جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


"سين" نسخ متوفرة على أرصفة المتنبي تدعسها أقدامنا أو نشتريها مٌنخدعين


زينب المشاط
(للبعض سحرهم الذي يقودنا دون وعيِّ... ما أن نُبصرهم) هذا بالضبط ما أصابني حين رأيته للمرة الأولى في غرفة مديري الذي طلب مني أن ألتقط لهم صورة في جهازه النقال...."
كُنت أتناول مع نزار عشائي، في مطعم اعتدنا أن نلتقي به لأنه يُحبه وأسرد له ما حدث مع"السيد سين"أحدى الشخصيات الثقافية التي تعرفت إليها من خلال عملي،
كان نزار يستمع إليّ بصمت، وشرود، لم أكُن أعلم ماذا يُخبئان، فسألني"وماذا حصل بعدها؟"أكملتُ حديثي عن السيد سين، وقلت"بعد يوم واحد بعث لي بطلب صداقة عبر الفيس بوك، وقد أفرحني هذا...ووافقت"استدركت للحظات وبررت قائلة دون أن انتظر من نزار طرح سؤاله الذي قرأته بصمته"أفرحني لأنه أكاديمي وناقد معروف كما سمعت عنه، وتوقعت انه سيتابع مقالاتي من خلال الفيس بوك، وسينقد أشعاري أيضا وقصائدي"
أشعل نزار سيجارته ونفث دخانها خارج أنفه وفمه بنفاد صبر.  نزار شاعر، هادئ وراقٍ، لا يُفكر كأغلب مُثقفينا بتقديم عروض لعلاقاتٍ عابرة، ورغباتٍ جسدية، كما إنه لا يراني كما يراني الآخرون من ذكور الوسط، لقمة سهلة للاصطياد لأني شابة طموحة ترغب بتحقيق ذاتها، لذا كان الصديق المثالي، والإله الحارس بالنسبة لي وكنت أشعر بذلك من خلال حرصه عليّ، فنزار يخشى أن أُحادث أحدهم، وأشعر أنه غالباً ما يُشوّه صورة بعض افراد الوسط ليُبعدني عنهم من شدّة قلقه بشأني، أو قد يكون كذلك!!
"بعد مدة عام تقريباً راسلني الناقد وتجاذبنا أطراف الحديث الثقافي، ودعاني لتناول الغداء ظهيرة أحد الايام وقد لبيت دعوته، في الواقع كان كل شيء جميل، وجذاب، وأنيق كبدلة سموكن، شعرت يومها إني ابنة السادسة عشرة بصحبة البروفسور الذي سيُعلمها الكثير، كانت عيناي شاخصتان منبهرتان مأخوذتان بهذا الواقع الساحر، من رجلٍ مُثقف لا يُشبه وسطنا الذي نعيشه واقعاً، فكل شيء معه كان غاية في اللياقة والاناقة، تصرفه، كلماته، كل شيء...كل شيء"كُنت أتحدث لنزار بإنبهاري السابق بـ"السيد سين"، وكان يستمع بصمت دون أن يُطلق اي حرف،"استمرت لقاءاتنا، وقد اصبحنا صديقين حميمين، ولكن ومنذ اللقاء الثالث بدأت أكتشف إني معجبة بالجانب الثقافي من هذا الرجل والبعيد عن واقعه تماماً، ولهذا أطلقت عليه اسم"السيد سين"، فهو نسخة من آلآف المثقفين الشرقيين، الذين ينسلخون عن جلودهم المنزلية ما إن تخطو أقدامهم البيئة الخارجية، يُحاولون إبهار النساء، والفتيات برُقيّ الشخصية التي تلبسها أجسادهم، تلك التي تشبه أبطال الروايات، وما إن نقترب إليهم حتى تتكشف أمامنا تلك الوجوه التي تُخبئها الاقنعة، التخلف، العنصرية، النظرة الجسدية للمرأة والبعيدة تماماً عن السلوك الثقافي السامي، سنكتشف إن الثقافة مُجرد ستار يظهرون به اجتماعياً، ويحاولون من خلاله الحصول على إطراءات إعجاب، او كسب قلوب العذراوات وممارسة انحلالهم باسم"الثقافة"وحالما يعودوا إلى منازلهم نجدهم يستعبدون نساءهم بالضبط كشخصية"سي السيد"في ثلاثية نجيب محفوظ."
حملق نزار بي طويلاً...ثم قال عاجزاً"أخبرتك آلآف المرات أن لاتحتكي بهؤلاء المثقفين، إنهم مراهقون يا فتاتي، أنا أخشى عليك منهم، عليكِ أن تكوني مُتكبرة، مغرورة،  فهؤلاء لن يتفهموا تلقائيتك وعفويتك، انهم لا يشبهوني، فأنا اختلف، أنا إلهك الحارس."قاطعته"لكن يا نزار ليس جميع المثقفين هكذا فهنالك البعض..."قاطعني قبل أن أكمل جملتي"لا.. لا أبداً الجميع كذلك عليك أن تُطيعي ما أقول."
لم أناقش نزار فأنا في الواقع كُنت مُتيقنا من صدقه معي، ومحاولاته الجادة لحمايتي مما يدور حولي، أكملت حديثي قائلة"المهم إن هذا المثقف حكاية وانتهت، كُنت أظنه صديق وناقد يستطيع أن يُشاركني منجزي الأدبي ويقيّمه لا غير، لكنه كان"سين"إنهم وجوه لذات العملة، وهم مرايا تتقابل وتعكس إحداها الاخرى."
"حسناً المهم إنها انتهت"هذا ما قاله نزار بهدوء واشعل سيجارة أخرى، فقُلت له"نعم، لكني أعيش حالة من العاطفة أو الاعجاب، تجاه أحدهم."إبتسم نزار بغير رضا مُتسائلاً، فأخبرته"إنه إعجاب من شاب تعرفت إليه في احدى المنتديات الثقافية ولكن دون بوح مشاعر افلاطونية صامتة."
بدى على نزار الانزعاج، وطلب مني مغادرة المطعم إن انهيت عشائي فهو بحاجة الى الراحة...
بعد منتصف تلك الليلة سمعت رنين هاتفي النقال، مُنبئاً عن وصول"مسج"عبر الفيس بوك، وكان هذه المسج من نزار يقول فيه"انا بحاجة لمحادثتك بأمر هام"فسألته بطرفه"ماهو المهم يا عم"أجابني بغضب"لاتقولي عم فأنت تعرفين كم أكره هذه الكلمة قولي نزار فقط"تفاجأت من ردة فعله الغاضبة وتوقعت أنني فهمت الأمور على غير ما تبدو فغالباً الكتابة لاتنقل لنا الصورة الصحيحة لحالة الشخص، وقلت له"حسناً رغم إنك في سن والدي ولكن لن أكرر هذا اللقب."
- اسمعي أنتِ تعلمين كم أنا داعم لمنجزك؟ ألا أحتاج الى الاهتمام لدعمي المستمر.. ألا احتاج الى الشكر؟
- بالطبع نزار لِمَ تقول هذا ألم أشكرك؟
- أنا الرجل الذي يعمل على توجيهك ودعمك، ولكن منجزي أيضاً يحتاج مني المزيد من الاهتمام، منجزي بحاجة الى امرأة ملهمة ايضاً، فكما أُكرّس لك وقتي بأكمله، كرسي لي جانباً من روحك لتساعدني على التأمل الأدبي
- بالطبع نزار سأكون سعيدة بأن أكون الى جانبك فأنا صديقتك
- لا ليس هذا ما أريد، أنا بحاجة الى امرأة عشق... جسد... رغبة...لماذا لا تتفهمين هذا
- لكن أنت رجل متزوج وتكبرني كثيراً، وحين لجأت اليك اخبرتني بأنك ستكون الى جانبي دون مقابل ودون هذه الافكار التي تشبه الآخرين من أفراد هذا الوسط! ما الذي تغير الآن؟.
- من الظلم أن أقف الى جانبك وأوجهك في منجزك دون أن تكوني المرأة التي ستلهمني؟ ماذا يعني فارق العمر كبار الفلاسفة والكتاب والشعراء أحبوا سيدات صغيرات، وخلقوا قصص عشق ساحرة... سواء كعلاقة عاطفية جوهرية أو جسدية... ساعدتهم على انجاز أعظم النصوص الأدبية
- أنا لا اشعر تجاهك بهذه المشاعر، أنا أعدّك صديقاً مقرباً، معلماً وموجهاً أيضاً، كما إنك وعدتني أن تكون مختلفاً عن الجميع
- أنا لا استطيع الاستمرار بمنحك وقتي  كصديقة... فأما ان تكوني المرأة الملهمة... أو اعذريني
لن أنتظر لسماع المزيد وعذرته كما طلب مني، دخلت الى صفحته عبر فيس بوك وعذرته بحظري إياه، ولم أنسَ أن احظر المعجب الشاب ايضاً فهو من ذات الوسط  الذي أخشى أن يكون كالآخرين وكنزار أيضاً"سين"نسخ متوفرة دائما على أرصفة شارع المتنبي تدعسها الاقدام أحياناً ويشتريها البعض مُنخدعاً بها أحياناً أخرى.



المشاركة السابقة