جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


تجليات العلاقة العاطفية.. من أيام جين أوستن إلى التواعد عبر الأنترنت


عادل العامل
لا يبدو أن الرجال والنساء عموماً موفقّون في موضوع الزواج ــ "فالزواج الآن في أدنى مستوياته منذ عام 1895 "، وفقاً لنيتشي هودسون في دراستها عن التشبثات والتنازعات ــ لكنهم يظلون مهتمين كثيراً بطقوس التودّد، وألعاب التواعد dating،
وفنون الغزل المعقدة، كما يقول روجر لويس في عرضه لكتاب هودسون (تاريخ المواعَدة: من جين أوستن إلى تندر). لأن ذلك، أساساً، هو الطريقة الوحيدة التي يمكنهم بها ضمان شيء من الجنس. وهذا هو السبب في أنه كان هناك، في عام 1895، أكثر من 18 مليون مشاهد للعرض التلفزيوني البريطاني "الموعد الأعمى" لسيلا بلاك.
ولقد ظل الناس مولعين على الدوام باللقاء أزواجاً، بدءاً من أعمدة " قلوب وحيدة " في الصحف، التي ظهرت أولاً في عام 1786، إلى سوق الماشية الارستقراطية في موسم لندن، إلى خيارات موبايل التواصل، تندر Tinder، في يومنا هذا، التي يمكن أن يتبعها تخصيص موعد في أكثر الملتقيات شعبيةً في المملكة المتحدة للموعد الأول.

" المرأة الشريفة " أيام أوستن!                                   
تاريخياً، لم تكن العملية سهلة أبداً. ويمكن القول إن التواعد، في أيام جين أوستن، مثلاً، حين كانت سن الموافقة على ذلك هي 12 سنة، كان يتّسم بالصعوبة إلى أقصى حد. ففي الحفلات الراقصة والحفلات الأخرى، مثلاً، كان لمس الأصابع عند تبادل التحية يمكن أن يثير فضيحة. ولم يكن يُسمح للشركاء بالرقص عدة مرات ما لم يكونوا مخطوبين لبعض، وإلا أصبحت الفتاة "موضوعاً للتعليق". 
وكان على النساء إخفاء تألقهن الفكري، أيضاً، إذ كان من الضار بالواحدة منهن أن تُصنَّف بأنها رفيعة التعليم. والأكثر من هذا، كان عليهن أن يتقيّدن بتكلّف الاحتشام، لأن إظهار المرأة أسنانها عند الابتسام كان باعثاً على التجهم لدى الحضور. فكان البحث عن قرين عملية صارمة بشكل محبط، وكانت الافتراضات الشائعة هزلية. فمثلاً، كانت الأقدام الكبيرة هي المطلوبة شعبياً، إذ كان المعتقد به أن الفتيات ذوات الأقدام الصغيرة " ميّالات بشكل خطير للمرح والالتفاف هنا وهناك عبر غرفة الرقص". ولم يكن الأشخاص ذوو الرقاب القصيرة يُعانَقون "عناقاً عاطفياً ". وما كان يهم أهل البنات المؤهلات للزواج في القرن الثامن عشر أن تكون لدى الخطيب "شهوة حساب مصرفي"، خاصةً حين تكون الأنثى غير المتزوجة عبئاً على مالية الأسرة.
وقد يبدو مضحكاً لنا اليوم أيضاً أن الناس، في العهد الفكتوري، كانوا يعتقدون بأن " أغلبية النساء لا يهمهن كثيراً الشعور الجنسي من أي نوعٍ كان. واتفقت إحدى المجلات عام 1930 مع هذه الفكرة قائلةً، "إن البنات المدركات يزدرين الركَب العارية، وحديث الدلع، والتفكير المقرف المستمر بالجنس، الجنس، الجنس".
فكان من الأسهل على الرجال، في الغالب، أن يمارسوا الجنس مع الفتيات الخادمات. فقد كانت الخادمات في اعتبار كثيرين، عاهرات مجانيات. وكن إذا ما حملن، يُطردهن من دون أية مراجعة، " فكان العهر خيارهن الوحيد فيما بعد". وكان منع الحمل، على كل حال، موضوعاً مثيراً للخلاف والجدل. وقد تعرضت آني بيسنت، مؤلفة كراس حول التحكم بالولادة بيعت منه 175,000  نسخة عام 1891، للمحاكمة بتهمة الفحش نتيجةً لذلك.
                                   
التحلل.. ثم الحنين إلى الاحتشام                                             
وإذا كان الزواج قد استغرق، تقليدياً، عصراً لينتظم، بفترات خطوبة تستمر إلى خمس سنوات في الأقل، فإن الحرب العالمية الثانية قد سرّعت الأمور. وكانت متنزهات لندن موقعاً للكثير من العبث الجسدي، غير أن الكثير من الملاحين قد أصيبوا بمرض تناسلي، وكانت هناك شكوك في وجود مؤامرة ألمانية وراء ذلك.
وكانت الحرب فاتحةً للعيون. فقد أصبح بوسع النساء " العمل، وكسب المال، والتحرر من المرافقين خارج البيت". وأخذت الممرضات الشابات المجندات حديثاً، يرين رجالاًعراةَ للمرة الأولى. ومع أن النساء كن قادرات آنذاك على اختيار رفاقٍ لهن، فإنهن كن يجدن الجنود العائدين من الجبهة مشوَّهين، ويائسين، ومصدومين بفعل الانفجارات. وكان عدد النساء في بريطانيا، نتيجة للحرب، يزيد على عدد الرجال بـ 1,720,802. 
وقد صار باستطاعة 48 بالمئة من النساء تحت سن 23، عند عام 1969، تناول حبوب منع الحمل، خاصةً حيت أبطل رئيس الوزراء هارولد ولسون الاتهامات المتعلقة بوصفات وسائل منع الحمل.
وكانت الحرب العالمية الثانية قد حالت دون "المغازلات المطوَّلة". فكان الناس يلتقون ويتزوجون خلال عطلة نهاية الأسبوع ــ أو في الأقل، يتقابلون ويمارسون الجنس. وكان الكثير من الأطفال يتولى رعايتهم آباء غير بايلوجيين، وكان هناك في عام 1945 نتيجة لذلك 64,743  ولادة غير شرعية. 
وبالرغم من موضة " الأولاد الجانحين "، والروك أند رول، وقاعات الرقص، ونوادي الشباب، وبهرجات الخمسينيات، فإن روح ما بعد الحرب كانت تشير إلى رغبة في العودة إلى القيَم القديمة الطراز. وكانت هناك مجلات تستشهد في ذلك بعرائس شابات يرغبن في أن يكون لهن "رجل اعتيادي لطيف في بيت صغير لطيف ويقمن بإنشاء أسرة ". لكن هل فعلن ذلك حقاً؟
لقد حدث ما يشبه ما حصل في العهدين الفكتوري (1837 ــ 1901) والأدواردي (1901ــ 1914) حين كانت الروايات والمسرحيات الدائرة حول امتصاص الدماء، والانحلال الأخلاقي، والهستريا، إضافةً لنظريات فرويد عن التحليل النفسي، تشير إلى جانب حسي ومقلق للخيال الشعبي، فإن غرائز أدنى بدأت تسود: الشهرة المحيطة بعلاقة الزنا بين أليزابث تايلر وريتشارد برتون، فتيات بوند المثيرات، التنورات القصيرة، قرص منع الحمل. وكان تيسّر وسائل منع الحمل يعني أن بإمكان أية واحدة أن تمارس الجنس من دون أن يتوجب عليها التقيد بزواج.
وقد كان لانتشار مرض الأيدز وضراوة الناشطة الاجتماعية المحافظة ماري هوايتهاوس (1910 ــ
2001) فعله الرادع لذلك الانحلال الأخلاقي ــ وقد أصبح " الجنس الآمن " الآن جنساً على الأونلاين، أو جنساً مع روبوط أو هاتف خليوي متطور. وبلغنا في عام 2017، بفعل براعة التواعد الكومبيوتري، مرحلة لم يعد فيها الناس الحقيقيون، الذين من لحم ودم، بحاجة إلى الالتقاء معاً. 
وهكذا فإن التواعد هو الآن مرةً أخرى أمر منفصل على نحوٍغريب، كما هي الحال مع الشخصيات في بطاقات الزيارة المتبادلة المغفلة من الأسماء لدى جين أوستن. مع هذا، هناك تحت ذلك كله ما تزال البايلوجيا تعوي. فلكل امرأة تبحث عن جنس من دون قيود، هناك بريجيت جونز، متلهفة لشريك موثوق به وبعيد المنال، ومشتاقة لموعد في مطعمٍ من مطاعم نادو.
عن /  Daily mail



المشاركة السابقة : المشاركة التالية