جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


السرد الايروتيكي في الصورة


ناجح المعموري
رؤية الفوتغراف مولدة للصدمة، ومحفزة للتأمل والبحث عن التفاصيل الصغيرة التي تفضي لقراءات مهمة لن تكون بعيدة عن الجنوسة ذكراً / أنثى ووظائفها الأكثر تمركزاً في الايروتيكية المرآة الكاشفة للطاقة في الجسد وحيويته.
وفي هذه الصورة التي نشرتها تاتو في عددها السابع عناصر نصية واضحة، الفتاة / الزمان / المكان  نصية غير متكتمة لكنها ليست مفتوحة كلياً في تأمل هذه الصورة أكثر من قراءة، وأكثر من حضور وغياب، الجسد الأنثوي حاضر على الرغم من أن المصور الفوتوغرافي حاذر في الإعلان عن الجسد كله ما دام الملتقط فوتوغرافياً كافياً وتعويض عن الجزء المغيب قصدياً،
وكما قال سلفرمان، فإن الكاميرا تجزئ الجسد، لكن التجزئ لا يلغي المفقود وغير الظاهر، لأن الفقدان الجزئي يكون دائماً مشحوناً بالمعنى المجازي، وغياب الجزء من جسد الأنثى لا يختلف كثيراً عن الغياب الكلي للجسد الذكوري، الذي استطاعت المجموعة الرمزية تعويضه مادياً، واستحضرته دلالياً. وأعتقد بأن دلالة الرمز تعني بكل الحالات حضوراً للمدلول وليس الدال، وما دام النص صورة فوتوغرافية، فإن نصّيته نصية مرئية. فالجسد يرى. أما لمسه، أو شمه، وتذوقه، فسوف يكون أمراً مربكاً، لأن التوقعات التي تثيرها الصورة الاعتيادية لن تتحقق بحواس أخرى. فالصورة  الفوتوغرافية ليست خداعاً بصرياً، وإنما هي خداع حواس أخرى / سلفرمان / نصّيات / ت: حسن ناظم وحاكم صالح / المركز الثقافي العربي / بيروت / 1994 / ص226 /.
وتميز حضور الجسد الأنثوي بالتأمل، المراقبة والسعي لاكتشاف ما انشغلت به الفتاة. ولم يكن صعباً على المتلقي التوصل لمركز اهتمام الفتاة، وهو رأس الحزام ودبوسه، المتماهي بوضوح مع رأس الأفعى ومحاولة الكشف عن الوظيفة في الرأس وهي اللدغ والمجاز الواضح بذلك لا يعطل الرمز الفوتوغرافي ولا يسطح المعنى الكامن فيه. وتكشف حركة اليد الّلينة والهادئة عن طموح للاطلاع والتعرف والوصول إلى بؤرة الشيء الذي انشغلت به الفتاة وحاز عليها كلياً، مثلما استولت هي عليه. تريده، وتبحث فيه عن شيء مفقود وغير غائب، لأنه حاضر ضمن رأس الحزام، وهي بذلك أقامت معه طوراً إيروتيكاً عبر عينيها وأصابعها، غابت العينان وظلت الأصابع هي مركز الصورة وبؤرتها الايروتيكية. النقص في الصورة وهو قصدي، استكمل تصورها وتخيلها لدى المتلقي أنه نقص طاف ٍ وسط ظلام الفوتغراف وكأنه حجاب له، ويومئ لما هو مخفي ومثير للاشتهاء، وكانت العينان واليد هما طاقة الحوار وهما من أدوات العقل كما قال ميرلوبتي، وجعلاها حاضرة وسط الحلم الذكوري. إنها في المكان والزمان، المكان جزء من آخر أكبر والزمان هو زمان الأنثى أولاً وزمان الفوتغراف الذي هو خارج النص، أي إن الزمان كما قال بول ريكور داخلي وخارجي، أما الزمان الثالث فهو زمان المتلقي المفتوح.
كان الرمز الذكوري متميزاً بحضوره أكثر من الجسد الأنثوي، لأن – الذكوري- استحضر الأنثى ورضاها من خلال الانكشاف والانفتاح والتكتم، من هنا كانت الصورة مركبة المعنى، حيث الانكشاف الواضح وتغيب الوجه والمتبقي من الجسد لم يعطلا قراءة الصورة، وتقلل من إمكانية التعرف.
مارست عينا الفتاة وظيفتهما الحسية وكذلك يدها اليسرى الممسكة برأس الحزام الخاص بالرجل الغائب والحاضر. لأن الحزام كاف ٍ للإشارة للحضور. عينا الفتاة وحدهما تمكنتا من التوصل لما تريد الكشف عنه والتوصل إليه. لحظة المعاينة محكومة باستدعاء الغائب الذي دخل في الصورة رمزياً. مربع الحزام يرمز للاستقرار كما قال د. أسعد عرابي وكذلك دبوس المربع. بمعنى إن الحزام كله ومن خلال مكوناته دال ذكوري. المربع والدبوس والحزام. اليمين إيجابي في الثقافة والدين منذ الديانة السومرية وحتى الإسلامية واليسرى هي الحاملة لعلامة التشارك.
الجسد في أجمل تكشفاته / لحظة الانهمام بالآخر. جسد مدلل برغبته وفورانها واستسلامه الكلي لطاقة الميتافيزيقيا التي جعلت منه مكشوفاً / عارياً بانطراح فوق بلاط بارد هو الضد لاشتعال داخلها، وهي تحدق بعينين غير مكشوفتين، غطاهما شعرها الأسود المماثل لسواد الحزام.

ـــــــــــــ @@@@ــــــــــــــ
العري الإطاري والآخر الداخلي هما وسيلة المتصوف للاندماج مع المطلق. إنها في الصورة مغيبة بالسكون، كي تتحد مع الحاضر غير المرئي وربما هو موجود في امتداد الصورة، وربما له حضور رمزي، حققت به، ومن خلاله الفتاة اتصالاً برمز آخر، هو الحزام.
لا يستطيع أحد تجاهل الجسد، ليونته الظاهرة، والمرونة العالية، جسد حركته تمثيل لما لم يره أحد، ولكن يحس به فرد واحد هو الأنثى ذاتها، ومكملها الذكوري.
لا تكشف هذه الصورة اتصالاً إدخالياً، لكنها تنطوي عليه لأن فضاء الرمز الثنائي، ذكوري / أنثوي منحا الصورة قوة التعبير والتكتم على لغة الخطاب، وهذا هو المنطوق السري. الذي يومئ  له – مثلاً – رماد السيكارة الموضوعة بسكون وسط المنفضة الخالية / والنظيفة. والسيكارة النازلة فيها هي الأولى مع قليل من رماد الاحتراق.
تركت سيكارتها المشتعلة تواً في المنفضة، لأنها وجدت بديلاً تعويضياً للسيكارة وهو الحزام. بديل ذكوري رمزي. كما إن السيكارة دالة على الأنثى وفالوس للذكر. نار من الأزل وهي من الأنماط  البدئية في الديانات الوثنية. وما شكله الفالوس والدائرة (المنفضة) هو نص مجازي عن الاتصال التمثيلي أو الرمزي. السيكارة والحزام رمزان، ساهما بتأسيس المعنى واقتراحه، وهما دالان على الحضور الايروتيكي الرمزي. وبالمقابل رفضت الأنثى حضورها الرمزي [المنفضة] وأعلنت تبدّياً جسدياً فاعلاً وكاشفاً عن اللذة وما تفضي إليه شعرياً أثناء القراءة والتأويل. هذا التأسيس النصي مقترح تكميلي، وهو ما كشفت عنه الأنثى من خلال حضورها الناهض / المصرح. وقدم تعدد الرموز الذكورية والأنثوية مقاربة قابلة للفحص والتفسير خاضعة للذة التعرف على النص. إنها لذة القارئ التي قال بها رولان بارت، لذة متحركة وليست ثابتة، لأنها دائماً ما كانت خاضعة للمتلقي وتنوعاته الثقافية والفنية، بمعنى، تظل الشعرية في الصورة معتمدة على ما تثيره في المتلقي من إشارات وتشفيرات، إنها بينة في الصورة، وجاذبة منذ البداية نحو فضاء الجسد. وصعود الفضاء دلالياً مع تشفيراته يفضي نحو الرموز، وينظم العلاقة الثنائية بينهما، ثنائية لا تقف عند حدود ما هو ظاهر فوق السطح، بل تغور عميقاً، وتكاد تكون متناغمة مع الأساطير في البدايات الأولى كما قلت.
الحزام رمز قضيبي في الثقافة اليومية، وفي التداول اليومي هو ذكوري، وتحول الابن حزاماً لظهر الأب، أي قوته الاحتياطية التي سيكون المستقبل بانتظارها. كما هو حافظ لقوة الذكورة المحفوظة في ظهر الرجل كما في الثقافة اليومية. وتعب الظهر، ضعف في الطاقة وهذا ما هو شائع للغاية في عمان.



المشاركة السابقة