جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


عدنان العوادي في المقالة الثانية


صادق الطريحي
  ـ أرى أنّ عدنان العوادي يصلح للكتابة عنه ثانية، وربما يصلح للكتابة عنه مرة ثالثة، بلا تكرار لما سبق، وهذا ما سيتحقق في مقالتي هذه، وربما سيتحقق في مقالتي الثالثة!!
ـ أواثق أنت حقاً؟ ألا تعلم أنّ تكرار الكتابة في عنوان واحد، سيجعل المقالة الثانية باهتة، وسيسجل السبق للأول دائماً.
ـ ولكن المقالة الأولى تغريك للكتابة عنه مرة أخرى، فقد كتب سعيد عدنان في مقالته”وهو على ذلك قليل الكلام، كثير الصمت، غير أنه يبلغ بالصمت ما لا يبلغه آخرون بالكلام!”
  أفلا لاحظت أنه جاء بمفردة نكرة (آخرون) مقابل كلمة معرفة!! وهل لاحظت الجمع في آخرون مقابل المفرد، عدنان العوادي!! وهل لاحظت الطباق في قليل الكلام، كثير الصمت! وهلا اختبرت أثر الطباق في صمت العوادي وكلام الآخرين! إذ يعطيك الطباق مسافة شاسعة للحديث الجديد، فكيف لا أستطيع أن أكتب مقالة ثانية، أو ثالثة في من هو بالغ أمره بالصمت!!!
فليست المسألة مسألة سبق كما ترى...
ـ أرجو ألاّ تنسى أنك تود الحديث عن عدنان العوادي، وليس عن سعيد عدنان في كتابه (في أفق الأدب)
ـ لا، لست ناسياً، ولكنهما وجهان لعملة واحدة، كما جاء في الكناية القديمة؛ لأنّ سعيد عدنان من”النابغين في فصاحة الإيجاز البليغ”كما يقول أستاذه الطاهر.
ـ فمن أين تبدأ في الكتابة عن عدنان العوادي؟ أتبدأ من ولادته في قرية (السّادة) جنوبي الحلة، إذ أراد والده أن يدرس في الحوزة العلمية في النجف؛ كي يرث العمامة عنه، لكنه آثر أن يلتحق بالمدرسة الرسمية مشياً على الأقدام إلى قرية أخرى، أم تبدأ من تأسيسه لـ (ندوة عشتار) ثم انسحابه منها!
ـ ليس هذا، ولا ذاك، فهذه المعلومات موثقة في كتب الببليوغرافيا والتراجم، أما المقالة الأدبية  ـ كما تعلم ـ فتكتب ما لا تستطيع تلك الكتب أن تشعر به.
ـ أعتقد أنك ستتحدث عن شعره، إذ نشر القليل منه في مجلة (الأقلام) في السّتينيات، وقد قلت لي إنه نشر فيها قصيدة على البحر البسيط مرتبة على غير نظام الشطرين، وكأنها قصيدة تفعيلة، ويظنّ بعض الشعراء اليوم أنهم السّابقون، السّابقون في هذا التحديث الكتابيّ لقصيدة الشطرين!! وهو ما لم يشر إليه سعيد عدنان في مقالته، وبذلك تضيف شيئاً جديداً إلى مقالك.
ـ وهل يخفى على سعيد عدنان شعر السّتينيات في (الأقلام) وفي غير (الأقلام) من الصّحف أو الكتب أو المجلات!! وهو الذي بدأ حياته شاعراً، وما زالَ شاعراً، ولو أراد أن يتحدث عن شعره لتحدث، إنما أراد سعيد عدنان أمراً آخر في مقالته!
ـ سأقترح عليك أن تكتب في نثره، فقد حدثتني ذات مرة أنّ له مقالات يضن بها على النشر!
ـ أجل، وأنّى لي أن أنسى نثره، فلقد استمعنا في قسم اللغة العربية في كلية التربية بجامعة القادسية إلى مقاله عن أستاذه (عناد غزوان) وهو يلقيه إلقاءً متأنياً، ويؤديه أداء متصوف في حضرة شيخه، فيشيع في القاعة نغم العربية، وحلاوة ألفاظها، وتردد أصوات حروفها...
ـ يكفي هذا، فقد فصّل سعيد عدنان الحديث عن إلقائه الشعر، قائلاً”ولكنك إذا سمعته ينشده بدا لك من خفي معناه وبعيد مغزاه ما لم يبد من قبل!”فلا تكرر قول المقالة الأولى!!
ـ شكراً لك، لقد كنت أودّ أن أنقل عنه، أنّ العربية لسان، وليست قواعد وألغازاً، ولكن سعيد عدنان أراد أن يقول قولاً آخر، غير المكتوب في المقالة!
ـ أظن أنك ستبدأ مقالتك المزعومة برسم صورة لوجه عدنان العوادي، كما ابتدأ هو مقالته غير المنشورة عن أستاذه الطاهر (أستاذي علي جواد الطاهر.. رُؤى ومواقف) راسماً صورة لوجه الطاهر، وكأنك تراه بفرشاة رسام ماهر من عصر النهضة! وأنا أشك بقدرتك على ذلك! فهل تستطيع أن تقول مثله”مُعتدلاً نشيطًا أمام رياح”السبعين”الباردة، برغم ما وقرتهُ به من نديفٍ رقيق انحسرَ عن مُقدَّم الرأسِ إلا قليلاً، ومن تجعُّدٍ انتثرَ رذاذُهُ على موضع الذَقِن وما ولِيَه. على أنَّ ذلك ما كانَ يزيدُهُ إلا جلالاً؛ فالبشرةُ التي أُشرِبَ بياضُها حُمرةً، صافيةٌ لا قانيةٌ ولا شاحبةٌ، وقد يغشاها ذبولٌ فتعودُ أشفَّ وأرهَفَ. والوجهُ السمحُ تحت الجبهةِ النقيّةِ لم تُكدِّره عُقدةٌ أو كدْمة، ومن ظلال الحاجبين الممشوقين تشُعُّ العينانِ بعُمقٍ فتُشكِّلُ مع شمم الأنفِ الحاني قليلاً على شاربيه ملامحَ صقْرٍ قويِّ الجَنان تنبُضُ قسماتُهُ بالثقةِ والاعتزاز. في حين تنطبقُ الشفتانِ الرقيقتان على إحساسٍ عميقٍ بالشفقةِ والزهادة.”
ـ ملاحظتك، يا صديقي لا تحمل كلّ الصواب، فأنا أزعم لك أنني أستطيع أن أرسم صورة لوجه العوادي قبل عشرين عاماً (صامداً، جلداً أمام ريح الحصار السّاخنة، وقد تغضن جبينه قليلاً، معتدل القامة دائماً، أنيقاً كأنه الإله شمش يحمل قوانين المسلة في يده، فلم يره أحد ما من خصومه منحنياً، مبتسماً ابتسامة خفيفة تضيء سمرة بشرته بطبقة رقيقة من البياض، وتتوسع دائرة وجهه قليلاً، إن أجاب بعض الطلبة عن سؤال من أسئلته التي لا تستند إلى (الدرخ)، أو قرأ بعضهم قراءة حسنة في الكتاب) لكنني لا أبلغ درجته في رسم الشخصية، والمقالي المبدع ماهر في رسم صور الشخصيات، وكأن القارئ يراها عياناً. وأرجو ألاّ تنسى أنّ سعيد عدنان قد رسم الروح المطلق للعوادي، لكن مساحة المقالة هذه لا تكفي للاستشهاد.
ـ كم حيرتني يا صديقي! كلما توقعت منك حديثاً جديداً في مقالتك، تعود بي إلى المقال الأول، وتكرر علي القول، إنما أراد سعيد عدنان أمراً آخر في مقالته! ألم أقل لك إنّ المقالة الثانية ستكون باهتة!
ـ رجاءً، انتظرني قليلاً، فلم أكمل حديثي بعد، ألاحظت مثلاً أنّ حديثنا عن عدنان العوادي حديث شفاهيّ كله، وأنه لا يحدثنا في غرفة الصف من خلال كتاب، أو دفتر، أو سجل كما عند البعض.
ـ أجل، هذا معروف عنه!!
ـ إنه يذكرني بالفراهيدي، الذي ترك آراءه النحوية تأخذ طريقها إلى (الكتاب) بفضل سيبويه، أو هو يذكرنا بـ  دوسوسير الذي لم ينشر كتابه في الألسنية، حتى جمعه بعض طلبته!!
ـ لقد فهمت الآن، لكنك لم تقل لي ما الأمر الذي أراده سعيد عدنان في مقالته (عدنان العوادي)؟
ـ إنما أراد القول ـ في إطار من الفن ـ إنّ الكثير من (الآخرين) يتلونون بحسب الظروف السياسية، وليس عن قناعة ما، فيتسللون إلى مواقع القرار، وإنّ الجامعة اليوم تستسهل تكرار البحوث العلمية، حتى تستنزفها الأقلام، وإنّ حب الحقيقة وإعلانها على أتمها دون خشية أو مداراة... هو الأصل في الشخصية الإنسانية.
ولعل هذا الفن هو ما أريده في المقالة الثانية!.
4/9/ 2017



المشاركة السابقة