جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


قصـــة: زيارة منتصف الليل


عبد الزهرة المنشداوي
- كيف وصلتم؟
مالكم لاتيجيبون.!!
ادخلوا فأنتم تقفون وتبتسمون ولاتتكلمون، ادخلوا قلت لكم. من أرشدكم لبيتي؟. بعد كل هذه السنين،كيف ذكرتموني؟. لم تتغيروا،  كما عهدتكم،؟. لا تعلمون كم عرفت معنى الضياع،الوحدة،وتفاهة كل شيء. الحزن تجرعته، والخوف احاط بي لا اعلم لما صار كل شيء مراً. كيف خطر لكم تذكري؟.
جاسم،يقف ورائكم  دعوه يدخل،سدتتم عليه الباب.
تعال، اجلس هاهنا  بالقرب مني,بالضبط. أعرف بأنك كنت تخشى الحاكم،نحن  زدنا من خوفك هازئين وانت مرعوبا بجد.ذكروا لي تنفيذ حكم الاعدام فيك،كيف ربطك الجنود  الى العمود الخشبي وسط الساحة الترابية.ذكروا لي كل شيء.كانوا يميتونك كل يوم، طوال سنتين كاملتين،يخرجونك من السقيفة التي يحتشد فيها المحكومون بالاعدام وهم الاف مؤلفة، لترى كيف تثقب اجسادهم النحيلة بالرصاص مئة بعد مئة وكنت تنتظر حياً ميتاً ورود اسمك ضمن المئة التالية المرشحة للموت،لكنهم فشلوا في ان تموت على ايديهم.عندما فكوا رباطك انهار جسدك النحيف على التراب مثقوبا بعدة ثقوب وهالهم انك لم تنزف قطرة واحدة من دمك رغم كثافة رصاصهم وتصويبهم المحكم.لم تكن حيا في يوم من الايام لقد قتلك الخوف منهم منذ وجدت.كانت الحياة  معهم  حمى  لا تطاق. وجد الطبيب إن موتك حدث قبل أن يطلقوا عليك رصاصهم.
وأنت ياهلال،مالك تقف صامتاً مبتسماً، شعرك مبعثر  كالاسلاك الشائكة.    ابتسامتك لامبالية لم تتغير أبداً.كيف استطعت العيش تحت تلك السقيفة كل هذه الفترة؟ كنت القاطرة البشرية التي تنفذ دخانها بغضب. لايوقفك شيء  تذرع الشوارع ليل نهار،وتسطو على كل مكتبة لتسرق منها كتابا فلسفيا.ميتتك ما كانت لتتم لولا ذلك الوغد غدر بك الذي.
ميتتك لقد روتها لي والدتك المسكينة  قالت لقد تعرفت على الضابط المسؤول الذي أراد انقاذك.قال لك حين ينادون باسمك لتنفيذ حكم الاعدام فيك اعترض على أن اسم والدتك مختلف فيضطرون لإعادته للقاضي من أجل التدقيق فيستغرق ذلك شهور عديدة وعندها يستطيع عقد صفقة مع الجندي معتمد البريد لتمزيق ملفك فلا يعثروا لك على صيغة اتهام لكن خبيثاً من العسكريين المسؤولين ناصبك العداء فهدد الضابط زميلك في إنه سيشي به للسلطة إن لم يتنازل عن محاولة انقاذك ولم يبق لك غير خيار أن تكلفه في اختيار جندي ماهر في فن التصويب في البندقية ليستهدف راسك عند أول اطلاقه وكان لك هذا،ثقب في جبهتك ابطل كل الرصاصات التي اطلقت عليك والتي لم تكن ذات جدوى بعد الرصاصة الاولى.كان جندياً ماهراً بحق اختزل لك الألم والاحتضار.:موتكم  جمع جنود يعدون بالآلاف بدعوى تغيبهم عن وحداتهم ثلاث أيام،لم تتصوروا بان الأمر جدياً.
الحرب وضعت اوزارها،،والافراح كانت تعم البلاد. خيراً  في حين كانت تتم إبادتكم خلسة.كان الامر عبثيا.
- لا تستعجلني سافتح لك فمي عليك الانتظار.
- ماذا كنت أقول؟.كانت البلاد تتطلع الى الحياة بعد ان وقعت بنود اتفاق سلام لانتهاء الحرب،الناس ترقص في الشوارع،تغني والحاكم يبتسم جذلاً، يحي الجماهير وانتم تموتون هناك بلا ذنب غير انكم تغيبتم عن المدة المسموح بها لغياب عسكري اثناء الحرب.
نعمان لقد حسدتك كثيراً وأنت تتغنى بالمعلقات السبع لتلميذاتك الجميلات كنت غزيراً في كتابة الشعر كل يوم تعرض علي قصيدة جديدة.كنت عاشقاً ومقبلاً على دنيا كنت تتمناها،لكنها الحرب ذهبت بك ولم نعد نراك ولم نقف لك على إثر.لم تكن في قوائم الاسرى والاموات،لانعلم هل طفت مع مياه نهر سافر بك بعيدا أو صرت وجبة ذذاء للضواري لا أحد يعلم رغم مرور عشرات السنين.والدتك هجرت البيت وجلست على دكة عنبر جثث الجنود القتلى متمنية أن تعثر لك على جثة ولكن دون فائدة.بقيت على تلك الحال في ملازمة المستشفيات وعنابر الأموات منذ لك الحين.المشكلة كنت تأتيها كل ليلة وترجوها أن تبحث عن جثتك فهجرت بيتها باحثة عنك.
- أظن درجة حرارته تقترب من 40 إنه يهذي
- علينا نقله فوراً للمستشفى.
كنت أتوقع لكم مستقبلاً باهراً, يامن وزعت جثثهم في الساحات.هل تعلمون
والدتي



المشاركة السابقة : المشاركة التالية