الشيء الذي يحملونه، الإنسانية ذاتها. إنهم "طائر غريب" يخفق أو ينبض لـ "القلب الإنساني البعيد" هناك على الأرض. و القلب الإنساني في هذه القصيدة يقوم بدور الريح في الغنائيات السابقة؛ وهو ما يجعل شيئاً ما آخر يخفق، يُحدث يتسبب في حركةٍ ما أو في إثارة.

عن/ Boston Review



المشاركة السابقة : المشاركة التالية