جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


الجبن امرأة


سعاد الجزائري
تتناقل الأجيال عاداتها ومفرداتها دون أن تمر بآلة الغربلة الزمنية وتطورها المتسارع للدرجة التي بات من الصعب اللحاق بركبها، وانتفت الحاجة الى مرشد روحي، أخلاقي، ديني، وثقافي.. فقد اخترق التطور التقني للتواصل الاجتماعي الكثير من الثوابت. والاخلاقيات..فصار الرأي يقال مباشرة من دون المرور بمصفاة العقل أو بحاجز سيطرة الأخلاق، أو حتى بالعرف الأخلاقي واللاأخلاقي.
لكن هناك مغالطات حملناها دون أن نشعر بثقل خطيئتها، حتى وأن صلبنا أمام محراب الذنوب.
فهل يشعر بالذنب من يقول: لقد فر الدواعش الجبناء كالنساء.. وتلك النسوة، اللواتي شبه بهن الجبن، هي الأم ورحمها الذي حمل البشرية منذ بدء الخليقة.. وهي الحبيبة التي تعلقنا بحبائل حبها المتدلاة مع أشعة الشمس أو نخفي حبها تحت ضوء القمر.
ومن يعتبر الخوف شعوراً إنسانياً راقياً، إن وصفناه بـ (خائف كالمرأة)، فهل الجبن أو الخوف صفات خاصة بالنساء فقط..علماً أن هذه الصفات ترتبط بأفعال تخص الرجال.. اكثر مما تخص النساء..
إن الميوعة والدلع تنتمي الى عالمنا الانثوي.. وعندما تنتقل الى عالم الفحولة تتحول الى ذل وشتيمة.. هنا حضرتني موضوعة التلاعب اللغوي عبر بوابة التذكير والتأنيث حينما قالت النساء، نكاية بمن وصف جبن الرجال كالنساء، قاصداً بها المسبة، فقد نسبن بدورهن أن الحياة انثى والموت للرجل..والعدالة انثى والظلم رجل وغيرها الكثير..
يوصف ضعف الرجل بمقولة يرددها الكثير، دون حرج، وبقصد الاهانة انه (ابن امه).. للدلالة على ضعف شخصيته وعدم قدرته على مواجهة مصاعب الحياة.
الغريب أن الكثير من هذه العبارات المهينة لعالم الانثى صارت تستخدم في الخطابات الرسمية والبيانات الحكومية دون أدنى شعور أن تلك اللعنات تصب في خانة اهانة المرأة أياً كانت: أم، زوجة، أخت، حبيبة، أو زميلة في العمل أو نائبة خائبة..
في مقابلة تلفزيونية يتحدث عسكري من موقع القتال واصفاً الارهابيين (الدواعش) بالجبناء كالنساء وفرّوا أذلاء كالنساء، ولم يشعر المتلقي أبداً، أنه يكيل الاهانة للنساء قبل أن يكيلها للعدو. وللتحقير يوصف الرجل الضعيف بأنه مخنث كالنسوان،  وغيرها الكثير.
من هذا الاستعراض، نرى أن الصفات التي يقصد بها الرجل المحتقر اجتماعياً، هي في نفس الوقت اهانة تمر عبر بوابة كرامة المرأة والحط من قدرها لتصل الى الرجل صافية منقاة من أي شائبة، فهو ليس بالجبان، لأنه رجل أولاً وأخيراً، بل الجبن سمة المرأة..لأن الصيغة تقول (جبان كالمرأة) أو (خائف مثل النسوان)..
هنا إذاً حولنا الانثى الى جسر تعبره شتائم يريدونها بحق الرجل، لكنها تتوقف في منتصف العالم الانثوي، لأنها لن تصل الى ناصية الجسر الثانية إلا عندما تهان المرأة أولاً ثم الرجل المعني لاحقاً.
البيئة الأولى هي التي تنجب هذه المفاهيم والقيم الاجتماعية الخاطئة والمتوارثة من جيل الى آخر، وأراها تزداد تراجعاً في فترة ما بعد السبعينيات، وهذا أمر لا أقول انه طبيعي، لكنه نتاج فترات الحروب والحصار، والخراب الذي تلاه بعد عام 2003.
لكن المجتمع الأول، الأسرة، تتحمل المسؤولية الأولى في ترسيخ مثل تلك القيم، فأنا اتذكر والدي، علي هادي الجزائري، الذي تعامل مع بناته بعلو وباحترام ملحوظ، خلق فينا تلك الثقة التي جعلتنا (كبنات) نفتخر بقوتنا التي تشبه الرجال بل تفوقها، وللأسف لم يرث اخوتي منه هذا الاحترام للمرأة، قدر ما كان عليه، رغم انه ينتمي الى جيل يسبقهم اجتماعياً وحضارياً ومعرفياً..
اذكر أبي، فلولاه ما كتبت بهذه الجرأة، ولما ايقنت اني قوية مثله، وإن الجبن يشبه الانسان الجبان، سواء كان امرأة أو رجل، ومنه عرفت ان القوة تنبع من داخل الانسان وليس من تأثير خارجي  أو جندري، وتلك القوة تأتي من المعرفة والعلم، التي تجعل أياً كان قوياً، حتى الطفل يمكنه أن يتغلب علينا بقوته، بمعرفته، وبما تعلمه.
متى سينتبه المتحدث اي كانت مكانته  أو منزلته، إن جبن الدواعش، لا علاقة له بخوف النساء على ابنائهن، ومحاولة حماية أسرتها من أي خطر، وأن دموعها، وضعفها الإنساني هو القوة التي تواجه بها أعتى الأسلحة، وإن المرأة التي تهان بعبارات مشينة، هي الأم، هي الحبيبة والزوجة، هي البنت والأخت، فهل ترضى كرامة الرجال أن تهان نساؤهم يومياً ارتباطاً بجبناء الدواعش والارهاب.. وهل الجبن لغوياً امرأة؟!



المشاركة السابقة