جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


أدباء العالم وميزوبوتاميا الأهوار


نعيم عبد مهلهل
(1) أيتاليو كالفينو في الكحلاء

كتب أيتاليو كالفينو (مدن لا مرئية) ليكتشف الغيب في ثياب المدن وليمنحَ قارئه القدرة على اكتساب الاستشراق الروحي ليتغير شكل ما نراه من مدن الى ظلال اليوتوبيا التي لا تشابهها عمارة وهندسة في مدن الأرض التي نراها في سفرنا بالقطارات والحافلات والطائرات.
ولا أدري لماذا كتاب كالفينو عاش معي تلك الألفة الساحرة مع بيئة الماء وقرى القصب وأسراب الطيور في ناحية الكحلاء، حيث أسعدتني تواريخ المكان والتجمعات السكانية التي تعيش غرابة قيامتها الارضية والمائية وهي طافية على الموج  وكأن المكان سفينة هائلة من القصب تحمل تواريخ الأنسان في هذا المكان منذ نوح وحتى بدء هجرات الصابئة المندائيين من الكحلاء الى بغداد ملتحقين بالجامعات وآخرين بدؤوا بتأسيس محلات صياغة الذهب في شارع النهر.
عشت في الكحلاء لأرى ما رأته الليدي دوورا، وما رأته رأيتهُ انا ولكني لن أكتب عنه لأن تكرار ما كتبه غيركَ يعتبر تقليداً وليس إبداعاً، أنا فقط راقبت حياة الناس في صباحات القصب حين تعكس تلك المدن الصغيرة (القرى) صورة معكوسة عن حياة لا تأبه بقدريتها مع الطوفان والريح العالية التي قد تقتلعُ بيوتهم وترميها بعيدا بأي (عجاجة صيف).
لكن صورة المندائي المضيء ببريق الذهب وصفاء روحانيات ثوبه الأبيض وهو يؤدي في الماء طقوساً عمرها الآف سنة وهي تجاور المسير الأزلي للمعيدي الذاهب والاتي من الجبيشة الى الماء تعكس تآلفا غريبا بين رجل يجدُ في دموع الإمام الذي حملوا رأسه من كربلاء الى الشام ومصر ومسبيّة عائلته أصفى من كل أمطار الشتاء الشحيح وبين الترميذا المندائي الذي حمل دموع نبيه يحيى في الصحن الذي حملوا فيه رأس نبيه المذبوح، لتشاهد في رؤى مخيلة كالفينو انتاجاً لغرائبية ولادة مدينة من روح الماء وطقوسه لتكون الكحلاء، مثل تلك المدن التي ولدت من حزن الأساطير ونذورها الحزينة في ظلم الاقبية المبنية من الآجر والقصب وأغاني الوداع للقاء ربما سيكون في دلمون.
لم تكتب الليدي دوورا شيئاً عن دلمون، برغم أن أهل الكحلاء من المندائيين كانوا في طقوس التعميد يؤسسون لحظة النظافة الروحية والجسدية التي يكونون فيها مهيئين للوصول الى منطقة الانوار حيث تسبح الروح في رغبة لتكون مع الرب المزكى في مدن الانوار وبمساعدة ملاك طيب يدعى (زيوا) وهو يقابل الملاك جبرائيل في الديانة الاسلامية.
لقد كانت تراقب الحياة في مدن الكحلاء وقلعة صالح والحلفاية من خلال اليوم المندائي لكنها لن تفرغ نفسها جيدا لدراسة المقارن الذي يعيش قربه ملاصقة المكون الآخر، المعدان وأصحاب حقول الشلب ورؤساء الاقطاعات الكبيرة من ال بومحمد والسواعد وتميم والسودان وآل زريج والبهادل وبني مالك وغيرهم.
لكني الآن وأنا ارتدي معطف إيطاليو كالفينو أصنع تجوال الدهشة بهذا التكوين المعماري الذي يتحدى العصور والإمبراطوريات وكل المحن الغابرة وحروب المراصد والدبابات.
أجمع الصور في أجفاني والكلمات في ذاكرتي والغرام في قلبي، وكأني أهيئها لمادة تحتفي ببراءة المكان وغرابته، ومن أجل استعادة تلك الفتنة التي تحدثت عنها الأساطير والابوذيات في حنجرة واحدة.!
 
(2) جاك بريفير وظل شجرة آدم
 
في الحرب، كُتب الشِعر مثل صمون الجيش، وحدهُ من يُشبعْ البطن، وحين تكون أمكنة المحنة التي يعيشها قلقي على حياتي، أتمنى أن تكون جبهات الأهوار هي نافذة الولوج الى السماء حيث هتاف دلمون يكون قريبا الى متعة السياحة هناك في أمكنة الآلهة وعازفات القيثارات، وربما هو أرحم لكَ من ذلك الموت الذي يأتيكَ في الليل الثلجي متربصاً بنقطة حراستكَ من فتحة الربيئة لينال رأسكَ برصاصة قناص، فيكون وصولكَ الى دلمون صعباً.
أتخيلْ أشهر الربيع في أهوار مجنون التي تنطلق منها من مدينة (المْدَينة) حيث تأسركَ في كل مرة ساعة استراحة تقضيها تحت ظل شجرة آدم بعد طريق طويل بين الناصرية ومجنون مرورا بقضاء الجبايش والهوير ثم (المْدَينة) ومنها تنتظركَ قافلة الفوج لتنقل الملتحقين الى حقول مجنون هناك حيث يشتبكُ القصب بأعناق المدافع ويختبئ في ملجئكَ الطيني وعلى غير عادة الجنود الذين يحملون التمائم وكتاب(مفاتيح الجنان)، فيما تحمل  أنت وجهَ امكَ الممتلئ بأدعية الشفاعة لأهل البيت وكتابا لقصائد الفرنسي جاك بريفير الذي تفرحكَ فيه قصيدته الساحرة :
((الكل يموت...الحمار والملك وأنا.
الحمار من الجوع، والملك من السأم، وأنا من الحب))
تقع الشجرة في مكان غير بعيد عن ملتقى الرافدين، وليس بعيد عن مساحات غابات القصب والاهوار التي تمتد بمساحات من الاخضر والسماء حتى مدينة الاهواز، ويقال أنَ تاريخها يرتبط بالصلاة الأولى لإبراهيم(ع) وقوله :”ستنبت في هذه البقعة شجرة كشجرة آدم في جنة عدن".
وبالرغم من أنها غادرتها الأوراق لكونها شجرة هرمة إلا أنها مزارٌ يوميٌّ لمختلف الطوائف العراقية حيث كان يزورها المسلمون واليهود والنصارى على حد سواء، واليوم لا يزورها سوى الجنود والنساء اللائي يجِئْنَ الى الشجرة برايات بيضاء وأصابع محناة طلباً للشفاعة من الشجرة المباركة لتحفظ ابناءهن من الحرب.
هنا كان لي متعة قراءة بريفير في استراحة الطريق، حيث تمتعني الذائقة الشعبية لشاعر باريس بأمنيات أن ارى المدينة واحصل بفضل شفاعة الشجرة وموسيقى قصائده على مزيجٍ من الحنين الى المكان الفرنسي وعالمه الاسطوري وبين هواجس القلق الكبير الذي يحمله الدان الايراني القادم من عمق أهوار الاهواز ليعالج سرايانا الممتدة من مجنون الى الدير شمالا وناحية العزير جنوبا.
وهكذا يكون عسيراً أن تصنع تجانساً بين رائحة السدر القادمة من تواريخ الشجرة، وبين عطر السانت لوران الذي يضعه بريفير قبل طقس كتابة القصيدة في شقته الصغيرة وهو يكتب بذائقة البحث عن الاشياء الاليفة الذاهبة الى جمال زنجية تستعرض فتنتها الطوطمية على رصيف الشانزليزيه فيما دخان غليون الشاعر يدون المشهد بشهيته المرحة.
أما أنا فعطري تراب الخنادق الشقية ورائحة السمك النافق على مياه الأهوار نتيجة دوي القنابل الساقطة في الماء ليكون ليلنا مزعجا من الروائح الكريهة لتعفن السمك.
وأختلق في الصباح الف عذر لأحصل على اذن بالنزول الى القرنة لنهار واحد واصطحب معي كتاب بريفير وحلم الوصول الى باريس.
وهناك تحت شجرة آدم استريح بخواطري عندما اغلق الكتاب الشعري لصديقي الفرنسي وأباشر بكتابة مقالة عنوانها : تُرى هل أرى باريس؟

(3) غراميات سارتر ودي بوفوار

لا يعرف شغاتي ماذا يقرأ بعد أن تجاوز محنة (راشد يزرع..زينب تحصد) وصار يعرف جيداً أن الورقة الأولى من حكايات رحلة السندباد لابد أن تنتهي برجوعه إلى البصرة وقضاء بقية حياته فيها.
ولكنه مع السنين الخمسَ عشرةَ التي قضيتها معلماً في المدرسة مع شغاتي عامل خدمة ويتناوب الحراسة مع زميله (ريكان) تطور ذهنه لينقل من متعة رحلات السندباد الى قراءة غوركي ومحفوظ وفرمان وسارتر، وأظن أنه كان ينتبه جيدا الى نقاشاتنا حول ما كانت كتب سارتر تؤثر فينا عبر موجة الوجودية وثقافتها. لكنه كان يعلق : إن الوجود هو أن يكون الله راضياً عنا ونحن نداري نساءنا في ليل الحنين وصمت الماء والطير والقصب. وجودي هو أني أتنفس وأرى جاموساتي بخير، وأشعر بالراحة حين لا يأتي امر اداري من تربية الناصرية ينقل معلما من مدرستنا الى مدرسة أخرى.
قلت : أذن سارتر لن ينفعك لا تقرأه، عد الى السندباد فهو رحل الى كل العالم بخياله من خلال شختورة ربما اشتراها من أحد  اجدادك.
إبتسم وقال : سأقرؤه حتى اتمتع بشهيته العلنية لفتاته سيمون دي بوفوار.
قلت : وتتخيل الأمر بين سارتر وبوفوار، هذا ما لم يفعله اي رجل مثلك من أهل الأهوار.؟!
ــ يا أستاذ، أجدادنا تخيلوا الجنة وجعلوا هذا المكان شبيها لها، فلماذا لا أتخيل ما يحدث في الليل بين سارتر وزوجته.
قلت :يا رجل أنكَ تمتعنا، خذ بخيالك اليهما وأجلبهما من شقتهما الباريسية الى صريفة بيتكَ.
قال :كلا. سأدعهما هناك فربما جبيشة القصب ستؤلم ظهر بوفار فلا تحسن التأوه.
صحت : وتعرف التأوه أيضا.
قال ممازحا : وعلمت موسيقاه لأم مكسيم.
لا أعرف أن كان هذا الكلام يصدقه أحد حين أستعيده من خلال ذكريات أمام صديق، ولكني تحدثت به الى أكثر من صديق في أزمنة المنفى، فلم يصدقه أحد، ويقولون : أنتَ آتٍ من مكان يصنع الأساطير، وشغاتي هذا أسطورة من أساطير خيالك وذلك المكان وليس له وجود.
أقسم لهم بكل الأئمة والقديسين ومتصوفة الطرائق والعلوية (فواده ام هاشم) التي يقدسها بحب وخشوع جميع المعدان في هذا العالم.أن شغاتي ليس أسطورة وقد عاش معي خمس عشرة سنة في القرية التي كانت مدرستي فيها.
وحين يسألون عن صورته.أريهم صورة ملونة لشغاتي التقطتها له قرب حقل التوليب وشجرة الكرز امام بيته وهو يمسك كتاب الوجود والعدم، فيرد أحدهم ضاحكا :
تلك الصورة ليست في الاهوار إنما هي أمام المتحف الطبيعي في امستردام أو طوكيو فأنا لن أصدق ابدا أن هذه الاشياء الأربع سارتر وشجرة ورد الكرز ورواية سارتر وزهرة التوليب يجتمعون أمام بيت في الأهوار. المتاحف فقط من تجمع تلك المعجزات.
ضحكت وانا الآن في الصباح الباريسي أتذكر السومري الطيب شغاتي أمام الشقة التي أقامت فيها سيمون دي بوفوار والتي  تطل على المقبرة التي دفن فيها سارتر لتكون وصيتها بأن تدفن في المقبرة نفسها التي دفن فيها.

(4) سالنجر الحارس في حقل الأحزان

عدت من سفري الطويل في مدن غربتي، وكجزء من الوفاء للأمكنة التي صنعت أحلامي الأولى كان عليَّ أن أزور مدرستي التي عملت فيها معلما في قرية نائية من قرى الأهوار في مدينة الجبايش، فقط لأستذكر تلك الوجوه الطيبة التي عشت معها، أهل القرية وتلاميذها الذين اصبحوا رجالاً الان، ولأزور بيت الأبن الوحيد لصديقي عامل الخدمة الطيب شغاتي الذي علمته القراءة والكتابة وجعلته الوحيد من بين معدان الارض من يفهم حسَ ومعنى موسيقى أوبرا الهولندي الطائر، وربما هو الوحيد من بين بيوت معدان الأرض من علق صورة موناليزا دافنشي الى جانب صورة موناليزا المعدان، تلك الفتاة الجميلة التي تحدث عن اصلها الكثير من الاساطير،وفي النهاية حسمت قناعات شغاتي الأمر وقال :هذا الوجه لم تألفه وجوه بائعات القيمر المعدان،وهي ليست منا.
تجولت في أرجاء المدرسة التي غادرت سني القصب وتم بناؤها من البلوك ولكن بشكل بائس، ولم يتبقَّ شيءٌ من ملامحها سوى الباحة وسارية العلم وغابات القصب التي تمتد أمامها في فرح جديد بعد أن جُفِّفَ الهور وتصحر المكان وهاجر جميع اهل القرية الى منطقة الحر في كربلاء وبعضهم الى كمالية بغداد،لكنهم عادوا اليوم مع عودة الماء. وبعد الجولة وترحيب المعلمين الذين عرفوني من خلال القيد العام أردت أن أرى مكتبة المدرسة الصغيرة، فعرفت أن جميع الكتب التي تحمل اسمي قد اودعت عند شغاتي حسب ما تمنيته من المدير وقت قراري بمغادرة البلاد، كتاب واحد ظل في المكتبة أعادهُ المدير الجديد اليَّ وهو رواية الحارس في حقل الشوفان للروائي الأمريكي جيروم ديفيد سالينجز التي صدرت في العام 1951 لكن الشيوعيين العراقيين طبعوها أيام الجبهة الوطنية ليشعروا كوادرهم بتحلل القيم في المجتمع الغربي والإمبريالي. 
ولا أدري لماذا لم يأخذ شغاتي هذه الرواية مع بقية كتبي التي وجدتها بأمان لدى ولده (مكسيم)، الذي سماه بهذا الاسم لحزن يراه مرسوما في وجه غوركي وهو يدافع عن الفقراء السوفييت، حزن كان يشغله حين ولد الابن بعد أن غرقت اختٌ له،فلم يعد له من يتسلى معه في طفولة صناعة دمى الطين، فأسماه بهذا الحزن الذي يعني بالدارجة الجنوبية (البائس وقليل الحظ).ويوم أردته أن يقرأ هذه الرواية، قال : أنا الحارس في حقل الاحزان، فلا أريد أن اقرأ الحارس في حقل الشوفان.
وربما بسبب احساسه هذا رفض شغاتي جلب الرواية الى بيته، وهي ايضا تتحدث عن خيبات صبي في المجتمع والمدرسة، ولكني عرفت أنه كان يتفقدها بين كتب مكتبة المدرسة الصغيرة بين الحين والأخر، ولأن (مكسيم)  خلف أباه في العمل بالمدرسة فقد توارث تفقد الرواية عن أبيه، وعندما زرته وبيدي الرواية ضحك وقال :الآن تخلصت من حمل واحدة من وصايا أبي.
قلت: وحقل التوليب الذي لم يعد له وجود، هل هي وصية تخلصت منها.
قال :كلا.انت تعرف أن التوليب يحتاج الى عناية وانا انشغلت بالعناية به في مرضه الطويل فذبل الورد ومعه ذبلت حياة ابي.
أبي الحارس في حقل الاحزان وليس حقل الشوفان..........!



المشاركة السابقة : المشاركة التالية