جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


العملاق


فاضل عباس هادي
يروى أن طالبا جامعيا كتب أطروحة كبيرة عن الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت، ورغم أن الكاتب تناول كل صغيرة كبيرة في حياة الفاتح الكبير هذا وعدو الإنكليز اللدود، إلا انه نسي أن يذكر في اطروحته الطموحة والواسعة تاريخ ميلاد نابليون. وقد طرأت في ذهننا هذه الطرفة التاريخية، ونحن نراجع ما كتبنا، فلم نجد مقالا خاصا بمكتشف التصوير الضوئي:
فوكس تالبوت. وكيف نكتب عن التصوير الضوئي من دون أن نخصص مقالا عن أحد مكتشفيه.
ولد وليم هنري فوكس تالبوت في مدينة ميلبوري في مقاطعة دور ست البريطانية، وكان ذلك في الحادي عشر من فبراير (شباط) العام 1800 . وقد مات أبوه الضابط العسكري ولم يكن للولد هنري من العمر إلا ستة اشهر فبقي في رعاية أمه فقط التي كانت، وهي السيدة الأرستقراطية، تعيش في بيوت الأقارب تجنبا للوحدة. وعندما بلغ سن الرشد ذهب للدراسة في أرقى المدارس والجامعات البريطانية: هارو وكامبردج. وبعد التخرج عاد إلى البيت الذي كان يسكنه أجداده وذلك في قصر ليكوك آبي الواقع على مسافة قصيرة من مدينة «شبنهام ». وفي العام 1832 تزوج من سيدة عريقة المحتد في داربشير، ثم خاض غمار السياسة واصبح نائبا يمثل مدينة شبنهام المذكورة في البرلمان الإنكليزي في لندن.
إلا انه بعد سنتين من عضوية البرلمان، فضل الانتقال إلى إيطاليا، وكان يستعمل القمرة المظلمة والقمرة المضيئة لتسجيل الانطباعات السياحية بواسطة الألواح المعدنية المطلية بجيلاتين من نوع كيماوي ممزوج بمادة حريرية. وقد سجلت براءة اختراع باسمه. وفي العام 1850 طور طريقة الألواح المعدنية المطلية بمادة حساسة لانتاج رسوم توضيحية تصلح للنشر في الكتب المطبوعة والاختراع الثاني هذا سجل باسمه أيضا في العام 1852 .
ولا ننسى أن الفترة التي عاش فيها عملاق الابتكار والعبقرية هذا، امتازت بنهضة كبيرة واسعة في مختلف مناحي العلوم في بريطانيا ومختلف البلدان الأوروبية.
لكن العبقرية تأتي دفعة واحدة وليس على جرعات. فبالإضافة إلى اهتمام تالبوت بالعلوم البصرية، كان له باع طويل في مجال الأبحاث والآثار. وقد نشر كتابا بجزءين بعنوان «أبحاث كلاسيكية وأثرية » وصدر عن دار نشر «لونجمانز » في العام 1838 . كما انه أفلح في حل بعض المعضلات الرياضية فاستحق، بفضل ذلك، عضوية الجمعية الملكية. كما انه في العام 1842 حصل على ميدالية كبرى تثمينا لجهوده واكتشافاته في مجال التصوير الفوتوغرافي.
والمدهش فعلا أن تالبوت برع في قراءة كتابة ألواح الطين الآشورية، وظل حتى آخر يوم من حياته، وهو يتابع أبحاثه في مجال الكتابة يوم كانت الكتابة في أطوار النشوء الأولى. وقد أتقن علم قراءة النصوص الآشورية بحيث أن المتحف كلفه ترجمة بعض هذه النصوص المعقدة.
كان فوكس تالبوت مهتما بالآثار المصرية. ورغم انه لم يزر مصر على الإطلاق، إلا انه كان يشتري بعض الألواح المصرية المكتوبة لدراستها والاحتفاظ بها.
وتجدر الإشارة إلى أن عبقرية تالبوت بدأت تتجلى في سن مبكرة. وكان له من العمر 11 سنة عندما التحق بمدرسة هارو العريقة، قبل تخرجه في جامعة كامبردج وحصوله على الاستحقاق في الرياضيات، ولم يكن له من العمر إلا 21 سنة.
وهو منذ العام 1831 ، بدأ يكرس قسما كبيرا من تفتحه الذهني لدراسة العلوم البصرية وقام بتجارب عديدة في مجال القوى المغناطيسية. ويعود له الفضل في اكتشاف ما كان يعرف بالمجهر الشمسي والمضخة الهوائية.
إن تالبوت بحق ليوناردو دافنشي القرن التاسع عشر بقدر ما كان الرسام المتعدد المواهب اشهر واكبر المخترعين في عصر النهضة الإيطالية الكبير.
ولعل القراء الذين يزورون بريطانيا يرغبون بزيارة البيت الذي عاش فيه عملاق التصوير الضوئي هذا وبيته يقع في مكان قريب من «شبنهام » التي تدخل ضمن نطاق مقاطعة «وسيكس ». وفي المنطقة المذكورة يقع أيضا بيت الشاعر كوليرج وبيت لورنس العرب. كما تقع في المنطقة نفسها مدينة باث التاريخية حيث مركز التصوير الفوتوغرافي الملكي، وبيت تالبوت حوّل إلى متحف، وهناك يمكن الاطلاع على جميع مخترعات تالبوت في جميع حقول المعرفة العلمية.
فوكس تالبوت كان رجلا متعدد المواهب، ثاقب البصيرة، وعالما من الطراز الأول برع في اكثر من ميدان، ومعظم اهتماماته العلمية كان ينصب على العلوم البصرية، من الميكروسكوب إلى التلسكوب. ولا نكشف سرا إن قلنا إن تالبوت، كما تدل دفاتر ملاحظاته التي تركه لنا، وما تزال موجودة في متحف «ليكوك آبي » حيث عاش مهتما أيضا بعلم الفلك، يعود الفضل الأول إليه في اكتشاف ما يعرف باسم «المجهر الاستقطابي .»
ليس هذا فقط، بل كان يستفيد من ضوء الشمس في تصوير الأجسام الدقيقة عن طريق الميكروسكوب، مثل جناح فراشة، أو ورقة من نباتات الخنشار.
كما انه يحلل المعادن بالاستعانة باللهب ومقياس الطيف الشمسي، في مجال الكهرباء.
بدأ غرام تالبوت بالتصوير الضوئي في إيطاليا، وبالتحديد على ضفاف بحيرة «كومو »، حيث وجد نفسه هناك في العام 1834 . وبفضل جمال الطبيعة وانعكاساتها في الماء الرقراق، قويت في نفس تالبوت الشاب رغبة تسجيل ما يراه من حقيقة وانعكاسات. وكان من الطبيعي أن يلجأ وهو الإنسان الحساس إلى مادة حساسة للضوء. فاكتشف بعد الدراسة أن محلول الملح بالإضافة إلى نترات الفضة، يمكن أن يفتحا له الطريق إلى تسجيل ما يراه على الورق من دون حاجة إلى رسام.
وقد ذكرنا أن الفرنسي لويس u1583 داجير، كان يعمل على اكتشاف سائل مستحلب حساس للضوء، إلا أن تالبوت توسع في أبحاثه حول الموضوع نفسه، بل انه ألقى محاضرة حول ذلك في العام 1839 أمام الجمعية الملكية البريطانية. وكانت المحاضرة بعنوان «وصف لفن الرسم الفوتوجيني أو الطريقة التي تتمكن بها الأجسام من رسم نفسها من دون مساعدة من قلم
الرسام ». ولم تكن عملية طلاء الورق بالمحاليل الحساسة معقدة. إلا أن ما  كان معقدا ويستغرق وقتا طويلا، هو عملية التعريض التي كانت تستغرق بين ساعة إلى ساعتين. إلا أن تالبوت العبقري سرعان ما توصل إلى أن من الممكن تقليص وقت التعريض باستعمال عدسات ذات بعد بؤري قصير.
وهكذا مهد لاكتشاف العدسات ذات الفتحة المنفرجة، التي تلتقط الصورة بأسرع وقت رغم عدم وجود ضوء كاف.
وقد شهد العام 1840 تطورا كبيرا في صناعة العدسات، وأيضا صغر حجم الكاميرات الصندوقية الخشبية. وكان شيفاليه الفرنسي وروس البريطاني من أشهر من صنع العدسات في أواسط القرن الماضي. ومن هذين الرجلين كان تالبوت يشتري العدسات لكاميراته.
وبفضل التطور الملحوظ في صناعة العدسات اصبح بالإمكان التقاط صور افضل، كما يدل ذلك دلالة قاطعة، منظر السلم الذي نشر تالبوت صورته في كتابه النادر والرائد «قلم الطبيعة .»
وكان تالبوت يستعمل الكاميرات بأحجام مختلفة. والألواح المعدنية، أو الورقية كانت مساحتها تراوح بين ثلاث إلى ثماني بوصات.
وكان يسمى طريقته البدائية في التصوير «كالوتايب »، وهي مشتقة من مفردة «كالوس » التي تعني «الجميل » بالإغريقية. لم يكن تالبوت يصور ما يراه. بل انه في أحيان كثيرة، يتدخل ويضيف. وفي لقطة السلم المشهورة أضاف تالبوت السلم ليكون مركز الصورة الأساسي، ولولاه لكانت الصورة عادية لا تختلف عن منظر باب وشباك.
ولا يفوتنا ان نذكر، بل نؤكد من جديد، أن تالبوت هو مكتشف نظام التصوير الفوتوغرافي كما هو معروف حاليا. ولولاه لما حقق العلم تطورا مذهلا، وذلك بفضل اكتشافه مبدأ السلبية والإيجابية المعروف والمطبق حاليا في التصوير الفوتوغرافي، وفي مختلف أنحاء العالم.



المشاركة السابقة