جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


تيري إيغلتون : الكاتب والكتاب اللذان غيّرا حياتي!!


ترجمة لطفية الدليمي
  المقال الذي كتبه البروفسور (تيري إيغلتون Terry Eagleton) في صحيفة الغارديان البريطانية بتاريخ 4 أغسطس- آب 2013 في قسم الفلسفة ضمن سلسلة (كتابٌ غيّر حياتي) عن كولن ويلسون وكتابه (اللامنتمي).
البروفسور تيري فرانسيس إيغلتون Terry Francis Eagleton    منظّر أدبي وناقد ومثقف بريطاني وفيلسوف ذائع الصيت، يعمل حالياً (عام 2017) أستاذاً متميزاً للأدب الإنكليزي  في جامعة لانكاستر كما عمل أستاذا في بعض الجامعات البريطانية الرصينة من بينها جامعة اوكسفورد.، ويعرَف عنه ميوله الفكرية والسياسية الماركسية المُرشّدة في مواجهة الرأسماليات المتغوّلة التي تجتاح عالمنا المعاصر. 
  إيغلتون كاتب غزير الإنتاج في الصحافة ويكتب باستمرار وحيوية فائقة في مطبوعات ثقافية عالمية مهمّة (وبخاصة مراجعة لندن للكتب London Review of Books)، وله العشرات من المؤلفات الذائعة الصيت منها (كيف نقرأ الأدب؟) و(حارس البوابة)  مذكراته التي صدرت 2015 عن دار  المدى وكتاب (نظرية الأدب)، وكتاب (أوهام مابعد الحداثة)  وغيرها الكثير.
  عندما كنتُ في السادسة عشرة حاولت أن أربّي  لحية وأمتّع نفسي قليلاً مثلما إعتاد الوجوديون أن يفعلوا : كان ثمة فتاة جميلة في إحدى المدارس المحلية التابعة لأحد الأديرة، ولم تكن تلك الفتاة تكتفي بجني المتعة كوجودية مكرّسة فحسب بل عكفت على بعث البهجة في أرواح الوجوديين أنفسهم - الأمر الذي وفّر لي دافعاً قوياً للمناداة بالنزعة العبثية الأساسية التي ينطوي عليها الوجود الإنساني، وعندما أعود بذاكرتي اليوم إلى تلك السنوات البعيدة أراني أخطأتُ التعامل مع سنوات يفاعتي المبكرة إذ حمّلتُها عبء القلق الميتافيزيقيّ تجاه مايمكن أن تؤول إليه أحوال العالم!!.
    كنت في سنوات يفاعتي الأولى - إلى جانب إفتتاني بالحركة الوجودية - مسكوناً بالدهشة أزاء ماكان يدعى (الشباب الغاضب) الذين إنتهى الأمر بمعظمهم ليغدوا عجَزَةً رجعيين متجهمين يتآكلهم الإكتئاب. قرأت كلاً من (أنظر وراءك بغضبLook Back in Anger) و (جيم المحظوظ Lucky Jim) و (مكان في القمة  Room at the Top) وحاولت جاهداً تقليد الأسلوب الأيقوني المشاكس لكُتّابِها وخلعه على وجودي الشخصي البائس، ولم يكن هذا الأمر يسيراً البتة إذ كنت حينذاك ماأزال أرتدي السترة المدرسية وغدوت لتوّي أرتدي بنطالاً طويلاً عوض السروال المدرسي القصير المعروف، ولم أكن أعرف يومذاك ماالذي كان هؤلاء الكُتّاب غاضبين بشأنه ثم أدركت لاحقاً أنهم لم يكونوا غاضبين تجاه أي شيء!! : الحقّ أن معظمهم لم يكن غاضباً أبداً، ولم يكن الأمر في مجمله سوى دعاية إعلامية كالعادة، وقد أحسن هؤلاء الكُتّاب في تشكيل ملامح ثقافتي الخاصة على الخارطة وتلك هي ثقافة الطبقة العاملة المحلية ذات التوجهات اليسارية الغامضة، وكان هذا الأمر باعثاً على الكثير من الدهشة كما أراه اليوم.
    كنتُ في أغلب المساءات معتاداً على إرتداء ربطة عنق وقطعاً من الثياب التي رأيت جون اوزبورن John Osborne يرتدي مثلها في التلفاز، وكان ذلك الفعل يؤشّر حالة من التمرد الذاتي القوي ومخالفة الرأي السائد والمألوف آنذاك.
    تضاءلت كآبتي السارترية عندما عزمت فتاة المدرسة التابعة للدير على توطيد صداقتها مع ذلك الفتى ذي النزعة النيتشوية البالغ ثمانية عشر عاماً والقادم من روتشديل (الحيّ المكتظ بالأسواق وسط مانشستر الكبرى والذي كانت عائلة إيغلتون تقطنه آنذاك، المترجمة)، لكنّي على أية حال وجدت العزاء والسلوان في كتاب (اللامنتمي) لكولن ويلسون عندما نُشِر عام 1956 : كان كتاب اللامنتمي واحداً من أوائل الكتب التي إقتنيتُها في حياتي وماأزال أذكر الدهشة التي قرأت بها على غلاف الكتاب المترّب هذه الكلمات الواعدة"هذا هو الكتاب الأكثر إستحقاقاً للإعتبار والإهتمام كما يرى مُراجع الكتاب"، في حين كتب معلّقٌ آخر بأن الكتاب"جعل من ذلك المؤلف البالغ أربعة وعشرين عاماً المثقف الأكثر إشكالية في بريطانيا".
    علمتُ أن ويلسون كتب كتابه ذاك في قاعة القراءة الخاصة بالمتحف البريطاني في حين كان يقضي لياليه داخل حقيبة نوم في منطقة هامبستد هيث، وقد فكّر ويلسون ملياً في التخييم خارج المدينة - في ملاعب حقول سالفورد لينال عزلته الأثيرة التي يتوق إليها. لم يكن ويلسون آنذاك يرتدي ربطة عنق لكنني رأيته آنذاك في الصورة وهو يرتدي رداء ذا عنق في وقت لم يكن يجرؤ فيه حتى عتاة الفوضويين المناهضين للقنابل النووية على الظهور أمام العامّة من غير ربطة عنق!!.
    اللامنتمي هو كثير الشبه بصندوق قديم يحوي تفاصيل العدميّة الوجودية السائدة : من كامو و سارتر وحتى هيرمان هسّه، وتضمّ حيواتٍ مثل تي. إي. لورنس، بليك، فان كوخ، نيتشه، دوستويفسكي،،،،،،،. نرى في هذا الكتاب إليوت يربّت على أكتاف فاسلاف نيجينسكي، كما نرى إيرنست همنغواي يجلس ملاصقاً لفرانز كافكا. إن أغلب الشخصيات التي نقرأ عنها في هذا الكتاب لاتملك إلّا القليل من المشتركات الجامعة بينها، والمشترك الوحيد الجامع بينها هو الكليشيه (القناعة المتواترة) الرومانتيكية الخالصة القائمة على أساس أنّ معظم الفنانين يرون أنفسهم غرباء عن السياق المجتمعي السائد. إن اللامنتمي ببساطة مثال جيد لكتاب يمكن أن تتوقعه من شخصٍ علّم نفسه بنفسه ودفعه حب التعلّم الذاتي لحبس نفسه شهوراً عدة في قاعة للمطالعة!!.
    إن الإحساس بالكآبة المتفشية هو مافتنني فوق كل شيء بلامنتمي ويلسون : ثمة خطأ شائع في التصور بأن النزعة التشاؤمية أكثر نضجاً من البهجة والإنشراح، ويبدو المزاج السوداوي الكئيب (الميلانخوليا) السمة العصرية السائدة في القرن العشرين حيثُ يعدُّ أي توقّع مبشّر بالأمل ساذجاً!!، وبالنسبة إلى مراهق مثلي يخطو خطاه المبكرة نحو البلوغ فإن الإحساس الميتافيزيقي بإنعدام المعنى كان بمثابة الهدية المثلى له حتى بعد أن إنتقلت فتاة مدرسة الدير مع عائلتها للسكن في الساحل الأيسر من حي روتشديل الذي كان يقطنه. يخلص كتاب اللامنتمي - وبطريقة غير منتظرة أو متوقعة - إلى الإستنتاج بأن الفلسفة الغربية مبتلاة بمغالطة تشاؤمية، وعلى هذا الأساس إتخذ الكتاب خطوة ذكية بإتجاه الإنفكاك من المزاج العدمي السائد في تلك الفلسفة، وقد حاولت من جانبي - وعلى نحوٍ مثير للدهشة -  تنحية ذلك المنحى الإيجابي جانباً خشية أن يقوّض تلذّذي بما كنتُ أعانيه من إكتئاب مزعوم!!!.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية