جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


الإيطاليون وإيطاليو كالفينو في الناصرية


نعيم عبد مهلهل
تكتب مونيكا بيلوشي في أوراق صباحات القهوة على شرفة شقتها البحرية في البندقية: أنا أجمل من شكسبير، لكن حرفه أروع مني، ويكتب خالي عريف المدفعية جهاد سهر، العدد واحد في المدفع الروسي 152 ملم وهو يتوسد تراب الغري: أنا أجمل من موسليني، لكن موسليني هو من يجلب مدافعه قريباً من بستاني الآن...
1 (خواطر مونيكا بيلوشي)

بقيَّ الايطاليون أكثر من عامين، أشتروا الخبز من مخابز شارع عشرين، وغامروا بالذهاب ليلاً وخلسة الى المقبرة الملكية في أور وهم سكارى من اجل تقبيل شفايف الاميرة شبعاد. فامتلأت أفواههم بالتراب وبراز ابن آوى...
لن يحصلوا على ملحمة في أزقة الناصرية، سوى عربة تانكر مفخخة، عصفت بأرواح الكثير منهم.
عام 2004 كانت مونيكا ممثلة مبتدئة ولكنها اذرفت دمعة على الجنود، ومن امنياتها أن تسكب النبيذ الأحمر على مؤخرة برلسكوني، لكن رئيس الوزراء المراهق كان في وقتها في مدينة طنجة المغربية لتهيئة حفل زواج أبنته.
لايهم، التفريق بين المحتل والمختل، عقل يفقه فيه سوى الكاهن معنى أن تبتل مؤخرة الديكة بالواين الأحمر.
عامان وكلما تمر مدرعة على جسر الناصرية، أسماك كثيرة تنفق وغرقى يحتجون، وذكريات طفولتنا المكتوبة على حديد الجسر تستعيد لقطة مغرية من أفلام صوفيا لورين.
وفي النهاية أخبرني أحدهم أن موظفاً إيطالياً من السفارة يأتي كل أول أحد من الشهر الميلادي ليبكي عند باحة بيت النبي إبراهيم.
يسأله حارس الزقورة المنتمي الى عشيرة آل غزي: أن كنت موظفاً في سفارة الفاتيكان، أو رسولاً بابوياً، أو قساً من قساوسة أديرة امبرتو ايكو.
فيرد: روح أخي قتلت في أور...
  إذن الايطاليون عندهم نواح ولطم ودموع وأضرحة حتى عندما يكونوا محتلين، ولكن نواحهم يختلف عن نواحنا، فهم من الندرة أن تشاهد رجلاً ينوح، وأغلب النواح عندهم في مدن الجنوب الإيطالي حيث صقلية وسردينيا وكامبانيا، ويبدوانها تأثرت بعاطفة الشرق التي حملها العرب والترك للمكان فكانوا أقرب الى هاجسنا.
قلت يختلف عن نواحنا لأننا هنا في أور الرجال والنساء ينحون بنفس العاطفة والموسيقى، ولهذا قلوبنا امتلكت فطرتها في البكاء حتى عندما أحرقت السيارة الانتحارية بيريات الجنود وأجسادهم، ومعهم احترق أكثر من عشرة من ابناء المدينة كانوا يركبون عبرية في سيارات الفولكا الروسية آتين من صوب الشامية الى المدينة وبالعكس.
لا تعرف بيولشي شيئاً عن هذا، فيوم أتى الاسكندر الى بابل، كان جنوده المحتلون يقتلون بسيوف أهل بابل ومعدان الأهوار، ويوم جاء المحتل برلسكوني مات أهل سومر وجنود في شارع واحد، قبل أن تبدأ حرب الشوارع بين الجنود وبين جنود السيد الصدر.
لكن المحتل وعلى الدوام، هو خطوات مزعجة تمشي على أجساد المدن، لهذا انتظرت نجوم ليل الناصرية انطفاء مصابيح المعسكر الإيطالي القريب من زقورة أور، والى حين رحيلهم يتوهج في خواطر مونيكا هاجس أن يكون جمالها مساوياً تماماً لجمال الاميرة السومرية التي يقال إنها اول امرأة في الكون عزفت على آلة موسيقية.
  لا صلة بين روما وبين أور سوى ذلك الحضاري البعيد وفي خطاه يسجل رجال الآثار ابحاثهم والغريب أنهم يلوحون الى علاقة بين أور ومدن الفايكنغ في النرويج والدنمارك وأيسلندا، والبعض يعتقد أن هناك رسائل ومكاتبات وتبادل زيارات بين أور ونيوزلندا، ولم تكن هناك ايّ صلة معها بروما، فحتى الملك المقدوني حين جاء فلقد جاء بخواطره الاغريقية. ولم تطأ قدماه أرض أور، نزل في بابل ومات فيها.
موسليني لا يعرف أور أيضاً بقدر معرفته بكل أزقة بنغازي الليبية، إيطاليو كالفينو صاحب مدونات مدن الخيال السحرية لا يعرفها أيضاً بالرغم من أن السحر ولد في أور أولاً، ولكنه كتب عن مدن الخيال معتمداً على ذاكرة الرحالة ماركو بولو، الذي كان مأخوذاً بمدن بناها الامبراطور المغولي الشهير قبلاي خان في الصين. 
لا شيء من إيطاليا هنا حتى في مغامرات قناصل أوربا لدى دولة السلطان العثماني في بغداد، لكن الشيء ولد جديداً مع انهيار فيالق الحرس الجمهوري ومجيء المارينز وجيوش الدول التي توزعت في الجنوب على الشكل التالي: الاسبان في الديوانية، اليابانيون في السماوة، الامريكان والايطاليون والبرتغاليون والكوريون الجنوبيون في الناصرية، البريطانيون في البصرة، البولونيون والدنماركيون في القرنة والكوت، ولا اعرف من احتل بخواطر ممثلاته وجنوده المثيلين لواء العمارة (ميسان).
  رجع الايطاليون الى بلدهم ورجعت أنا الى قطارات غربتي ودهشتي بأداء بيلوشي كلما قدمت لها القنوات الألمانية فيلماً جديداً.
أنها أقرب الشبه بكليوباترا الحقيقية، ولهذا تشعرك في كل نظراتها وافلامها أنها تحتاج الى قيصر...
أقرأ خواطر بيلوشي، وأتذكر وقع خطوات بساطيل الجنود الايطاليين في سوق العبايجية والحبوبي وشارع السادة المكاصيص ومنطقة اليعدات.
من كان يصدق أن رقيباً اسمه فرانكو ماسوريني، الذي كان أبوه واحداً من أصدقاء وسادة الممثلة الفاتنة راكيل وولش يجيء الى الناصرية ويموت مقتولاً في انفجار غرفة تجارة الناصرية حيث اتخذها الايطاليون مقراً محصناً لهم.
مات...
ولو تعرف مونيكا به لاستعارت صورته من أهله وعلقتها على جدار غرفة نومها، فهي تعشق ابن أو حفيد كل من شارك راكيل وولش لياليها الحمراء.!

2 ((أور المفقودة))
عادت مونيكا بيلوشي متعبة من أيام كان الصاخبة وكنت أنا من بين مئات المعجبين الذين تجشموا عناء السفر الى كان وتحملوا الإقامة الغالية حتى في فندق ثلاث نجوم بسبب أيام المهرجان، فقط لأحصل على توقيعها على صورة لها تشرب فيها قهوتها وتذرف دمعتها على جنود قتلهم أسامة بن لادن بسيارة حوضية مفخخة في تلك المدينة الجنوبية التي يقسمها الفرات الى نصفين والتي لا تبعد عن منزل النبي السومري ابراهام سوى عشرة أميال.
طوال أيام المهرجان كنت اجيء مبكراً الى قاعة الفندق الذي كانوا يقيمون فيه الحفل البروتكولي الأول والعروض السينمائية المرشحة، واتدافع مع آلاف البشر وهم ينتظرون ممثلهم المفضل لا يحصلوا على تذكار عزيز وأغلبه هو توقيع الممثل على أوتوغراف أو استغفار حراسه الشخصيين والتقاط صورة سلفي معه، إلا انني بسبب خجلي حين يحتك جسدي الخمسيني بنهود شابات صغيرات يصغرن ويتدافعن بجنون من اجل جون ترافولتا وريتشارد كير وبراد بيث وليوناردو كابريو وغيرهم، اشعر بالخجل واخاف على شبيبتي أن تشعر بشيء من اللذة الحسية وهو ما كان كافافيس يعيش في نشوته ليصنع قصيدته.
الجمهور الواقف هنا مثل حرب طروادة، واحد من هيلانه وباريس خاطفها والآخر مع زوجها ميلاروتيس.  وكان اغلب الرجال مع هيلانه والاناث مع ميلاروتيس أي أن النساء يصرخن بجنون ويندفعن صوب الممثل الفلاني لحظة وصوله، والرجال تهتز كل اعضائهم الذكرية ونظرات رموشهم السحرية حين تنزل بيلوشي أو نيكول كيدمان من السيارة بالرغم أن اغلب تلك الممثلات يصاحبهن أمام زوج أو عشيق.
فقط بيلوشي نزلت مع الممثل بروس ويلس وهو صديقها، فيما نزلت ميريل ستريب وحدها، وهي فقط من التقت عيناها بعيني ولو كانت تعرف اني قادم اليها من مدينة النبي إبراهيم لنادت علي حتماً والتقطت معي صورة (سيلفي) لكن كنت آتياً ومصلوباً تحت حرارة شمس ربيع فرنسي دافئ فقط من اجل بيلوشي، لشعوري أن توقيعاً لها أو صورة مشتركة، تكون دافًعاً لي لإكمال هاجس البحث عن أور المفقودة التي لا يظهر منها على الأرض سوى بيتين خربين هما قصر الملك الموسيقي شولكي ودار العدالة، وزقورتها التي وجدوها عبارة عن تل هائل من التراب وغلفوها بالحجر.
وبقية الأثر ليست سوى مقابر نهبت موجوداتها على يد البعثة الاثرية التي قام بها ليوناردو وولي وماكس ملوان والقادمان من بعدهما.
لأكثر من أسبوع لم تحض اجفاني بملامسة أجفان بيلوشي لقد كانت تنزل من السيارة الروز رايس السوداء بسرعة عجيبة وتختفي بين الزحام وكاميرا الصحفيين وصراخ عشاقها وهم يهتفون: ايتها الالهة الايطالية نريد نسمة هواء من اجفانك الساحرة فقد اختنقنا من الزحام وساعاته الطويلة مناجلك أنت.
تلك المناجاة ذكرتني بتلك المناجاة اليائسة لأولئك المساكين الذين كانوا يصاحبون الملك أو الثري السومري من أبناء موته في الموكب الجنائزي حيث على الميت أن يصطحب معه خدمه ومحبيه ليعيشوا سرمدية دلمون التي ينتظرونها في القبو، وحيث يشح الماء والغذاء ويقل الهواء في القبو ويصلوا الى مرحلة المناجاة، يكتشفون الخديعة ويطلبون من الالهة نسمة هواء ليعيشوا.
وهذا يبدو واضحاً في الوصف المخيف الذي تخيله الآثاري ماكس مالوان زوج الروائية آجاثا كريستي وهو لم يزل في القبو رقم 800 في مقبرة أور المقدسة، فيرتعب من فوضى الموت الجماعي داخل هذا القبر، فلم تكن هناك دلمون وحدائق جنائن كانوا موعودين بها. ويمثل هذا الوصف المهيب الذي ذكره مالوان في مذكراته روعة ما وصف به هذا الكشف الأثري عندما ذكر في المذكرات النص التالي :(كان مشهد المقبرة الملكية رائعاً عندما كنـّا نعمل جميعاً، وأذكر أن أحد القبور الملكية، الذي ضم ما لا يقل عن 74 شخصاً دفنوا أحياء في قاع المهوى الملكي العميق، بدأ عندما كشفنا سجادة ذهبية اللون مزينة بأغطية الرأس لسيدات البلاط، متخذة شكل أوراق الزان وعليها آلات القيثار والقيثارات). Harps and lyres التي عزفت الترنيمة الجنائزية الى النهاية 
وهذا تكون أور المدينة التي فقدت بسببها روما أكثر من عشرين جندياً بعض هاجس الخيال الميتافيزيقي المفرض في ذاكرة الحضارة، وربما بسبب ضبابية هذا الافتراض ابتعدت خرائط ماركو بولو عن هذه الجهة بالرغم من أن أول عبارات الحب نطقتها أناث تلك المدينة، وأول إغراء لغرام همسته عشتار في مسامع من تهواه وربما جلجامش البطل الأسطوري كان من بينهم.
فضل الرحالة البندقي أن يذهب الى بلاط رجل قاس ولكن اثاث المكان الذي ينتصب في عرشه يمتلك أغرب المنحوتات وتكاد تماثيل التنين الذهب أن تنفث ناراً من الخمر والأرز والخراف المشوية في ليالي عبث اسطورية عاشها قبلاي خان وهو ينصت الى نبوءات المنجمين وهو في حالة سكر وعربدة. 
الغريب أن إيطاليو كالفينو تحدث عن قبلاي وماركو ولكنه وضعهما في خيال مدن أخرى، مدن لليوتيبيا، وربما يعرف أو لا يعرف أن يوتوبيا المكان السومري هي البدء الأول لذاكرة العمران وتخيل هندسة المدن، لكن شيئاً لم يبق بسبب قساوة المحتلين وتأثير النار والمنجنيق والمعاول فتم تهديم القصور والجنائن والزقورات والمعابد ولم يعثروا من سحر تلك اليوتيبا سوى على أقبية الموت الكنوز المخبأة في قبور ملوك سلالة أور الثالثة.
أنشئ لنا كالفينو مدن خيال لن يستطيع أي معماري أن يقترب اليها، عدا المهندسة المعمارية العراقية الأصل زها حديد، فمن يقرأ كتاب كالفينو مدن لا مرئية سيكتشف الكثير من المشترك الغريب بين ما يتخيله كالفينو وما تبنيه وترسمه زها حديد، ولأن الكتاب مكتوب في زمن كانت فيه زها مهندسة مبتدئة فهذا يعني افتراضاً أن زها حديد قرأت الكتاب وتأثرت فيه.
والغريب أن المصمم الألماني الشهير كارل لاجر فيلد صمم فستاناً ابيض في ذات الشهر لزها وبيلوشي.
زها حضرت فيه مع كارل لاجر عرضاً لأزياء شانيل في باريس ومونيكا بيلوشي حضرت قداساً في قرية في نابولي على أرواح ضحايا انفجار الناصرية من الجنود الايطاليين.
بين عالمين، مدن إيطاليو كالفينو وابنية زها حديد. تتجول بيلوشي في أروقة الحنين الى اساطير ماركو بولو، الى تغريدة تهديها الى اؤلئك الجنود السكارى من نبيذ بساتين كروم الجنوب الإيطالي والذي التحقوا قسرا مع المواكب الجنائزية التي كانت تزفها أور القديمة الى اقبيتها المظلمة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية