جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


مجيد الموسوي.. رثاء الذات والآخر


جاسم العايف
ولد الشاعر"مجيد الموسوي"شتاء 1945 في البصرة، وتخرج في جامعة بغداد - كلية التربية قسم اللغة العربية- 1967، وغادر عالمنا الراهن ولحظاته الساخنة المريرة صباح27 - 1 - 2018،و نشر أكثر من سبع  مجاميع شعرية، جميعها تقع ضمن شعر التفعيلة إلا ما ندر،إضافة إلى عدد كثير من القصائد التي لم يمهله الزمن لضمها إلى مجموعة شعرية خاصة،
ومن خلال جميع شعره نتلمس القصيدة - لديه - بصفتها حالة غامضة من الغياب - الحضور، الحلم - اليقظة،  التذكر - النسيان،حالة من احتدام الروح  يغدو فيها الإمساك بالبدء أو المنتهى أقرب للمستحيل. وحتى اللغة لا تكاد تلتقط من هذه الحالة إلا بعض سطوعها وشراراتها. القصيدة لديه تريد أن تقول شيئاً،أن تبوح بسر ما، برؤيا، بحلم، بشيء مدهش، شيء من السحر يؤجج الأعماق،ويشعل الروح.إنها أشواق متحدة بالأقاصي، ونشوة شاملة تتلبس الروح، ومن هنا يصبح تحديد بدء القصيدة شاقاً وعسيراً!. كيف تبدأ القصيدة إذن لدى الموسوي؟. ثمة محفزات توقظ فيه الحنين إلى عالم الغرابة والمجهول والرؤى، ترنيمة بلبل، وجه عابر،أغنية، فتاة ناحلة محبطة، كلمة في الريح، مشهد ما:
“أخيراً: أيها الوجهُ البعيد تمدَّ لي خيطاً رفيعاً / تستفزّ به الكهولةَ، أي خيط للنعاس يجيءُ! / أي شذا تبقّى، بعد/ أي ملاءة كالريح خافقةٍ سألمسها / وأغسل في مساحبها اكتظاظّ الشعرِ/ أيّ حديقةٍ أولى تفتحُ لي/ فادخل".
هكذا تتفجّر المصادفة أو المفارقة أو اللوعة الخفية، فيندفع  للقول، محاولاً الإيغال في عالم الشعر، والإمساك بشيء من لهبه ونشوته، من شذاه وغبطته وربما من جنونه وفوضاه. ولكن هل هذا التوصيف يكفي لولادة القصيدة؟. عند هذا الحد نغفل مسألة غاية في الأهمية،يذكرنا بها شاعر صيني عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، كان من سوء حظه أن يخسر موقعة عسكرية، لكنه ربح الشعر!. ذلك الشاعر الذي جعله"ماكليش"في"الشعر والتجربة"دليله لمعرفة عالم القصيدة. إنه الشاعر"لوتشي"الذي يحدد  الحواضن الموضوعية لولادة القصيدة، من خلال جملة من المسائل، يرى فيها الأساس في ولادة النص الشعري بوصفه اصواتاً وكلمات،  قبل أي شيء، فإذا أردنا أن نحدد ذلك بنقاط أوردها"لوتشي"يمكن أن ندرجها على النحو التالي: يجلس الشاعر على محور الأشياء، و يتأمل في سر الكون ويغذي عواطفه بمآثر الماضي. ثم  يتنهد لمرور الزمن،إذ يتقلب مع الفصول.ويعاني من البرودة وقلبه مفعم بالرهبة. فإذا اطمأنت روحه، رمى بالكتب بعيداً، وتناول ريشته ليعبر عن نفسه بالكلمات. هذه القضايا هي التي تضبط إيقاع الشعر، وتحدد اتجاه بوصلة الشاعر، وتولد القصائد من خلال تلاحمها في سياق متصل خاص، وإذا تأمل المتلقي هذه الآراء التي تبدو للوهلة الأولى، محض تعبيرات، فإنها تنم لوحدها عن لًمع من المعرفة، تشع من وراء الأقاصي البعيدة التي يقطعها الساعون وراء الشعر. الشعر لدى (الموسوي) ليس مجرد انتظار سلبي لانبثاق الرمز من أعماق اللاوعي، بل من قطبين هما، الإنسان - العالم، لينبثق بعد ذلك ضوء القصيدة المشع من الأشياء، التي يتأملها. أن هذا وصف خارجي لولادة القصيدة، ولكن بأي طريقة، يحدثنا"لوتشي"عنها؟. فالشاعر هو الذي"يأسر السماء  والأرض داخل قفص الشكل".إنه بكلمات أخرى  ليس ذلك المخترع للأشكال  الحرة، بل العكس إنه  يستخدم الشكل  كشبكة، يتصيّد، ويأسر التجربة جميعها ويحدد"لوتشي"ذلك بقوله:"نحن الشعراء نصارع اللاوجود لنجبرهُ على أن يمنح  وجوداً ونقرع الصمت  لتجيبنا الموسيقى، إنك كشاعر تأسر المساحات التي لا حد لها في قدم مربع من الورق". بالنسبة للموسوي القصيدة لا تولد من فراغ أو من حسن النوايا، إنها معاناة خاصة تجمع طَرفَي التأمل والشكل، أي تفريغ رؤيا الشاعر في شكل، إنها الإنسان بكل تجلياته، ومعه الأشياء جميعها لكن داخل شكل محدد.
2           
ثمة بعض المهيمنات تلقي بثقلها على ديوانه"كوابيس انكيدو"ومنها علاقات المرثي والراثي، وصوت المرثية يقع بين ثناياها،، فالراثي، غالباً ما يقصى خارجاً، ليكون المرثي هو المهيمنة، والمرثية تتحول إلى وثيقة من وثائق المرثي، كونها آخر الوثائق المتحققة من الغياب المادي للمرثي."الموسوي" استعار شخصية (انكيدو) عنواناً ومدخلاً، فالمرثي انكيدو يعادل - الموسوي- والنص - كوابيس انكيدو- هو في النهاية نص - الموسوي- وحده، و شخصيات النص رمزية وغالباً ما تستبدل. الموسوي ابدي قدرة على الذهاب نحو التماهي في رثاء ذاته من خلال رثاء الآخر ببلاغة وقدرات موهبته الشعرية:
حين انحنيت أقبل وجنتيكِ الباردتين
تلك الليلة شممت رائحة الحليب الأول،
بشفتيّ المبللتين بالدمع،
كنتِ نائمة كسراج مطفأ
ويداكِ مكبلتين بالسكون
وجسدكِ هادئاً
كسنبلة قطعت وألقيت فوق التراب
التراب الذي صار سر يدكِ.
نلاحظ أن"الموسوي"هنا ينشئ نصاً يحاول فيه تلمس محنة الميت -الشاعر ذاته - والذي ما زال حياً، و يعمد إلى افتراض نفسه في نص مفتوح الأسئلة، تهيمن عليه رؤى الغياب، وعبره يدخل ذلك العالم الغامض، وهو يتأسى على نفسه مع وصية لا تتحقق:
حين أمضي
إلى جدثي صامتاً
عارياً
غير هذي الثيابْ
اتركي في الترابْ
عند قبري
قرنفلةً
وقميصَ الصبا
إنْ أذنتِ
وبعضَ نبيذ شفيف
وهذا الكتاب.
3
في"مراثي الأزهار البرية"حاول (الموسوي) الإغفاءة قليلاً، لم يحلم بـ"كلكامش"بل تراءت أمامه"كوابيس انكيدو"، لتزيده الأسئلة إرهاقاً..الأسئلة التي لا يزال باحثو الوعي الإنساني يحفرون في طبقاته الشقية، والموسوي لا يجد من شفاء لروحه إلا بالتوجه نحو العالم الأرضي:
وأخيراً
توجهت للبحر
تجاوزت كل الصخور الأنيقة
والكتب المستريبة
والنوم
غادرت مملكة الارتخاء
وراء الزجاج الملون
غادرت منزلنا
وتوجهت للبحر.
-:اشعر إن الموت ينقر بابي.
انه يتوقع المباغتة دائماً، والموت مهيمنة واضحة في شعره، الموت ليس كمحاولة لإلغاء الذات، بل الخوف على الذات من الانقراض الأشد قسوة، والتصدي الذي يعمد إليه هو استعارات الغائبين والأمكنة النائية، وعبرها يعقد علاقة تضاد بين رقة المتخيل والواقع الفظ والذي لم يتصالح معه نهائياً. وفي استعادات (الموسوي) للغائبين في ديوان (دموع الأرض) ما يمكن أن يمنحه الشاعر من اهتمام وحنو تجاه الكثير من الأمكنة و أصدقائه ومعارفه. ثمة بريق خاص في ما نفتقده من كائنات إنسانية كانت تشاركنا حياتنا، بكل ما فيها من بهجة نادرة، وذكريات لا يمكن نسيانها، لكن (ذئب) الموت انقض عليها، لذا يكتب عن:حديقة الأب، وعبد الخالق محمود، و مهدي جبر، وعبد المنعم البارودي، و محمد طالب محمد، و رشدي العامل،و مصطفى عبد الله، و جبار صبري العطية و البريكان، ومحمود عبد الوهاب، وشقيقه حسون،وأمه،ووالده، وخاله، وجده،و الرسامة العراقية،وذلك الشاعر المجهول، ونازك الملائكة، و كزار حنتوش،الذي يصفه بـ"الأمير السومري المتسول": 
سأتنحى قليلاً
عن خطوتهِ الندية، المرتجفة
كي يمرَّ إلى مثواه
فلا يليق بالشاعر
غير
تاج الأبدية.
و صديق الصِبا والشباب الشاعر"مهدي محمد علي"، وبعد رحيله في المنفى، يخاطبه:
وقد آن لي (...)
أن أقول
وداعاً، إذن
يا أميري الجميل..!
أهذا، إذن، آخرُ المنتأى،
آخرُ الأرض، 
  آخرُ
      هذا
        الطواف
            . الطويلْ؟
أهذا،إذن،آخر الحلم:
شاهدةٌ نصفُ مائلةٍ
وترابٌ نديٌ
تسفسفهُ
الريحُ
تـأتي وتمضي..
وتأتي وتمضي..
وكفاكَ مسبلتانِ
وعيناكَ مطبقتان
ليلٌ يطوق قبركَ
ليلُ ثقيل..؟
أهذا إذن آخر العمرِ؟.
يا للزمانِ البخيلْ..!.
مراثي الموسوي للراحلين ومخاطباته للأشياء الزائلة التي يحاول الإمساك بها شعرياً،هي توجه لاشك فيه لإملاء النقص الحاصل في الوجود اليومي، ومحاولة للقبض على تلك اللحظات التي تتبدد، ومعها تتسرب الحياة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية