جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


غفوة حلمي


سعاد الجزائري
طق..تاك..طق..تاك..طق..تاك..
من يطرق بابي بهذا الليل الموحش؟..فالحب غادرني منذ زمن بعيد، وكلماتي تتمدد معي على السرير، Hو معلقة في الخزانة بين ملابسي..والوحشة ارتديها صباحاً ومساء، وهي غطائي عندما أغفو..
طق..تاك..طق..تاك..تاك..تاك..
من يزورني بهذا الليل البارد؟.. أنظر عبر نافذتي، فلا أرى أحداً أمام الباب.الشارع فارغ وساكن،  لأن الأكثرية لبست ثياب الحب ونامت في أسرّة كتومة، لا تفشي سر أحد منذ خلقت.
أحب، بل أذوب وجداً بسكون محيطي، حيث تتجسد الأشياء بوضوح، وعندما تهدأ الحركة والضجيج، أسمع نبض الشوارع، وأشعر بملمس رصيفها. ففي السكون تصبح الاشياء اكثر طراوة وحميمية، وتتحول الاشكال المدببة والقاسية الى منحنيات انسيابية، وكأنها جسد شابة  وبنعومة ملمسه..
بهذا الليل تأتيني ذكراه، كنت أقول له:
- لا تتكلم..لا تتحرك..إترك كلماتك جانباً، لأني أحبك ساكناً، وفي عينيك حب ورغبة..
يد مَنْ هذه التي تطرق بهذا الالحاح..
تتتاك..تتتاك...طاااااق..طااااااق..طااااق..
يا الهي.. صدى الطرق على الباب أيقظ سكوني وجرحه، وارتعبت أفكاري فعادت الى مخبئها..
عاد الضجيج يصرخ في زوايا الوحشة..نظرت من الشباك مرة أخرى، فرأيت ظل عاشقين يحتضنان بعضهما بقوة، وأسدلت السماء غطائها الأسود عليهما فتناثرت بعض نجومها على الأرض..لفها بذراعيه من خصرها، فتلاقت ذراعيها بلهفة حول رقبته..الوجهان انصهرا معاً،  خلال ذلك اتكأ الصمت على قبلاتهما، ينتظر النهاية كي يغادرهما الى ركن آخر..
المشهد الليلي، اجمل صور التأمل وأرقاها..شارع يتمدد بطوله هادئاً، حالماً..تحيطه نوافذ مغلقة خلفها حيوات تنهض وتنام، تحب وترغب، تلتقي وتفترق..النوافذ ليست إطاراً حديدياً وزجاجاً فقط، بل عالماً يضم قصص الكون، بما فيها من عشق وحب، سلام وكره، رغبة وموت، أضداد متباعدة أو تلتقي مع بعضها فيتحولان الى جزء واحد..
الهدوء سيد لياليه، وتتمرد عليه الرغبات، فتصدر صرخة وجع أو آهة وحشة هنا، أو أصوات عشق تتبعثر هنا وهناك، وفي النهاية،ينام الكل تحت جنح الحلم..
لكن....من يطرق بابي، وانا اوصدته منذ زمن، نستني ايامي، ووضعني الزمن مع ملفاته القديمة..وغرفتي بابها مشرع لاستقبال قصة لم تكتب بعد، او قصيدة تائهة تبحث عن عنوانها، أو عندما يزروني الخوف دون رغبة مني، أو لإستقبال وحدتي الجميلة، التي تتفقدني يومياً، واسمع صرير خشب السلم عندما تزورني في غرفتي..
غرفتي، هي عالمي الذي شكلته من تماثيل وساعات لا تتوقف، وزهور اصطناعية، اسقيها الماء كل يوم..وان سافرت، أوصي جارتي بسقيها، وغالبا ما ارى في عينيها نظرة استغراب وشفقة، الخ عليها بالطلب.فتقول وشبح ابتسامة على شفتيها:
- نعم..لا تقلقي سأسقيها كل يوم..وهكذا بقيت زهوري الاصطناعية نضرة ومورِقة..
سأنزل السلم، وصريره سيستقبلني..نزلت الدرجة الاولى ثم الثانية والثالثة، لكني توقفت أمام سؤال اعترض طريق نزولي..ازحته يمينا كي أنزل من جهة اليسار، لكنه أسرع وسده علي، وظل يعترضني يميناً ويساراً، يأست فجلست على السلم، والطرق على الباب لم يتوقف..
تاااااك...تااأاااااااك.طق.. طق.. طق.. طق..طااااااااااااأاق
وقفت أمام سؤالي جزعة، دفعته بقوة فسقط متدحرجاً الى نهاية السلم، سمعت انينه المتوجع..أسرعت إليه وحملته بين ذراعي..كان ينزف بقوة لأن علامة استفهامه قد تهشمت الى قطع صغيرة..وضعت سؤالي المجروح على كرسي بالقرب من باب غرفة المكتبة، ونزلت باقي السلم الى الطابق الارضي، حيث نهايته.  هنا بهذا المكان، تذكرته عندما كان يستقبلني بابتسامته الوديعة، وقد حمل باقة زهور حمراء، تعود ان يستقبلني بها بيوم ميلادي، لكنه غاب والزهور الحمراء غابت معه..
تااااااااك.. تااااااااااك... طاااااااااااق.. طااااااااق
الطرق على الباب يزداد حدة، ومعه يزداد خوفي من القادم الذي لا أنتظره ولا أتوقعه.. وقفت على مبعدة من الباب، وخلال زجاجه رأيت شبحاً اشبه بالضوء، لم أستطع أن أتبين ملامحه، لكنه يقف منتظراً  أن أفتح له الباب.. كيف لي أن أعرف من هو؟!!
اقتربت من الباب أمسكت بالمقبض وأدرته مرتين، وفتحت الباب، خفق قلبي بشدة عندما رأيته، ليس بالغريب الذي يقف الآن أمام بابي،  نعم، أنا أعرفه منذ زمن بعيد..
عدت الى الوراء خطوة، كي أفسح له المجال ليدخل، عبر عتبة الباب وكأنه نسمة هواء، أمسك بيدي وسرنا معا نحو غرفتي، تمدد على سريري، ونمت الى جانبه، كنت فرحة به ومندهشة، وضعت رأسي على كتفه، على كتف حلمي، ضيفي الذي انتظره كل يوم، تمدد باسترخاء ثم غفا الحلم، حلمي، بوداعة وبقيت حتى الصباح أنظر في وجه الحلم الذي غفا بعمق..

لندن/ أيار 2018



المشاركة السابقة : المشاركة التالية