جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


ثقافة المظهر وثقافة الجوهر


فاضل عباس هادي
الثقافة هي البعد الثالث في الحياة هي مركز الجاذبية بلغة كبار الملهمين والرؤيويين هي الضرورة لإنقاذ حياة الفرد من السقوط في مستنقع السأم والفراغ وتحريره من براثن الحسد والضغينة والعدوانية وانعدام الهدف في الحياة.
هذا باختصار ما يجب أن نؤكده ونشير إليه.
إلا أن الثقافة في الغرب كما في الشرق هي بحر هادر يجلب معه اللالئ إلى جانب الحصى بما في ذلك الثقافة البصرية حيث استفحال الدور الذي يلعبه التلفزيون والإعلان التجاري في مجتمع استهلاكي تشكّى منه كبار المبدعين وذهب ضحيته عدد كبير منهم. وفي الستينات مثلا وخلال الثورة الطلابية في فرنسا وأوروبا وأمريكا، أدان غي دوبور وصحبه المجتمع المشهدي وأشاروا إلى بؤس المجتمع المدرسي الطلابي، غي دوبور احد كبار منظري ثورة مايو الفرنسية وجد نفسه في زقاق مسدود فوضع حدا لحياته برصاصه .بينما هجر ريغيس دوبريه السياسة إلى الإعلام.
الغرب ملعون ولعين، وشيطاني، إلا انه أيضا مبدع ومنذ عصر النهضة وهو يتمتع بمقدرة عجيبة على اختراع نفسه وإضافة إبداعات جديدة الا أن الغرب أيضا، وربما بسبب الافتقار إلى الروح، يركز على الجانب الحسي والمظهري للأشياء ولسنا من حسن الحظ مطالبين بأن نلتهمه كله. ونحن في الواقع في مرحلة نستطيع أن نستفيد من تجربة الغرب، وان نتجنب المزالق التي وقع فيها. ولكن الثقافة الاوروبية هي كالنهر الجارف، والتصوير، كما ذكرنا سابقا اختراع غربي، إلا ان التصوير والإنجازات العديدة التي حققها رواده الحقيقيون، يكاد يضيع وسط أكوام من الصور ذات الأهداف التجارية
البحتة، ومصورين يستغلون الكاميرا هذه الآلة العجيبة للترويج التجاري واللاإنساني.
لا ننكر أن اختراع التصوير تم في وقت كانت أوروبا في قمة توسعها الاستعماري والاقتصادي والتجاري، ولا ننكر أن الكاميرا أصبحت في متناول الجميع، كما لا ننكر أن الكاميرا أصبحت جزءا مهما في التصوير الرقمي، ألا أن هناك من يجد في نفسه ممانعة قوية في قبول الجديد، ويفضلون أن ينقرضوا كما انقرضت الاستقراطية الإنكليزية لأنها رفضت سنّة التطور.
الناس يريدون أن يقولوا لا، إلا أنهم يقولون نعم.. كما أشار لوتريامون وهو اسطورة أخرى، إذ مات في الرابعة والعشرين. فهل نستطيع أن نقول لا للجانب السطحي والهابط في الثقافة الاوروبية، أم أننا من الكسل واللااكتراث بحيث نسمح لأنفسنا بالانجراف في المجتمع المشهدي الذي حذرنا منه احد شهدائه: غي دو بور، ودفع شابة مبدعة هي المصورة فرانسيسكا وودمان إلى الانتحار.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية