جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » قضايا


ما يثيره يوسف الخال من تداعيات


صلاح نيازي
خاض يوسف الخال في ميادين فكرية عديدة، وكان حريصاً ـ فيما يبدو ـ على أن يجلّي في كل منها: الشعر، التنظير الأدبي، المسرح، الترجمة، وأصدر مجلة «شعر»،  طموحات كهذه لا يعتامها إلا شعراء قلائل في العالم، تيسرت لهم الموهبة، والعدة الثقافية، وأهم من هذه وتلك، تشوف البيئة الى مخاض جديد، كما حدث بانكلترا في الربع الأول من القرن الماضي.
ترى، هل ترك يوسف الخال بصمة شخصية حقيقية في كل تلك المجالات؟ وهل كانت بيئة الخمسينيات مؤاتية لاستيلاد أنماط أدبية، تعطف التفكير، وأسلوبه ونهج المعالجة والطرح؟
كانت بيروت الخمسينيات، مدينة شابة موهوبة وواعدة. فتحت ذراعيها لاحتضان البحر والتيارات الجديدة والمنفيين. وهي بهذا المعنى، أضفت على فنانيها، ومجلاتها، أهمية اضافية على العكس من القاهرة مثلاً، إذ ربما كانت تدين الى فنانيها بالأهمية والشهرة والريادة، كما دانت  شهرة  تونس لأبي القاسم الشابي.
مهما يكن من أمر، فان القاهرة ـ رغم أهميتها السياسية في الخمسينيات ـ باتت تشيخ ثقافياً وتتجعد، وأخذت حركتها تبطئ، وفتر إيقاعها، كبدين يلهث في أرض ملغومة. هكذا أفلت من يدها زمام المبادرة التي عرفت به، وخصوصاً بعد الموقف النافر الذي اتخذته بعض مؤسساتها الثقافية المحجّبة من الشعر الحديث باعتباره دخيلاً طارئاً ومدسوساً.
من ناحية ثانية، كان الشباب الناهض في العالم العربي، قد ضاق ذرعاً ـ بعد نكبة فلسطين ـ بعنتريات الشعر الكلاسيكي ومفرقعاته النارية المجللة بالزينة البلاغية والخالية من الاحتراق الحقيقي.
أضف الى ذلك، إن الغرب ارتأى أن تكون بيروت منطلقاً لستراتيجيته، ومستنبتاً لمصالحه.
كذا إذن، لم تتبوأ بيروت مكانتها اعتباطاً، فاقتنصت فرصتها، ودشنت دورها الجديد، بصدق وكذب، بوعي وجهل، بأصالة وزيف، ولكنها في كل ذلك تميزت بالحيوية والمعاهد الثقافية والمزادات والمطابع والمصارف، والبؤر السرية.
كانت بيروت باختصار مدينة تجريبية، مدينة تنفيسية، مدينة تنافسية، مدينة سياحية، مدينة تبشيرية، فهل انعكست هذه الصفات على مجمل الحركة الثقافية فيها؟ خصوصاً وإن اقتصادها لم يعتمد على صناعة محلية متطورة ودقيقة؟ وهل أثر هذا الاقتصاد المنفلت ـ أن صح التعبير ـ في بناء العمل الأدبي، والخبخبة والاسهاب في التعبير؟ على أية حال، جرب يوسف الخال نشاطاته الفكرية، ضمن تلك البيئة اللاّمتوازنة، اللامتضامنة، فهل كان طرفاً فيها، أم صدى لها، أم احتجاجاً عليها؟
بادئ ذي بدء، لم يكن يوسف الخال شاعراً جماهيرياً ذا حس اجتماعي، ومهموماً بالآنية، إنما سعى الى أن يكون شاعر شعراء من ناحية، وأن يتشبه بالشعر الانكليزي، من ناحية ثانية. وهنا موطن قوته وضعفه في آن واحد، ولكن ما هي مقومات القصيدة الانكليزية التي أراد أن يحذو حذوها؟
عموماً، يمكن القول إن الشعر الانكليزي (باستثناء النوع الغنائي)، صعب مُنهِك، ومزلق خطير، لأنه ـ ظاهرياً ـ بسيط الكلمة والعبارة، يظن معهما القارئ غير المحترف بأنه لا يحتاج ـ إن احتاج فعلاً ـ الى أكثر من قاموس في اللغة والميثولوجيا لفهمه، وخصوصاً إذا كان القارئ من النوع الذي تعود على الاستعانة في حل مغاليق الشعر ـ قل الجاهلي مثلاً ـ بمسرد للكلمات الحوشية، والقبائل والأماكن التاريخية والجبال. صعوبة القصيدة الانلكيزية يرجع ـ ربما بالدرجة الأولى ـ الى كثرة الروافد والقنوات الثقافية التي تصب في النص الواحد فهي ـ من هذا الجانب ـ محصلة بين القصيدة وقصيدة سواها، بين القصيدة وشخصية مسرحية، بين القصيدة ولوحة رسم، بين القصيدة وعمارة أو موسيقى أو رواية أو خطبة دينية. القصيدة الانكليزية ـ بكلمات أخرى ـ مجمع ثقافي، وهي الى ذلك أشبه بالشجرة لا تقاس بظاهرها، وإنما بجذورها الضاربة في شتى الطبقات. هذه الميزة ـ بغض النظر عن جودتها أو رداءتها ـ تخلو منها القصيدة العربية القديمة اجمالاً، حيث ظلت مكتفية بذاتها، Self-Contained وممتلئة بوجدانياتها الخاصة بها. مثلاً يمكن قراءة قصيدة المتنبي «واحرَّ قلباه ممَنْ قلبُه شَبِمُ» كقراءة صورة فوتوغرافية تماماً، دون النظر الى ما قبلها من تراث أدبي، قد يكون له مؤثرات فاعلة باطنة. بالمقارنة، لا يتمكن القارئ من الالمام بأبعاد قصيدة Musee des beaux arts لأودن، ما لم ير لوحة «سقوط ايكاروس”لبروغل Bruegel (وهو الموضوع الميثولوجي الوحيد الذي رسمه)، أما من حيث البناء، فعلى القارئ أن يكون على اطلاع بفن كتابة السونيت والسستت Sestet، وعلى دراية بالرسم حتى يتمكن من التمتع بأسلوب وشكل الأبيات الثمانية الأخيرة، المحكمة الإيقاع.
أراد يوسف الخال لقصيدته، شيئاً شبيهاً بالقصيدة الانكليزية يرسو على قاعدة ثقافية، فهل واتاه الحظ؟ ربما لا. وربما يعزو بعضهم هذه الكبوة الى افتقار يوسف الخال الى موهبة شعرية حقيقية، أو أنه لم يحسن استغلالها، أو انه بددها بضيق أفق الموضوعات التي تناولها.
الأفضل أن نقرأ بعض ما كتبه المرحوم يوسف الخال نفسه. سئل مرّة في عام 1971،
ـ اننا إذا قرأنا شعرك اليوم بعدما يزيد عن 15 سنة على تأسيس مجلة شعر نجد إنك ما زلت في ذلك المناخ الذي تجاوزته الحداثة؟
ـ «... نشأت ومارست الشعر مدة طويلة ضمن معطيات المفهوم الشعري الذي كان سائداً قبل الحرب العالمية الثانية... وهذه ظاهرة واضحة لدى كل الشعراء الذين نشأوا مثلي في المناخ الشعري السائد قبيل الحركة الحديثة مثل السياب، ونزار قباني، وأدونيس».
وقال يوسف الخال في مكان آخر من المقابلة نفسها: «... بعد حين تبين أن ما فعلناه ليس كافياً، وإننا ما زلنا في الخطابية والتقريرية والغنائية والسجعية والموزونة. وهنا دخل ما سمي بقصيدة النثر تجوزاً. فقصيدة النثر، كما نشأت في الشعر الفرنسي منذ لوتريامون هي غيرها في هذه المحاولة الجديدة في الشعر العربي، حتى ليمكن ربطها الى حد ما، بتجارب جبران، أو أمين الريحاني فيما دعوه بالشعر المنثور... ثم تبيّن أن هذا الأسلوب نفسه، المتحرر من جميع القواعد التقليدية، ما يزال يعاني، قليلاً أو كثيراً من الخطابية والبيانية والبعد عن كلام الناس. وما إن جاءت 1965 حتى بدأت الحركة الحديثة تدور في دوامة أسرعت كثيراً في استهلاك جدتها، ووقعت عند كثير من الشعراء غير الموهوبين في رتابة أتعس بكثير من رتابة الشعر التقليدية.
عندئذ فقدنا كل حماسة تجاه أنفسنا وتجاه شعراء الجيل الناشئ الذين كانوا ينسجون على منوالنا».
* * *
لنترك كل ذلك جانباً. ولكن يبدو أن فشله نجم عن جملة أسباب، منها: إنه حصر ثقافة القصيدة، بإشارات دينية، ولم يشحنها بتفسيرات معاصرة، أو لم يستعملها كخلفية، تعطي للحدث، كثافة رؤيوية، وإيقاعاً مثقلاً بالغموض والهاجس والحدس، وهذا ما يعتمد عليه الشعر الديني أساساً، كما فعل تي. أس. اليوت في «رحلة المجوس».
من أسباب فشله أيضاً، عدم تخمره بالتراث الذي كان يكتب بلغته، حتى وان استصغره أو استزهده. حقاً، إن الشعراء العظام، هم لغويون عظام (اللغة هنا ليست بمعنى القواعد النحوية والصرفية، ولكن بمعنى الوعي بها كتشكيل وتكوين وامكانيات)، وهؤلاء هم القادرون على ايجاد توليفات اسلوبية مقنعة، ومبتكرة في آن واحد. من الجدير بالذكر، ان الأديب العربي ـ القديم خصوصاً ـ لم يتعامل مع النصوص التي سبقته، أو المعاصرة له، كمادة يمكن الانتفاع منها أو تطويرها في نص جديد. ربما لم يشذ عن هذا، الا محمد بن دانيال الموصلي حين أفاد من المقامات، في ما كتبه من مسرحيات خيال الظل. لكن بدلاً من ذلك، شاعت في الشعر العربي، الاشارات والايماءات والتضمينات والتخميسات، كلقط متحفية زهيدة النبض والدم والتواشج وهي لا تعدو أن تكون تذكيراً، عسى أن تنفع الذكرى.
انتقلت هذه الطريقة في الاستشهاد الترصيعي، حتى الى الشعر الحديث، فظهرت بتكلف وافتعال ـ كالحَمل الكاذب ـ في قصائد السياب التي استخدم فيها الميثولوجيا الاغريقية، كما ظهرت بسذاجة واستخفاف بالقارئ، في بعض ما ضمنه بعض شيوخ الشعر الحديث بالعراق من عناوين كتب ومسرحيات وأسماء مؤلفين، ومدن وشوارع، وإشارات الى لوحات رسم، وكأنهم يدللون على سعة اطلاع وعالمية!
كان المتوقع أن تقوم مجلة شعر ـ بصفتها الريادية وانفتاح البيئة ـ بفضح هذه الزيوف، وذلك باجراء دراسات جادة مقارنة للشعر الأجنبي وكيفية ترجمته، ثم كيفية قراءته واستيعابه، وما الموضوعات التي عالجها، وكيف عالجها. لم تبحث مجلة «شعر» مثلاً مفهوم الزمان في القصيدة الحديثة، الذي ظنه بعض شيوخ الشعر الحديث إنه الساعة ودقاتها وما اليهما، والمراهقة الثانية والشيخوخة وما اليهما، كما لم تبحث مفهوم المكان الممسرح في القصيدة الحديثة، الذي تصوره بعض شيوخ الشعر الحديث انه العنوان البريدي أو الفندق أو الطابق الثالث أو الرابع أو السابع في عمارة. ولم تبحث مفهوم الابعاد في القصيدة الحديثة، فظلت القصيدة العربية ببعد واحد الا قليلاً، ولم تبحث مفهوم الصمت في الفن، كيف وظفه الفنان، كعامل أساس في القول والحوار وتوسيع الزمن، وهكذا ظلت القصيدة العربية الحديثة متخمة بتراكمات ضوضائية كعشرة أفواه تتكلم مرة واحدة. ثم ان مجلة شعر، لم تبحث مفهوم التاريخ في القصيدة قديماً وحديثاً، وكيفية إحيائه شعرياً، كما يحيى مسرحياً وروائياً، ولا كيف يكون تظليلاً وعمقاً لموضوع البحث، كما فعل متلون، حينما جعل المسيح يتحدث عن نفسه:
«حينما كنت ما أزال طفلاً، ما من
لَعِب صبياني سرّني.
كان ذهني حريصاً على
التعلم والمعرفة. وعلى عمل ما قد يكون
في الصالح العام. اعتقدت
انني وُلدت لهذا الغرض، وُلدت لأرفع
كلّ الحقيقة.
وكل الأشياء القويمة»
يعتقد بعض النقاد أن متلون، انما يتحدث هنا عن طفولته هو، فإذا صح ذلك يكون الشاعر قد أضفى تظليلاً دينياً من جهة (وهذه طريقة متلون حتى لو كتب بالسياسة)، كما جعل المسيح كل طفل جاد وواع ومسؤول، من جهة ثانية. وبذا كثّره وعدّده، جعله شيئاً ممكناً. ربما لم يلتفت يوسف الخال، ولا كتابه في مجل «شعر» الى أهمية البعد الثاني في القصيدة الموضوعية، ربما لهذا السبب، لم يجدوا مدعاة معقولة لدراسته دراسة مقارنة مع الشعر الأجنبي.
مما قد يجمل ذكره، أن القصيدة العربية، وأن استلهمت الوقائع التاريخية، إلا أنها لم تجعل مخلوقاً حيّاً ومعاصراً. كانت تشير اليه، ولا تنفذ في تضاعيفه، تستشهد به، ولا تنفخ فيه روحاً جديدة، ما خلا أحمد شوقي،  فربما هو أوّل من وظّف التاريخ، توظيفاً حضارياً، فازداد رنين القصيدة وكثفت نوعيته،  كما في قصيدة النيل  وهي قصيدة أمُّ لوحدها، إنها منشأة فنية ذات قمم مدوّخة. سنتناول بعض مفاجآتها الموسيقية في مقالة لاحقة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية