جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » اعمدة » استدراك


استدراك


علاء المفرجي
قبل عشرة أعوام رحلت عن عالمنا دوريس كيلياس المستشرقة الالمانية وأبرز من ترجم الأدب العربي الى الالمانية. اذ بلغ ما ترجمته خلال مايقرب من أربعة عقود نحو أاربعين عملاً روائياً وقصصياً عربياً. كان لأعمال نجيب محفوظ النصف منها تقريباً وهو ما جعلها تحظى بلقب مترجمة نجيب محفوظ...
ومرة قال الفيلسوف الألماني وأحد أهم ممثلي الحقبة الرومانسية المبكرة فريدريتش شليغل :"أننا لا نعرف في الواقع ماهية الترجمة على الإطلاق". لكن ما قاله لا ينطبق على المستعربة والمترجمة الدؤوبة دوريس كيلياس، لأنها كانت تعرف شروط الترجمة ومفاصلها المهمة حق المعرفة وتجيد السير في مسالكها الوعرة لتصل إلى الغاية بامتياز. و كيلياس شبّهت مترجم الأدب بعدّاء المسافات الطويلة: إنه يعدو وحده، لا يتحدث مع أحد إلا مع صوت الكاتب، يستنفد كل طاقته من دون أن يعرف: هل سيصل إلى هدفه أم لا؟ الجوائز تقول للمترجم: لست وحدك، هناك من يتابع ركضك ولهاثك ويقدّر عملك".
وربما لا يعرف الكثير أن من بين ما ترجمته كيلياس الى الالمانية (زبيبة و الملك) رواية لكاتبها والتي أثارت جدلاً حين صدورها في ما يتعلق باسم كاتبها والذي لم يتأخر امر كشفه باعتباره الدكتاتور صدام حسين.
ولعل من الطبيعي ان تترجم هذه الرواية الى لغات اخرى، بسبب كون مؤلفها شخصية اشكالية شغلت العالم على مدى أكثر من عقدين من الزمن، وربما يكون الدافع والحال هذه هو لتحليل وفك مغاليق هذه الشخصية المركبة... وربما هناك  مواقع اخرى لترجمة هذه الرواية، مثلما حصل مع الترجمة الفرنسية لها وهي الأولى للغات الأخرى، والتي تبنتها جمعية الصداقة العراقية الفرنسية احدى الجهات المهتمة بفضيحة الكوبونات النفطية والدافع هنا واضح ويتلخص بالتسويق الايجابي لهذه الشخصية بسبب العلاقة الوثيقة حينها بين هذه الجمعية ونظام صدام.
وكان الأمر سيبدو طبيعيا لترجمة هذا العمل الى المانية لولا ورود اسم كيلياس على غلاف الكتاب مترجمة للعمل وخلال احدى اهم التظاهرات الثقافية في المانيا (معرض فرانكفورت الدولي للكتاب) والذي كان ضيف الشرف فيه الادب العربي.
المفارقة في امر هذه الترجمة هي تصدي دوريس كيلياس لها والتي عرفت بحرصها ودقة اختياراتها للاعمال الروائية لترجمتها الى العربية وايضاً رأيها في هذا العمل. اعني زبيبة والملك. والذي ذكرته في احدى المقابلات الصحفية معها حيث وصفته ب(بكتلة من الغباء) وانها عانت بترجمته من (اللغة المبهمة التي تذكر بخطابات المؤتمرات الحزبية)...
لكن المفارقة الأهم تكمن في كون كيلياس قد عانت سطوة الاستبداد الشمولي عندما كانت تقيم في الجانب(الديمقراطي) من المانيا، عندما استبقت سلطات المانيا الشرقية حينها ابنها التي لم يتجاوز عمره الأشهر (رهينة) حتى عودتها من محنة دراسة الادب العربي في القاهرة منتصف الستينيات، والغرابة هنا تكمن في الاستهانة بضحايا هذا النظام.
ومهما تكن دوافع ترجمة هذا العمل الى لغات اخرى فهو بالنسبة الى كيلياس لم يكن ينسجم مع نشاطها في خدمة الادب العربي خلال أربعة عقود من الترجمة لأعمال تظهر الوجه المشرق له.



المشاركة السابقة