جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


النحت العراقي .. تجارب مبكرة ضائعة


علي النجار
حينما تنحدر من جسر الجمهورية في بغداد باتجاه ساحة الحرية، وأنت على مرتفع الجسر تواجهك لافتة كونكريتية واسعة ممتدة، فارغة إلا من نحت برونزي لشخصية غريبة مشتبكة وقضبان سجن سائبة(المرأة حاملة المشعل)، احتلت مكانها وسط مساحة النصب لحوالي عام أو أكثر بقليل. ولغرابة هذه المنحوتة وضآلة حجمها بالنسبة لليافطة الكونكريتية،
فقد جرى الاستهزاء بها من قبل عامة الناس بنعوت لا تمت لمضمونها بشيء. كان مفتتح الستينيات إجتماعيا لا يتوفر على العين الفنية الفاحصة أو المتذوقة للأعمال الفنية. لكنه بنسبة ما متقبل لأنصاب الملك فيصل الأول والقائد البريطاني مود وتمثال رئيس الوزراء المنتحر عبد المحسن السعدون. تماثيل واقعية تشير الى شخوصها وتواريخهم المعروفة، ما عدى أنصاب(أصنام) المتحف العراقي. لكن ما مثبت وسط هذه اللافتة الكونكريتية الواسعة، بالرغم من ضآلته النسبيىة، فإنه لا يشير الى ما يشبه من وجهة النظر المجتمعية الأنصاب الثلاثة التي ذكرتها.
      غادرنا جواد سليم وعينه لم تكتحل برؤية تماثيله(مشخصاته) تأخذ مكانها وسط أوسع وأشهر ساحات بغداد، ولتنفتح شاشة العرض الدائمية هذه بأشكالها البرونزية الآدمية والحيوانية مشهدا سرعان ما أصبح معلما مألوفا للفرجة والتذكار والتأويل. لم يقتصر الأمر على العامة من الناس، بل تعداه للتأثير على مجمل منجز التشكيل العراقي النصبي اللاحق. وما بين تمثال السعدون المتبقي من الحقبة السابقة وتماثيل نصب الحرية بقي النحت العراقي النصبي يتراوح ما بينهما، أنصاب للأم(خالد الرحال) ووريثه محمد غني. تماثيل الواسطي وأبو نؤاس والرصافي والمتنبي، وتماثيل الرئيس والعسكر والعسكراتارية. ولم نشهد أية محاولة للخروج على النمط الواقعي السائد الى بحدود قليلة.د، مثل محاولة ميران السعدي في ساحة النسور، أو محاولته لعنتر بن شداد ومحنته في انتقاله من الأعظمية الى منتزه الزوراء، وهو التجريب الأول في الخروج على النمط السائد.
    بقي المثل والتمثل بالتشابيه أو الشبه بالجسد البشري محافظاً على موقعه في النحت العراقي النصبي وأمثولته حاضرة وجاهزة للأجيال النحتية المتتابعة. لا، بل بقي الولع النصبي عند النحاتين العراقيين هو منتهى الأرب، والحلم المستحب والأمثلة جاهزة بدون تعب. وتبقى مغامرة الخروج على المألوف محفوفة بالمخاطر إلا بحدود ضيقة، هي الأخرى غالبا ما تكون مشتقة أو مرتبطة عضوياً بالتمثيل الجسدي أو بعض من أطرافه، ما دام القرار أولاً وأخيراً بيد السلطة السياسية الحاكمة وأيديولوجيتها. وبذلك تم التجاوز على الندرة من تجارب الخروج على المألوف في نهاية الستينيات أو بداية السبعينيات، كما في العمل النحتي المعدني التركيبي للنحات عيدان الشيخلي الذي نصب في ساحة باب المعظم، أو النافورة الدوارة للنحات محمد الحسني في بداية منتزه أبو نؤاس والتي تم إهمالها حتى زمن إزالتها، مثلما أزيلت منحوتة الشيخلي هي الأخرى. فهل كانت الساحة الفنية خالية من التجارب النحتية الحديثة، أم كان ثمة عوامل إعاقة وكبح للتجريب، أم عدم خبرة في التجريب، أم جهل في توظيفه مكانيا. ليقتصر الأمر على ما هو عليه.
  بالتأكيد لم تخل أعمال بعض النحاتين العراقيين من ولع التجريب، كما تجريديات النحات عبد الرحيم الوكيل المجسمة بمواد مختلفة، حجر أو برونز. لكنها أيضاً أعمال أنبنت على الجسد وسطوة عوامل الطبيعة، كما استاذه الإنكليزي هنري مور. لا من خارج منطقة سطوة الجسد بشكل عام، رغم كل محاولاته للانعتاق من ضوابط كتلته. ونحن نعلم أن من ضمن اشتغالات النحت الحديث تفعيل مبدأ علاقات المواد المختلفة والتأكيد على الفراغ عامل صياغة مضاعفة. كما الاشتغال على المهمل والجاهز من المواد المستهلكة والصناعية. أنا هنا أتكلم عن الحداثة وليس عما بعدها التي لم تجد لها طريقاً في المنجز النحتي العراقي. ما دام النحت ما يزال يتشكل ضمن ذائقة اجتماعية بعيدة كل البعد عن الزمن الما بعد الحداثي، إلا في الحدود الدنيا.
يذكرني مثل الراحل عبد الرحيم الوكيل بالنحات طالب مكي. فان استطاع الوكيل من تنفيذ بعض الأنصاب هنا أو هناك على قلتها. إلا أن الفرصة لم تتح لطالب مكي. بالرغم من اعتقادي بأنه الأقرب الى الوكيل في صياغة الجسد في بعض أعماله النحتية التي بقيت مصغرات تنتظر من ينقذها من محنتها، رغم اختلاف الصياغات بينهما. طالب هو الآخر اشتغل على الجسد باختزالية واضحة وبحس معماري واضح، وهو الذي تأثر مبكرا بالمدرسة التكعيبية، فالقناع لديه وكوجه بشري، ينفتح أمامنا جدرانا معمارية فاغرة فوهاتها(عيونها) بحس يجمع ما بين البدائي الأوقيانوسي والحداثة المعمارية(التسطيح) وتأثيرات صياغة السطوح الخشنة. بمثل ما تتشكل كأنصاب معدنية مهيبة، هي أيضا من الممكن أن تكون نافورة معمارية تحتل مكانها ضمن محيط فضاءات المدينة المعمارية المناسبة. وكما خيوله هي الأخرى التي  تحمل نفس الخاصية. بعيداً عن ذلك، وفيما يخص هذا الفنان، ربما تثار أسئلة أحياناً عن عدم تكليف طالب مكي بتنفيذ نصب لشخصية ما، كما العديد من الأنصاب التي أخذت مكانها في بغداد وغيرها من المدن، وهو المعروف بإمكانيته الأكاديمية في هذا المجال. أنا لا أفضل ذلك حتى ولو حدث. بل ما أفضله وكمتابع للحركة التشكيلية، ما دام بإمكان الكثير من النحاتين العراقيين فعل ذلك، بل حتى الرسامين أحياناً، كما حدث لتماثيل العسكر في جانب شط العرب زمن الحرب العراقية الإيرانية، ومن ابتذال حتى العمل الفني. بل أفضل لطالب أن يصنع لنا أعماله(اجتهاداته الخاصة) المغايرة للمألوف. كما في بعض نماذج العمارة البغدادية الحديثة. اليس النحت والعمارة صنوان، وهل هو أمر صائب أن يبقى النحت متخلفا عن الاكتشافات المعمارية المتلاحقة.
  كم يحزنني وأنا أرى بعض مما تبقى من منحوتات صالح القرغولي مركونة هنا وهناك. بدون الفهم الكامل لوظيفتها. هذا النحات العراقي المجدد، والأجرأ بين النحاتين العراقيين. اليس هو أول من استبدل أعضاء الجسد بالصفائح المعدنية والتروس المسننة واللوالب وحتى عظام الحيوانات. مثلما نفذ كل عمل من أعماله بمواد أولية مبتكرة مختلفة تتلاءم ووظيفتها التعبيرية شكلا ومغزى(خيم اللاجئين مثلا). منحوتاته أيضا من الممكن أن تكون أنصابا. لكن ولاختلافات موادها الأولية المصنعة منها والتي بعضها عضوية، فاعتقد بأن بعضها من الممكن أن يصلح للفضاءات العامة، وبعضها الآخر لأمكنة داخلية خاصة، كفضاءات المنشآت المعمارية الداخلية. لكن ولإمكانية التقنية المعملية الحديثة، فبالإمكان أعادة صياغتها بمواد مقاومة أخرى وبنفس ملونة وحساسية موادها الأصلية، كما في أمثلة لأنصاب مدن أوروبا عديدة.  هذا الفنان الذي كان مهوسا بالتجديد تكنيكا ومادة وبيئة. أعتقد لم تذهب تجربته أدراج الرياح، ونحن نرى الآن أن العديد من النحاتين الجدد يحاولون استلهام درسها التجميعي والإنشائي.
  بعيداً عن الجسد البشري وأعمال البيئة، لا يمكن إغفال تجربة الفنان د. أياد الحسيني الحروفية المعمارية، وأنا استحضر نماذجه أو محاولاته التجسيمية التي عرضها في تسعينيات القرن الماضي، إن لم تخني الذاكرة. تجربة هي بالتأكيد خارج المألوف، وكان من الممكن أن توظف كعنصر من عناصر العمارة الحديثة.
  النحت العراقي بشكل عام نحت أشكال(أجساد) وهي اسطورته الموروثة من أزمنة المنحوتات الأولى. بالوقت الذي تتشكل المنحوتات الجديدة على العلاقة المتبادلة المتناغمة بين موادها الأولية المختلفة وأحيانا لحد الغرابة، كما المنحوتات العضوية(النباتات مثلا) أو الصوتية والحركية وبقية التجارب النحتية المعاصرة التي تعتمد على البرمجة وغرابة المواد والإخراج. هي إذاً منحوتات لفضاء محيط يستوعبها ويحتفي بها، كما في بعض فضاءات العواصم والمدن المهمة المتطورة معمارياً في العالم ومختبرات التجارب التشكيلية المعملية. هذا لا يمنع من الانتباه الى هكذا أعمال، والاشتغال على متقاربات بحدود الإمكانيات المتوفرة.
      في العراق وعلى مستوى الاشتغالات المسندية، حقق العديد من الفنانين رسوما بتقنيات حديثة مختلفة متجاوزين زملائهم النحاتين. بالتأكيد هناك فروقات وصعوبات في توفر المواد النحتية المتعددة المصادر وحتى أدوات التنفيذ. لكن إن نظرنا لمعلقات النحات الأمريكي (كالدر). فانا أرى بأن أي نحات عراقي من الممكن ان ينفذ أعمالاً مشابهة لها. لكني لا أدعو للاستنساخ بقدر إيراد الأمثلة. (كالدر) الذي بدأها في سيركه المصغر انتهاءً بألعابه وحتى هياكله الثقيلة محققا أحلامه التي كانت يوما ما مستحيلة. هل بالإمكان الاستفادة من تجربته. وأنا أشاهد أعمال مجموعة أزاميل النحتية(مثلا) في بغداد، أعتقد بأن دروس عيدان الشيخلي ومحمد الحسني وصالح القرغولي وطالب مكي لم تذهب هباء. مع ذلك فأنا أعتقد بأن مساحة التجريب النحتي لا زالت تنتظر المزيد من جهد الاكتشافات ومتابعة المستجدات. بانتظار أزمنة اجتماعية ومؤسساتية منفتحة على مساحة الإدهاش لا المألوف. فنحن أبناء اليوم لا أبناء الماضي الذي أدى مهمته ورحل!.



المشاركة السابقة