جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » اعمدة » استدراك


استدراك


علاء المفرجي
يقترح الصديق الفنان التشكيلي ستار كاووش على تاتو ان ننشر ترجمته لرسائل الفنان العالمي كوخ، وهي كثيرة فاقترحت عليه بدوري ان ننشر بعضاًَ منها،  لتنبيه القارئ على ضرورة ان يضمها كتاب فيما بعد لتكون إضافة مهمة للمكتبة الفنية العربية،
خاصة وان الترجمة تكتسب اهميتها من جانبين مهمين، لعل الأول انها ترجمة من لغة الرسائل الاصلية وهي الهولندية التي يتقنها فناننا بحكم إقامته فيها اكثر من عشرين عاماً، والجانب الثاني إن الترجمة لفنان هو الاقرب لهواجس فنان مثل كوخ  ويعيش لحظته الفنية ذاتها ويتفهم معاناته.
الذي يعرف ستار كاووش جيداً لايفاجأ بهذه القدرة الجيدة على الكتابة فستار كاووش من جيل كانت القراءة هاجسه ليستجير فيها من عسف الظروف التي عشناها معاً، فكانت مرانه اليومي على الاستزادة من تجارب الكتاب الذين قرأهم وعلى تطوير موهبته وتكريسها، كان يقول”دائما ما أقول بأن السينما والشعر أثرا تأثيرا كبيرا على طريقتي في رؤية الأشياء".. مرة سألته عن معرضه (سيقان وارصفة) الذي اقامه نهاية ثمانينيات القرن المنصرم، فقد كان هذا المعرض حدثاً ثقافياً مهماً بشر بولادة فنان مجدد.. يقول ستار كاووش:،”بالنسبة لهذا المعرض كانت هناك أشياء كثيرة مزدحمة في رأسي أردت أن أقولها. كان تلفزيون بغداد حينها قد عرض فيلما يبدو كأنه ليس مهما أو كبيرا، لكنه أثر علي بشكل كبير وأصبحت أنظر الى الأشياء بعين الكاميرا التي صوّرت الفيلم، لقد شاهدت الفيلم وحدي في وقت متأخر من الليل، كان فيلم تشويق وهناك ممثل لا يظهر منه سوى حذائه أو جزمته طوال الفيلم، يقوم بأعمال سرقة وإثارة ولا نشاهد غير جزمته، هنا برأيي تكمن عبقرية السينما (الجزء يعوض عن الكل) بعد الفيلم مباشرة أخذت أنظر الى الناس أو الأشخاص الذين حولي من خلال مقاطع أو أجزاء منهم، فحين يضع شخص ما ساقاً على ساق ويتصفح جريدة أراقب وضعية ساقيه وحين يتحدث الى شخص آخر تختلف الحركة، كنت أتابع حركة الأيدي والأصابع وهي تقبض على السيجارة، أنظر الى الجزء الظاهر من الجوارب وكأنه لطخة فرشاة وسط لوحة معتمة. هذه كانت الخطوة الأولى لتحقيق لوحات من هذا النوع، وكي تكتمل دهشتي فقد قرأت مقطعا شعريا وأنا أتصفح إحدى المجلات بالمصادفة، كان المقطع للشاعر (أوكتافيو باث) ويقول فيه (الريشة عصفور حي يرزق) فقلت مع نفسي وقد جنني الإختزال في هذا المقطع، يا إلهي هذه الريشة هي الجزمة التي شاهدتها في الفيلم، ولم يكن هناك مجالا للتوقف، يجب أن أبحث عن قماشات صالحة للرسم وأدفع مغامرتي الى أقصاها، وهكذا أقيم المعرض في قاعة التحرير، كانت مفاجئة للجمهور في الإفتتاح حيث كانت كل اللوحات تقريبا عبارة عن مقاطع تظهر فيها فقط الأحذية والأرجل والسيقان على أرصفة مغسولة توا بفعل المطر.."
ما أثار اهتمام النقاد بستار كاووش* إنصرافه عن الطبيعة التي قال عنها مرة :(لقد ماتت الطبيعة منذ مائة عام في الرسم).. إلى حيث صخب المدينة المكتظ بالتفاصيل، الشارع، المقهى، الباص، الأرصفة.. الخ.. درجة ترى فيها السيارة أجمل من الشجرة.
إنه ابن المدينة، ابن شوارعها وأرصفتها، مناخ المدينة هو الذي يحركه دائما حتى لو عاش في الريف.. يقول لي”تصور في مرات عديدة ذهبنا في سفرات مع أستاذنا فائق حسن لرسم الطبيعة، حينها يذهب الجميع في الصباح للبحث عن مناظر للرسم وأبقى أنا الوحيد أرسم واجهة الفندق الذي نسكن فيه.



المشاركة السابقة