جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » قضايا


نفايات عصر الاستهلاك


لطفية الدليمي
    من الحقائق  الصادمة  على كوكبنا الملتهب الذي خذله سكانه،  أن البشرية قد بلغت الحدود القصوى للعجز عن حماية نفسها من  نفسها، فما بلغته  الحشود الانسانية من الايمان بالمال والماديات والمتع الآنية، جعلها  تفقد  القدرةعلى مواجهة المسيطرين على الغيلان المنفلتة التي اطلقها العلم من جهة،
وتعاظم  التسونامي الاستهلاكي  الذي يحول الاشياء والبشر الى نفايات من جهة اخرى، يخبرنا  الفيلسوف وعالم الاجتماع  (زيغمونت باومان)  في آخر حواراته (توفي في كانون الثاني 2017)  أن الموضة  جعلت البشر متخصصين في انتاج  القمامة، فبسبب هيمنة الموضة  يتخلى الناس عن ملايين الأطنان من الثياب الصالحة للاستعمال، ويسعون بنوع من النهم المرضي إلى الحصول على الجديد من المنتجات المبتكرة وفي مقدمتها الثياب والادوات المنزلية والأثاث ومستجدات الاجهزة الالكترونية، ويعمل البشر ليل نهار من أجل كسب المزيد من المال لاشباع نهم الاستهلاك الذي تغذيه أساليب الترويج للسلع الجديدة.
    تتمحور  ظاهرة  الموضة المهيمنة على  المجتمعات الحديثة  حول فكرة  :  أن مانشتريه  اليوم سيتوجب علينا التخلص منه سريعا لنجعله  في عداد النفايات، فنحن نتخلص من ملابسنا بقصد التجديد المستمر وليس لكونها  بالية  أو لأنها ماعادت تناسبنا، بل لأنها أصبحت خارج اشتراطات منظومة  الموضة  لهذا العام، تلك الاشتراطات التي يتفق عليها رؤساء شركات انتاج الثياب ومواد التجميل، وينصاع لها التجار والمسوّقون ومصممو الازياء ومصنعو الموبايلات  ومزينو الشعر و تروج لهم الاعلانات المبهرة والعروض التشويقية المغرية، فلايعود المرء في المجتمع الاستهلاكي قادرا على الظهور بملابسه  القديمة  فثمة ضغوط هائلة  تستهدفه من البرامج المتلفزة والمجتمع عابد المظاهر  وترغمه على  التماهى مع السلوك الجمعي، فينصهر في القطيع المتماثل الذي لايملك فرادته ويمكن  اخضاعه  بسهولة للنمط  الذي تبتغيه  السوق والسياسة وتفرضه معدلات الانتاج، فيغدو الكائن روبوتا استهلاكيا يمتلك بنهم  ويتخلى بسرعة عما امتلكه، وينعكس ذلك  على نمط العلاقات الانسانية، فالكائنات القلقة  المهووسة بالاقتناء المفرط و الحصول على كل ماهو جديد في السوق، تنعكس سلوكياتها الاستهلاكية على العلاقات بينها وبين البشر : اذ تمكنها الظروف المشوشة لعالم الاستهلاك من الحصول على العلاقات بيسرٍ، عن طريق الاعلانات التي تروج للمواعدة  وتعرض صفات  الرجال والنساء  طالبي  الرفقة : لون الشعر الطول والوزن والهوايات، وبوسع  المستهلك  اختيار الشريك  الذي يناسب رغباته الغرائزية  ونزوعه المادي، ولكن إلى أي مدى ستدوم تلك  العلاقة  طالما هناك  امكانية الحصول على  المزيد كما في عروض  السوق الالكترونية ومواقع التواصل؟؟
  في هذه  الحالة  يمكن استبدال  الشريك  - بسلوك نفعي محض - وبيسر مثلما يستبدل المرء سيارة عتيقة او جهاز موبايل بطل طرازه،أي تبعا  للموضة  فتتشظى العلاقة الانسانية ويتضاعف قلق  المرء من فقدان الشريك المعرض لغوايات السوق، ويصبح  الوضع البشري مريعا  مضطربا مفتقدا للقيم  الانسانية والحميمية التي  يصعب العثور عليها لدى المعروضين في سوق التداول السلعي.
  تتعولم العلاقة فتصبح هشة عابرة لافتقادها الى المعنى الانساني وعمق التعلق والرقة والعطاء اللامشروط.
    تحت ضغوط أخلاقيات السوق والمنافسة والنمط الاستهلاكي المفرط  تتجه  مجتمعات مابعد الحداثة الى القسوة والأنانية  والفردية  فتتخطى  موضوعة الإعلاء من قيمة الانسان التي تبنتها  افكار التنوير و الحداثة،و تتجه الى التعامل مع البشر
القابلين للاستبدال باعتبارهم نفايات بشرية لاتلائم أخلاقيات السوق ومغرياتها المتجددة وعروضها المهينة، وتتآكل القيم الانسانية وتحل النفعية المجردة بديلا عنها.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية