جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


الشاعر الفائز بجائزة الفنادق *


عبد الخالق كيطان
قابلت الدكتور علي عباس علوان، لأول مرة في حياتي، أسفل مقهى السنترال في العاصمة الأردنية عمان. كان برفقته الشاعر هادي الحسيني، والذي قدمني له قائلاً: هذا هو عبد الخالق كيطان.
كنت قد وصلت للتو إلى عمان،
وكان معارفي قليلين. وفي الغربة، كلما زاد معارفك كلما اقتربت من برّ الأمان: بالمصادفة اكتشف، أن أول مسلسل درامي كتبته كان بعنوان: برّ الأمان. السؤال هنا: هل كنت أبحث عن الأمان، وأنا أربض في العراق الذي أهرب منه الآن؟.
صعدنا السلم الذي يقود إلى مقهى السنترال، يساراً، وبار صغير يميناً. وجهتنا كانت المقهى. جلسنا. نودي على نادل المقهى المصري الذي استبدل مرات ليستقر الأمر على رضا، بأن هات الشاي. ومع قرقعة الاستكانات قال الدكتور علي عباس علوان، ما كنت أنتظر سماعه منذ دقائق مرت ثقيلة للغاية:
-هل كانت قصائدك عن الفنادق تحديداً؟
وقلت: بلى.
فما كان منه إلا أن زفّ الخبر أمامي: إذن، فأنت الفائز العراقيّ بجائزة الشاعر عبد الوهاب البياتي. لقد قرّ قرار اللجنة، المكونة مني، والشاعرين: حسب الشيخ جعفر وسعدي يوسف، على منح صاحب المجموعة الشعرية، التي أتذكر جيداً أن أجواءها عبارة عن فنادق بغداد الفقيرة، الجائزة.
كان صديقي الشاعر عبد الحميد الصائح، قد أخبر صديقنا المشترك، الفنان الراحل عبد الخالق المختار، بأنني حصلت على الجائزة، وكنت حينها في بغداد. الصائح كان يتصل تليفونياً، من دمشق، بالمختار. كانا يتحدثان بلغة رمزية متفق عليها بينهما، فالصائح كان محسوباً على المعارضة العراقية. وفي أحد تلك الاتصالات أخبر الصائح المختار بنبأ فوزي بجائزة البياتي. كيف؟ لأن المختار كان قريباً من لجنة الجائزة الممثلة بالشعر محمد مظلوم، والذي بدوره أفشى سر الفائزين للصائح، والذي بدوره نقل المعلومة للمختار، ذلك أنه كلن يعرف حميمية علاقتي بهذا الأخير.
كنت من سكان فندق الماس، حينها. الفندق الذي يقع قبالة جامع الحيدرخانة في شارع الرشيد، بالضبط. عندما وصل صاحبي، وسميي، لكي يبشرني بالخبر الذي سيغير مجرى حياتي. قال: مبروك. لقد فزت بجائزة الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي. المفارقة هنا أنني لم أكن أعرف أصلاً أنني مشارك في تلك المسابقة. أما كيف فإليك الحكاية.
ذات صباح جمعوي (نسبة إلى يوم الجمعة!) من عام 1997، وصل صديقي الشاعر فرج الحطاب، قادماً من مدينة الثورة، إلى الفندق الذي كنت من نزلائه، وأسمه: فندق عدنان الحديث، فقط ليطلب مني طلباً غريباً عليّ، آنذاك:
-هل لديك مجموعة شعرية؟
ولأنني كنت، وما زلت، أعدً نفسي من هواة الشعر، فلم أكن قد أعددت أية مجموعة شعرية. جدير بالذكر أنني بدأت الكتابة أواخر الثمانينيات، وبدأت معالم النص الذي أكتبه تتبلور أواسط التسعينيات. وبين هذين التاريخين، كتبت المئات من القصائد التي لا أدري عنها شيئاً الآن، ولكنني أعدها مجرد تمارين في الكتابة. يخيل إليً أنني قمت بإعداد أكثر من مجموعة شعرية في تلك الفترة، ولكن مسألة نشرها لم تكن قد تحققت لسبب أو لآخر. هكذا كان طلب صديقي الحطاب مباغتاً، أضف إلى ذلك أنني لم أكن من هواة طباعة الشعر بطريقة الاستنساخ التي شاعت في تلك السنوات، ودشنها مجموعة من أقرب أصدقائي. قلت للحطاب: ما المطلوب مني؟ فطلب مجموعة شعرية مخطوطة. وإذ كنت لا أمتلك واحدة، فلقد هون عليً الأمر قائلاً:
-هو دفتر نشتريه من سوق السراي القريب، ثم تملأوه بقصائدك، وفي الجمعة المقبلة آخذه منك.
-إلى أين؟
أصدقاؤنا في مجلة ألواح الصادرة في أسبانيا، عبد الهادي سعدون ومحسن الرملي، يريدان أن يصدرا عدداً من المجاميع الشعرية لشعراء الداخل الجدد، وستكون من بين هؤلاء.
كان الأمر مفرحاً بالنسبة لي، ومحفزاً على المشاركة.
نزلت والحطاب من غرفتي في فندق عدنان الحديث وذهبنا معاً إلى سوق السراي، حيث قام صاحبي بشراء دفترين صغيرين لكلينا. ثم قال لي: الجمعة المقبلة، أخذ الدفتر منك وقد صار مجموعة شعرية. ما عليك سوى تدوين قصائدك في هذا الدفتر، وسأقوم بإيصالها إلى مدريد.
فعلت ما طلبه مني صديقي فرج الحطاب، ثم نسيت القصة.
مرت شهور قبل أن يقول لي صاحبي عبد الخالق المختار، إن مجموعتي الشعرية قد حصلت على جائزة الشاعر عبد الوهاب البياتي. كان الربط بين مدريد ودمشق شبه مستحيل بالنسبة لي. ولكن تتابع الأخبار أكد لي أن، مسألة مدريد لم تكن سوى قناع لجائزة دمشق.
كنت خائفاً من أمر الجائزة، فاستشرت صديقي الشاعر الحكيم عبد الزهرة زكي، وكان حينها مسؤول القسم الثقافي في جريدة الجمهورية. كان رأيه أن اتسلم الجائزة. أما صديقي الشاعر فاروق سلوم فنبّهني إلى خطورة تسلم جائزة من جهة معارضة. قال لي أنا معك حتى النهاية. كل من استشرتهم كانوا يحذرونني منها، بعضهم طلب مني كتابة بيان رفض للجائزة لكي أبرئ ساحتي من تهمة التواصل مع جهات معارضة. وبين هذه الآراء كلها كنت قد عقدت العزم على السفر إلى عمان بوفد رسمي تكفل الصديق الفنان جواد الشكرجي، بالحصول على دعوة رسمية لي للمشاركة في مسلسل تلفزيوني، كذلك، في عمان. ثم قام فاروق سلوم، بوصفه مدير عام دائرة السينما والمسرح، بالتكفل بترويج معاملة الايفاد وتمريرها من بين يدي وكيل الوزارة حميد سعيد، الذي استغرب وجود اسمي بين مجموعة من الفنانين الذين سيشتركون بتمثيل مسلسل أردني، فيما دفع لي الصديق الفنان قاسم وعل السراج والصديق الكاتب علي حسين والصديق ستار أبو شماع بعض الدنانير الأردنية اللازمة لرحلة السفر. أما الفنان قاسم الملاك، وكان مديراً للفرقة القومية للفنون الشعبية، فقدمني إلى الصديق فؤاد ذنون، لكي أكون جزءاً من وفد الفرقة المسافر للمشاركة في مهرجان جرش في الأردن بوصفي إعلامياً مرافقاً. ركبت الباص الرابض في باحة قاعة الشعب في الباب المعظم، واخترت آخر مقاعد الباص. كنت أرتجف.
خرجت من العراق، ووصلت إلى عمان.
الفنادق التي عشت فيها بين عامي 1988 و 1998 هي: فندق في الباب المعظم مقابل مديرية المرور/ حجز المركبات، بين جسر مدينة الطب والباب المعظم، وفندق دنيا، في شارع الرشيد/ الفرع الطالع من مقهى الزهاوي، وفندق لم أعد أذكر اسمه يقع في سوق هرج بالميدان، وفندق عدنان الحديث وفندق الماس، ويقعان في شارع الرشيد بين ساحتي الميدان والرصافي، وفندق المناهل الذي يقع في شارع الجمهورية. ولكل من هذه الفنادق قصة تستحق أن تروى، فهي بالتالي قصة مدينة، وواقع وتحولات مثيرة على أكثر من مستوى.



المشاركة السابقة