جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » اعمدة » استدراك


استدراك


علاء المفرجي
كان يجب الانتظار ما يقرب أكثر من قرن، قبل أن تنصف هوليوود العربي والمسلم، وكان يجب أن يصدم العالم بحدثٍ بمستوى أحداث”سبتمبر”كي تعيد الصناعة الهوليوودية النظر بالصورة النمطية للعربي والمسلم التي ترسخت في الأذهان عقوداً من تاريخ هذه الصناعة.
وباعتبار أن الصورة الذهنية المبسّطة للإنسان، تستقر بالذاكرة، وتتكرس كلما تكرر عرضها، وبالتالي فإنها تؤثر في التصرف السلوكي للإنسان الذي يختزنها في ذهنه، فقد كانت صورة المسلم والعربي في الذهن الأمريكي والتي رسختها ثقافته الشعبية، صورة غير حقيقية تتجاذبها صفات التخلف والسادية والشبق والخداع وما الى ذلك. وسبق للناقد والمؤرخ الأمريكي الجنسية العربي الأصل جاك شاهين في كتابه الذي صدر مؤخراً أن قدماً ثبتت في الافلام التي تضمنت مثل هذه الصورة، بل الأفلام التي كانت لهذه الصورة موضوعاً لها، وقد تجاوزت هذه الأفلام رقماً كبيراً قياساً بما هو منتج.
سنوات كثيرة مرت، إذاً قبل أن تقدم هوليوود هذه الصورة بموضوعية تحتكم للتاريخ من خلال فيلم ريدلي سكوت (مملكة الجنة) الفيلم الذي ً أثار جدالاً كبيراً في الأوساط السينمائية وبخاصة الأمريكية وقت عرضه. أكثر من جانب يحدد الأهمية التي جاء بها هذا الفيلم، ولعلَّ في مقدمة ذلك، أنه سابقة في تاريخ السينما الأمريكية التي طالما أهملت موضوعاً كهذا.. بل إن أهمية ذلك تتجلى في تصدي واحدة من أكبر الشركات السينمائية الأمريكية لإنتاج هذا الفيلم وهي شركة فوكس التي رصدت أكثر من 130 مليون دولار لإنتاجه وبإمكانات إنتاجية ضخمة، دلّت على حجم الاهتمام بموضوع الفيلم.
الجانب الآخر أن الفيلم جاء في ظروف بداية تنامي التطرف الديني في كل مكان، وما نتج عنه من أحداث وضعت العالم على حافة مأساة وأخطار كثيرة.. خاصة أن الفيلم يتناول التطرف الديني بشكل عام، والذي لايقتصر على دين معين، وعلى خلفية واحدة من أبشع و أطول الحروب في التاريخ، ونعني هنا الحروب الصليبية. وإذا كانت السينما العالمية قد عالجت هذا الموضوع وعلى مدى تاريخها عشرات المرات.. ونضيف إليها ما قدمته السينما العربية من خلال فيلم يوسف شاهين (الناصر صلاح الدين)، فإنه مع رائعة ريدلي سكوت يبدو الأمر مختلفاً، حيث عمد هذا المخرج إلى التعاطي مع هذا الحدث التاريخي بموضوعية افتقدتها الكثير من المعالجات الأخرى. والتي تصب في النهاية في السعي للجم جموح التطرف بكل أشكاله باعتباره الخطر الأكبر الذي يواجه العامل الآن. خاصة أنه السبب المباشر  لنشوب هذه الحرب التي قامت في العصور الوسطى التي عاشتها أوروبا، عصور التطرف الديني المسيحي قبل ما يقرب من ألف عام.
وما يزيد من أهمية هذا الفيلم  أنه لم يكن ناسخاً لوثائق تاريخية باتت معروفة فحسب، بل حرص مخرجه على تقديمه كتحفة فنية وبأسلوب متفرد في تقديم العمل الملحمي، تجعل منه أثراً فنياً خالداً ولكن يبقى السؤال الأهم، هل يكفي عمل سينمائي واحد، لمحو أثر نمط الصورة التي رسختها مئات الأفلام عبر عقود من تاريخ السينما؟..
ربما تكمن الإجابة بضرورة إعادة النظر بالكثير من المفاهيم والصور التي ترسخت في الأذهان من أجل درء أخطار المستقبل.



المشاركة السابقة