جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » اعمدة » استدراك


استدراك


علاء المفرجي
منذ المكارثية وحتى مشارف القرن الجديد طرقت هوليوود الكثير من الأساليب والتوجيهات لتكريس هذه الحقيقة أو تلك والتي ما تزال الهدف الأساس الذي يشغل القائمين على صناعة السينما في هوليوود، وإن كان للناقد والسيناريست جوان وراد لوسن في كتابه المهم (السينما ومعركة الأفكار)
قصب السبق في الإشارة الى المقاربة بين موضوعات الأفلام التي تنتجها هوليوود وبين الخطاب السياسي والثقافي السائد، بالرغم من مرور نحو نصف قرن على صدور كتابه.
فما زالت السينما كصناعة أداة مهمة وخطيرة تسعى المؤسسة السياسية الأميركية لاستثمارها من خلال مؤسسة رأسمالية كبيرة مثل هوليوود وتسعى للسيطرة على أسواق الفيلم في كل العالم.. وإن كنا لا نغفل قوة وتطور صناعة الفيلم الهوليوودي بحكم التاريخ الطويل والخبرة المتراكمة بل وحتى التفرد في مغامرة طرق الجديد والمتطور.
ويكفي أن نشير في هذا المجال الى معلومة إحصائية تذكر أن 60% من مجمل دخل الأفلام الأميركية، إنما يأتي عن طريق العروض الخارجية وهذه النسبة تعكس بوضوح (مشروعية) الآمال التي تعلقها المؤسسة الأميركية على السينما في تقديم طريقة الحياة الأميركية.برنامج ضمان وسائل الإعلام هو القرار الحكومي الأميركي الذي صدر عام 1948 والذي يقضي ان تسمح وزارة الخزانة الأميركية بتحويل عدد من العملات الأجنبية الى الدولار بسعر ممتاز شرط أن تعكس المواد الإعلامية المصدرة الى الخارج والمحققة للعائدات أفضل سمات الحياة الأميركية.وكان من الطبيعي أن تكون السينما،التي كرست نفسها واحدة من أخطر وسائل الاتصال الحديثة ومن خلفها الشركات السينمائية الأميركية الكبرى، أول من استثمر هذا الدعم المالي الكبير وتمثلته ليس في تحقيق شرط القرار والقاضي بترويج النمط السياسي والاجتماعي الأميركي بل تحقيق انتشار واسع للرأسمال الموظف في هذا المجال.هذه الشركات بدورها أصبحت مع مرور الوقت وبلا استثناء تحت سيطرة الشركات متعددة الجنسية التي تمارس بموازاة نشاطها الاقتصادي،معروف الأغراض، نشاطاً سياسياً من قبيل صنع الانقلابات والأحزاب والتحكم بمقدرات شعوب العالم، فضلاً عن سيطرتها وتحكمها في صنع القرار السياسي داخل المؤسسة السياسية الأميركية.ومما تقدم نفهم خطورة الدور الذي يؤديه الفيلم المصنوع بإتقان من معامل هذه الشركات والتي يكفي ان نذكر ان شركة مثل (مترو غولدن ماير) تتبع مجموعة (تايم-لايف) التي تملك سلسلة من الفنادق العالمية أو شركة (وارنر براذرن) تتبع (كيني ناشينال سرفايز) التي تتعامل بقضايا المصارف والمواصلات.. وهكذا، وكان لابد والحالة هذه أن تتصدى السينما الهوليودية لمهمة حمل الرسالة السياسية للمؤسسة الأميركية وترويج خطابها الدعائي وتزويق النموذج الأميركي من خلال ابتكار الأساطير والرموز تبعاً للظرف التاريخي والسياسي السائد وفي مختلف المراحل التي مر بها تطور هذا الفن، رامبو وجيمس بوند خلال مدة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي السابق مثلاً.فمع الإيرادات والأرباح الخيالية التي تحققها هذه الأفلام فإن ظهورها في مدة تاريخية معينة (السنوات العشر الأخيرة) يزامن بلا شك انفراد الولايات المتحدة الأميركية كقطب وحيد في السياسة الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية الأمر الذي فرض طرق موضوعات جديدة تناسب طبيعة الدور الذي تمارسه كخصم وحكم والتحكم في مصائر الشعوب لبسط هيمنتها المطلقة على العالم.وأفلام من هذا النوع تبطن رسالة سياسية خطيرة قد لا ينسى المشاهد العادي خطورتها بسبب مباشرتها وطرحها مادة للتسلية والترفيه وهو الأمر نفسه الذي يجعل نخبة المهتمين بفن السينما يحجمون عن تناولها بالنقد والتحليل، ويكاد يكون ذلك السبب الأساس الذي يجعلنا نتحدث عن خطورة هذا النوع من الافلام (يوم الاستقلال وهجوم المريخ والقوات الفضائية) مثلا... تشترك هذه الأفلام في قيمة واحدة هي السبب في إقدام القائمين عليها بإنتاجها وهي تأكيد الحتمية التاريخية لسيادة النمط والنموذج الأميركي كونه النموذج المتكامل والقادر على قيادة العالم بفضل تسلحه بالعلم والشجاعة وروح المغامرة والتضحية في سبيل الآخرين (هكذا)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية