جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » قضايا


الجغرافيا التخيلية.. عن الذاكرة والتلفيق: ادوارد سعيد في مرآة هاليفاكس


حمزة عليوي
يتصل مفهوم الجغرافيا التخيلية (Imaginative Geography)، كما يجادل كثيرون، بنظام التمثيل، وهو احد آلياته. وعند ادوارد سعيد أن الجغرافيا التخيلية انما تحيل الى ما يسميه بـ"المجالات الجغرافية”المقسمة ثقافياً، حسب منطق القوة،
الى”مجالـ"نا و"مجالـ"هم، حدودنا وحدودهم، والمجالان يعملان معاً على صياغة مفهوم الهوية واختراع الآخر بتمثيله وايجاد”صورة”نمطية ثابتة له.
فالهوية تعتمد المجال الجغرافي المضبوط والمحدد بدقة، في مقابل”اخر”بلا هوية، وإن امتلك صورة نمطية ثابتة، اشهر حالاتها هي المُنتحلُ المُقلِّدُ للغرب نفسه، فضلاً عن اشراقات الشرق العجائبي المدهش، وينتهي كلاهما بتشديد على فرضية اوروبا القوية مقابل آسيا”أو الشرق عامة”المهزومة.
لكن الجغرافيا هي توصيف غير مكاني، وان تلبّس بصفة المكان الجغرافي، كالشرق إزاء الغرب؛ فهو المجال الجغرافي الذي تُصنع فيه التمثيلات وصورة الآخر النمطية القديمة زمنياً، حيث تهيمن الأنماط المستدعاة من ازمنة سابقة، وتغيب عنه صورة الشرق الحديث. والجغرافيا هي، كذلك، مجال اظهار القوة وترسيخ نتائجها. في هذا السياق يلاحظ (سعيد) أن المدونات الاستشراقية الكبرى قد اعطت (الجغرافيا) معنى ثابتاً وكلياً، وهو ما لم يحصل في مجالات عديدة إلا على نطاق ضيق ومحدود، ويفيد هذا الأمر ان المعنى الثابت للجغرافيا كان منطلقاً لاختراع انماط ثابتة من الصور والتمثيلات عن الشرق، والشرق الادنى خاصة. والتخييل هنا يقدم كنظام خطابي ثابت الصيغ والافكار والثيمات ابتداءً من مسرح اسخليوس ويوربيدس حتى العصر الحديث، حتى ان (سعيد) لا يتردد في نعت الاستشراق بالصفة”التعليمية”التي فرضت على دارسي الشرق صوراً وحكايات وافكاراً مسبقة تٌفرض على الجميع. ولا يهمنا صحة أو خطأ هذا الفرض، انما يعنينا كثيراً فحص صلة التخيّل الجغرافي بالسرديات، ومن ثم بالذاكرة المستبعدة من هكذا فرض. نزعم أن هناك انظمة تعمل ضمن فرضية التخيل السابقة، اهمها، في موضوعنا، كيفية تخيل الفضاء الجغرافي، ولاحقاً امكانية تمثيله عبر اللغة، ثم السرديات النصية. يُفينا في هذه النقطة توقف (سعيد)، مطلع دراسته للجغرافيا التخيلية، عند كتاب (جماليات المكان) الذي صدرت طبعته الفرنسية عام 1957، قبل ثلاثة عقود من صدور كتاب الاستشراق (1978)، وبالتحديد ما انتهى اليه من تقييم. وهو يتحدث عن”الفضاء”وما يكتسبه من”خصيصة ذات قيمة تخيلية أو مجازية بمقدورنا ان نحسَّها ونسمِّها؛ وعلى هذا النحو، يمكن أن يكون المنزل مشبوحاً، او ذا جوٍّ بيتي، او كالسجن، أو سحرياً.". وعنده ان الفضاء يكتسب”دلالة انفعالية، بل حتى عقلانية، عبر عملية من نمط شعري، بحيث تنقلب ابعاد المسافة الفارغة، التي لا هوية لها محددة، الى معان لنا في الداخل.". وهو يقيس او يدرس الزمن من المنطق ذاته. ويختم (سعيد) تعقيبه على كتاب باشلار بامتداح الصفة التخيلية للجغرافيا والتاريخ؛ وهو يجمع بينهما تحت تسمية عامة، هي”المعرفة التخيلية”المقابلة، عنده، للمعرفة الايجابية العلمية، غير أن امتداح (سعيد) لهذا النوع من المعرفة ينطوي على تحذير من توصيفها كـ"معرفة ايجابية”يمكنها دائما كـ"شيء اكبر”ان تتلاعب بالجغرافيا والتاريخ معاً، وتخترع لهما صفات وهويات وحدود قارة. وهو يقصد هنا قدرتها على تأبيد صفة الجغرافيا كمنطق للتفكير والحياة بقصد”التحقير”فرقاً عن الجغرافيا الاخرى الممدوحة. وبكلمة اخرى أن”المعرفة التخيلية”قد اوجدت لنا صفة”الشرق”المذمومة، في مقابل صفة”اوروبا”الممتدحة. ويظهر التدقيق في كلام (سعيد) أن الصفة التخيلية تعادل الصفة المجازية في توصيف المكان. وهذا هو منطق باشلار نفسه، غير ان باشلار يتحدث بوضوح عما يسميه بـ"ظاهرية الخيال". فالتخيّل عنده يفيد معنى البحث عما يسميه بـ"القيمة الايجابية”للمكان المحبوب، بقصد الدفاع عنه. والمكان هنا هو المكان الممتدح الذي ينبغي حمايته. وباشلار اكثر وضوحاً من ادوارد سعيد في هذا المسألة؛ لانه ينطلق من منهج نظري معروف ومعتمد من قبل، والمعروف عالمياً بـ"الظاهرتية او الفينومينولوجيا، بينما كان (سعيد) في طور اختراع تخصص علمي جديد ضمن تخصص الاستشراق، وكان خطوة واثقة باتجاه التأسيس للنظرية الادبية ما بعد الاستعمار. وباشلار يتحدث عما يسميه القيمة الايجابية لحماية المكان المحبوب، ويربطها بـ"قيم متخيلة”يكتسبها المكان لاحقاً وتصبح جزءاً منه. فهو ليس محض مكان أو جغرافيا، انما هو، بتشديد، المكان المحبوب الذي لا يتعلق بقيم الكراهية والصراع، فيما يكسبه الخيال صفة الالفة، مما لا يتصل فقط بالمكان المجرد، اللامبالي بأبعاده الهندسية المعروفة”فهو مكان عاش فيه بشر ليس بشكل موضوعي فقط، بل بكل ما في الخيال من تحيز. خاصة انه يملك جاذبية في اغلب الأحيان وذلك لانه يكثف الوجود في حدود تتسم بالحماية.". ولقد اكتفى (سعيد) من منظومة باشلار بقدرة الخيال على اختراع انماط راسخة من الجغرافيا، ومن ثم تأبيدها، واهمل اشاراته، أو بأدق، احالاته للتذكر كسبيل لاختراع الالفة، وصناعة المكان المحبوب واعادة تمثيله، فكانت الجغرافيا التخيلية فرضية داعمة للتمثيل الخطابي كنمط ثابت للخطاب الاستشراقي، ولاحقاً الاستعماري. والحق أن فحص مصادر ادوارد سعيد في هذه النقطة ليس بالعمل المريح له؛ فالظاهرية الخيال صيغة لاحقة لما درسه (هوسّرل) في كتابيه”تأملات ديكارتية"، ثم في كتابه الرئيس”دروس في فينومينولوجيا الوعي الباطني بالزمن". ويظهر توظيف ادوارد سعيد لظاهرية الخيال في دراسته مقطوعة الصلة عن الجذر الفلسفي العميق الذي تابعه لاحقاً الفيلسوف الفرنسي بول ريكور في كتابه”الذاكرة، التاريخ، النسيان"؛ ففكرة”تمثيل الماضي"، وهي جوهر فرضيته في”الثقافة والامبريالية"، كانت هي جوهر الجدل النظري فيما يتعلق منها بالذاكرة، غير أن (سعيد) يهمل بصورة كلية هذا الجدل، ويُشير ويوظف لاحقاً، البعد المجازي التخيلي المضاف الى المكان ولا ينتبه، من ثم، أن هذا البعد التخيلي هو من بعض عمل الذاكرة. وباشلار نفسه يجزم أن زجَّ المكان في الخيال يكسبه معنى مضافاً، ويجرده من صفة اللامبالية، ويجعله مُنحازا، وهذا الانحياز هو احد مفاعيل التذكر”- الذاكرة". وفي دراسة (ريكور) نعرف أن مفكرين كباراً كانوا يدمجون الذاكرة ضمن مباحث الخيال ووظيفته. وحتى هنا، اقصد في تفكير (سعيد) بظاهرة الجغرافيا التخيلية، فإنه لا يُفيد من اختصاص مجاور، هو الجغرافيا الثقافية، وبالتحديد ما يتعلق منها بدراسة المشهد المكاني، انما ينصب جهد (سعيد) كله في استظهار مدى انحياز الارشيف الغربي الاستشراقي والاستعماري، في ترسيخ الصورة النمطية للشرق إزاء الغرب. ثم ان مصادر (سعيد) تكشف عن انتقائية نزعم انها قد اضرّت بعمله؛ فهو يفيد كثيراً من دراسة كيث وايتلام”اختراع اسرائيل القديمة"، فيما يخص”تلفيق”تاريخ اسرائيل القديمة، والتلاعب بالذاكرة. وفي المقابل نجده قد صمت عن ذكر مفكر اوروبي رئيس كان له اسهامات كبرى في دراسة الجغرافيا التخليلية، وحتى في تلفيق الجغرافيا ذاتها، اقصد هنا عالم الاجتماع الفرنسي”موريس هاليفاكس"، ونخص منها الأهم والأشهر:”الذاكرة الجماعية"، و"الرسم الاسطوري للأماكن في الاناجيل داخل الارض المقدسة. دراسة للذاكرة الجماعية".
يجمع أغلب من كتب عن (موريس هاليفاكس) أن الرجل قد مات في سجون النازية الالمانية، بعد أن تم اعتقاله في المانيا. وهؤلاء يشددون انه قد حظي بشهرة عالمية لاحقة، بينما يظهر لنا التدقيق في حياته وسيرته العلمية، ان (هاليفاكس) كان معروفاً في الوسط الجامعي العالمي؛ فقبل موته كان استاذاً في الجامعة، وحصل على مقعد في السوربون، واعطى محاضرات في جامعة شيكاغو. ويذكر جمال شحيد في كتابه”الذاكرة في الرواية العربية المعاصرة، ص 145"، إن هاليفاكس قد انتخب عام 1944”استاذاً في الكوليج دي فرانس وشغل كرسي علم النفس الاجتماعي.. ص 145". ويعود له الفضل في ردم بعض الثغرات في نظرية دوركهايم عن الانتحار”بصورة خاصة في كتابه: اسباب الانتحار"، لكنه صار معروفاً بشكل اوسع بعد اعتقاله وموته، بالدزانتري، في المعتقل، وخاصة بعد أن نشر صديقه المعتقل معه والناجي من الموت، واسمه جورج سيمبرون”Jorge semprun"، حواراته معه في المعتقل قبل موته. هذا التدقيق يدحض فرضية ان (هاليفاكس) كان عالماً غير عروف عالميا، والاهم انه كان اسماً علمياً معروفاً في الوسط الجامعي الامريكي. والحق انه من الصعب أن نقتنع أن ادوارد سعيد لم يكن عارفاً بالرجل وكتبه الرئيسة: الأطر الاجتماعية للذاكرة، والذاكرة الجماعية، والرسم الاسطوري للأماكن في الاناجيل داخل الأرض المقدسة. دراسة للذاكرة الجماعية". وحتى لو سلَّمنا بما كتبه (ريكور) عنه في هامش خاص”الذاكرة، التاريخ، النسيان، ص 189"، بأن الرجل”قد عرف، بعد عدة عقود من نشر كتابه الذاكرة الجماعية شهرة لم تكن متوقعة. ص 189"، فان التدقيق يُظهر لنا، مرة اخرى، ان تاريخ الاهتمام الالماني، على سبيل المثال، حيث انجزت أهم الدراسات في موضوع الذاكرة والتذكر، قد بدا مبكراً، والاهم قبل أن ينشر ادوارد سعيد كتابه”الاستشراق عام 1978"؛ فقد بدأ الاهتمام به في الستينات، عام 1966 تحديداً، حيث صدرت ترجمة كتابه الذاكرة وشروطها الاجتماعية، والذي أُعيد طبعه مرتين عام 1985 (حيث بدأ الاهتمام به يشتد) وعام 2006 • Das Gedächtnis und seine sozialen Bedingungen, Berlin: Luchterhand 1966. (Neuauflage: Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1985/2006). بعدها ترجموا له عام 1967”الذاكرة الجماعية"، والذي أُعيد طبعه عام 1985 وعام 1991 • Das kollektive Gedächtnis, Stuttgart: Enke 1967. (Neuauflage: Frankfurt/M. : Fischer, 1985/1991). بعد عام عام 2001 صدرت طبعات مختارة لأعماله، وقد دارت كلها حول هذين الكتابين، وهما أساسيان في فلسفته.
في كتاب هاليفاكس الاول يتحدث موسعاً عما يسميه عالم المصريات يان اسمن: مُنتاج الماضي، أو بدقة اكثر:”اعادة منتاج وبناء الماضي"، وهو الاصطلاح الاقرب لما اسماه ادوارد سعيد: التفليق: invention""، وبالطبع لا نقصد المشابهة مطلقاً على مستوى الوظائف الخاصة في المصطلح، انما المصطلحان يكشفان عن العمل الخلّاق للذاكرة. ويُفيد”المنتاج"، كما يشدد اسمن نقلاً عن هاليفاكس، أن الماضي لا تحتفظ به الذاكرة مثلما حدث، انما يتم الأمر عبر، كما يقول هاليفاكس نفسه”ما يستطيع المجتمع استعادته منه بأطره الرابطة الموجودة في كل فترة من الفترات". وباختلاف”الأطر”أو اختفائها، نكون إزاء فرضية اخرى ترفض وجود”حقائق صرفة خالصة لكي نتذكرها". وفي الكتاب الثاني قال ما هو أهم؛  عندما تحدث عن الاطروحة نفسها مطبَّقة على تاريخ الاماكن المسيحية المقدسة في فلسطين. وفي هذا الصدد يشدد هاليفاكس إن طبوغرافيا الاماكن الدينية المسيحية هي من انتاج الخيال؛ فالمسيحية، أو تراثها المقروء، لا يتحدث عن الأماكن الدينية المسيحية في فلسطين نقلاً، او توثيقاً عن طريق شهود عيان، انما يقتصر على احياء”ذكرى افكار عقائدية، هذه الافكار زرعت في هذه الاماكن وتأصلت وتعمت فيها.". ولا يتردد هاليفاكس عن وصف الذاكرة المسيحية فيما يخص هذه الاماكن بأنها”مختلقة"، وجرى وضعها في زمن لاحق، مئة عام على ظهور المسيح، وتم ربطها بالأماكن المشار اليها، فما يسميه اسمن بـ"الذاكرة الجماعية لحركة المسيح”قد نظمت ورتبت ثم الحقت بالأماكن المقدسة، وتم الامر عبر مبدأ”الاختيار والانتقاء الذي يميز التأثير الوجداني الشعوري الديني.". اذن، نحن ازاء منطق اخر لاستعمال الخيال في مجال اختراع المكان بـ"تذكّر"ـه عبر ايجاد، والاصح اختراع سرديات واصفة له، جغرافيا وتاريخيا. وهذا ما اهمله (سعيد) عندما قصر مفهوم الجغرافيا التخيلية وحددها بقدرة الخيال على اختراع نمط ثابت من الصور والاشكال والهويات، وكان بإمكانه ان يٌفيد كثيراً من فرضيات الذاكرة في اقتراح تصور مغاير لمفهوم”الجغرافيا التخيلية"، يفارق التنميط الحاد كحدود الجغرافيا ذاتها.
*يدين الكاتب بالشكر والعرفان للكاتبين العزيزين: نجم والي، وعدنان محسن؛ لتدقيقهما تاريخ الاهتمام الفرنسي، حيث موطن هاليفاكس، والالماني حيث انجزت اهم الدراسات العالمية في موضوعة الذاكرة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية