جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


المحبة اولا


فاضل عباس هادي
ومن المعروف عن يوسف كارش مصور البورتريت الارمني العالمي انه كان يقرأ كل شيء عن الشخص المراد تصويره سواء كان كاتبا أو موسيقارا أو ممثلا سينمائيا أو سياسيا بحيث يكون على معرفة وثيقة غير مباشرة بالشخص قبل ان يذهب إلى تصويره.
حدث هذه مع الروائي الامريكي همنغواي والفرنسي مورياك وحدث ايضا مع رئيس الوزراء البريطاني تشرشل وصوفيا لورين.
اى انه كان يعرف هؤلاء وافكارهم واتجاهاتهم السياسية وعاداتهم الشخصية، بحيث يشعر بأنهم اصدقائه ولم يكن معنيا على الاطلاق باختلاف الآراء بينه وبينهم.
والهدف من وراء هذا، ان يشعر المصور بانه ذاهب لتصوير صديق حميم أو شخصية عجب بها.
لم يكن يوسف كارش معنيا بالجانب الايديولوجي، اي ان افكار الشخص واتجاهاته العقائدية هي للعلم والاقتراب منه ولا يجب ان تكون عقبة على طريق الهدف المنشود وهو تحقيق بورتريت ناجح لا يمكن ان يتم الا اذا كان المصور متعاطفاً مع الموضوع، ان لم نقل يخلق بين الاثنين ما يشبه «كيمياء »الحب التي يتحدث عنه العارفون في شؤون الطبيعة البشرية.
بمعنى اخر المصور يعطي الاولوية للجانب البصري والانساني، لا الجانب العقائدي.
ولولا كيمياء الحب ولولا المحبة والاعجاب لما نجح يوسف كارش في انجاز بورتريتات تعتبر الاعمق من ناحية النفاذ إلى جوهر الكتاب والموسيقيين والنجوم الذين صورهم.صورة همنغواي هي الأشهر في هذا المجال وغالبا ما تراها على اغلفة كتب الروائي الامريكي الكبير.
لقد تحدث بعض دارسي الثقافة في الفنون في القرن العشرين عن «المثقف التقني » الذي اخذ يبرز بعد انهيار الايديولوجيات الكبرى. المثقف هذا نزع عن كاهله التحيز ورمى جانبا فرمان الدعوة إلى تحقيق يوتوبيا معينة. ولم يكن هذا الطراز الجديد من المثقفين أداة بيد سلطة الفرح والاحتفاء بالحياة الجميلة، وكارش من الفنانين الفوتوغرافيين الذين اهتدوا منذ سنوات الصبا الأول إلى شعار ان من الأفضل أن تشعل شمعة على أن تلعن الظلام.
عمل المصور، بالطبع، لا يقتصر على الاحتفاء بالجوانب الفردوسية في الحياة إلا أن البورتريت فن يقوم على علاقة تجاوبية بين كينونتين، ولا بد له من ان يعطينا الانطباع بالحبور والوصول إلى النقطة التي تنتهي بها الكآبة تبدأ بها الصبوة.
نقول لا بد وليس هذا بمعنى الوجوب، فإن لم يكن المصور يحمل في داخله حب الحياة لا يستطيع مهما كان حاذقا من الناحية التقنية ان يحتفي بها.

عن كتاب  (السيدة لايكا تنتظرك في البيت)



المشاركة السابقة