جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


جي دي سالنجر .. شهرة جذابة بضربة واحدة!


أحمد ثامر جهاد
رغم أن حياة"جي دي سالنجر"التي اتسمت بالعزلة الطويلة بعيداً عن الناس والاضواء الى حين مماته عام 2010 ظلت أشبه بأحجية جذابة تثير فضول الكثير من المهتمين وعشاق أدبه حول العالم، إلا أن السينما- على نحو غير معتاد- لم تجرب الاقتراب من تناول سيرة هذا الكاتب أو معالجة أعماله على الشاشة لأسباب قد تتعلق بالرفض الذي واجه به سالنجر معجبيه الى الدرجة التي أغلق فيها- يوماً ما-الباب بوجه اثنين من كبار المخرجين السينمائيين
هما (بيلي وايلدر وايليا كازان) بعد أن عرضا عليه- منفردين- تحويل روايته الوحيدة"الحارس في حقل الشوفان"الى فيلم سينمائي وذلك في أوج شهرة الرواية ونجاحها الشعبي.
سالنجر الذي نال-من بين أدباء قلائل في العالم-شهرته بضربة واحدة، اختار الاعتكاف الطوعي بعد نجاح مدو حققته روايته آنفة الذكر والتي وصفت إنها رواية جيل بأكمله. الرواية التي بلغت شهرتها حدوداً متطرفة، بوصفها أنجيلا ملهماً للشباب الاميركي الغاضب والمتمرد على أعراف السلطة والنفاق والزيف الاجتماعي.
رحل سالنجر عن عالمنا في 27 يناير/كانون الثاني 2010، وما زالت حياته ومنجزه الأدبي مثار جدل واهتمام. أما اصداء كلماته التي تعيد رسم أهوال الانسان في الحرب فهي لا تزال ماثلة في مخيلة القراء"في الحرب يتمنى المرء لو كان يمكن له أن يدخل في خوذة، أما الطريقة الوحيدة للنجاة من سيل النيران فهو أن تعانق شجرة، نعم شجرة".
الكاتب في عزلته
منذ لقطاته الأولى يشعرك الفيلم الوثائقي الموسوم (Salinger-2013) للمخرج شين ساليرنو بان الكاتب"جي دي سالنجر"يمثل صيداً ثميناً للصحافة التي ما أنفكت تطارده وتتبع تحركاته في منزله المعزول في نيوهامبشاير. يبرق (مايكل ماكديرموت) المصور الصحفي لمجلة نيوزويك المكلف بتصوير سالنجر عن بعد، رسالة قصيرة الى غرفة الاخبار تشي بنجاح مهمته رغم الصعوبة التي واجهته، جاء فيها"لقد فعلتها، التقطت صورة لسالنجر قرب مكتب البريد. انها بحوزتي الآن". كان الخبر صاعقاً لزملائه في المجلة ممن يعرفون أن لا بريد أو رقم هاتف معلوما لسالنجر، وثلة قليلة من المقربين منه تعرف بالضبط مكان إقامته أو يسمح لها بمقابلته.
من هذا المفتتح السردي يعمل المخرج ساليرنو على خلق ايقاع تشويقي لفيلمه الذي يرصد بتأنٍ ملحوظ أهم المحطات في حياة سالنجر المشفوعة بخيبات ونجاحات وأقاويل، سيتبدد الكثير منها تدريجياً عبر الحديث المباشر مع أصدقاء الكاتب وبعض أفراد عائلته وثلة من معجبيه، بينهم نجوم سينما مشهور شأنهم كـ (مارتن شين وفيليب سيمور هوفمان)، فضلاً عن المقابلات العديدة مع ناشرين وباعة كتب وقراء وأساتذة جامعات.
الصورة الوثائقية ستكون مكتملة التأثير لو تحدث السيد سالنجر بنفسه للكاميرا. إلا أن ذلك لم يحصل في هذا الوثائقي الذي بات أكثر حرية في تتبع وقائع حياة الكاتب عقب وفاته، بالنظر الى الصعوبات التي واجهت المخرجين والكتاب والصحافيين لدى محاولاتهم الوصول اليه بشكل من الاشكال. سنرى انه حينما يحين الوقت لسرد الحكايات الاكثر إثارة، سيقول البعض إن سالنجر أحاط نفسه بسياج منيع ودائرة علاقات محدودة وكان لديه ما يشبه الحلف الاخلاقي مع أبناء بلدته الذين يحترمون خصوصيته ولا يسمحون للغرباء بانتهاك عزلته، لكن بعد رحيل الكاتب عن عالمنا ثمة من هو مستعد الآن للإدلاء بشهادته عن حياة سالنجر وكشف حقيقة الشائعات المتداولة حول منجزه الأدبي المجهول الذي بقي الكثير منه بعيداً عن أعين الاوساط الصحافية والادبية.
في ثنايا هذا الوثائقي ثمة سؤال مضمر: ما حدود وطبيعة الوقائع التي يمكن للفيلم أن يجليها أو يغربلها بموضوعية عبر تقصيه حقيقة الأشياء والتدليل الموثق عليها في إطار مهمة فنية أسبغ عليها المخرج شيئاً من المبالغة من أجل شد المتفرج الى حكايته الوثائقية التي تعيد رسم الحيز الحقيقي الذي شغله الكاتب في عصره على الأقل؟ نعم ثمة الكثير من الاشياء الغامضة في حياة سالنجر(هكذا يلمح الفيلم في بعض مواضعه) سيمثل كشفها التدريجي نوعاً من التشويق الدرامي، وهو ما نجح به الفيلم عبر عرض مجموعة فيديوهات نادرة وصور ومقابلات لم يشاهدها أحد من قبل، وذلك وفق بناء سينمائي رصين يعرف أين يتوقف ومن أين يجب معاودة تتبع الحكاية. رغم ذلك تبقى مهمة الوثائقي مختلفة في البناء والمسار والأسلوب عن مهمة الفيلم الروائي، خاصة إن الوثائقي بالنظر للهدف الذي ينشده، سيكون أمام ضرورة ربط حياة الشخصية ومواقفها بسياقات اجتماعية ونفسية وفنية أوسع، خالية من أي إنفعال أو تحريف، في إطار سعي الفيلم لإعادة كتابة حياة"كاتب لامع"ليس بين ايدينا عنه سوى بضع قصص ورواية يتيمة وشائعات كثيرة.
هولدن كولفيلد: روح هائمة
عقب مرور نحو أربع سنوات على عرض وثائقي المخرج"ساليرنو"آنف الذكر، صدر في الولايات المتحدة فيلم سيرة ذاتية عنaz حياة سالنجر عنوانهRebel in the Rye-2017)) كتابة واخراج داني سترونغ. الفيلم مقتبس من كتاب(J. D. Salinger: A Life) لكينيث سلاوينسكي، والذي يسلط الضوء على حياة الكاتب في مرحلة شبابه خلال حقبة الحرب العالمية الثانية. وقبل ذلك كان ثمة بعض الأفلام المأخوذة عن قصص سالنجر، نذكر منها:
My Foolish Heart-1949)) للمخرج مارك روبسون.(Fragmento-1984) للمخرج ميغيل مورا، وفيلم روائي ايراني بعنوان(Pari -1995) للمخرج داريوش مهرجوئي. وكعادة أفلام السيرة في اقتطاعها محطة اساسية من حياة الشخصية يمكن لها أن تضيء عموم التجربة وبما يسمح به زمن الفيلم الذي لا يجد ضرورة في تناول سيرة الكاتب كاملة، اختار المخرج داني سترونغ في فيلمه الذي جمع بين الممثلين(نيكولاس هولت وكيفن سبيسي) جانباً من حياة الكاتب، تحديداً الفترة الممتدة بين عامي(1939 و 1946)والتي شهدت تفتح  موهبة سالنجر في الكتابة القصصية وخيباته المتكررة في نشر أعماله او في علاقاته العاطفية المتعثرة ثم مشاركته المريرة في الحرب العالمية الثانية التي تركت اثرها البالغ على اعماله، وتاليا  النجاح الكبير الذي ناله عقب نشر روايته (الحارس في حقل الشوفان) والتي تسببت هي بحد ذاتها لاحقاً في اختيار عزلته الطويلة عن العالم.
إذا كان من المنطقي أن الحياة التي تعصف بها أحداث درامية ما تعد الأليق والأقرب لتناولها على الشاشة، فإن انسحاب سالنجر من الحياة العامة في ذروة نجاحه وعدم نشره لأي نص منذ منتصف الستينيات جعل سيرته شحيحة ومغلقة الى حد كبير بوجه كتاب السيرة والمخرجين. وعليه كان من المناسب أن يتناول المخرج الفترة الأهم في حياة سالنجر والتي تضمنت حراكه الابداعي ونشاطه العاطفي لتكون موضوعة فيلمه الذي حاول فيه جاهداً أن يمنح المشاهد احساساً بأهمية الشخصية ومكانتها، إلا أنه ولأسباب عدة بقي دون المستوى المنشود سواء على مستوى الاداء أو رسم الشخصية، واقفاً عند سطح الأشياء، من دون أن يكون عميقاً بما يكفي للامساك بخيوط شخصية سالنجر المؤثرة التي عدت بتفاصيلها الفريدة ملهمة لشخصية بطله (هولدن كوفيلد) في روايته (الحارس في حقل الشوفان) المنشورة عام 1951 والتي سحرت ملايين الشباب حول العالم حتى بيع منها أكثر 15 مليون نسخة لتصبح رواية جيل لا يتردد في إعلان تطرّفه أحياناً. مع هذه الرواية كان للأمر انعكاسات خطيرة لا دخل للكاتب بها، فمن المفارقات الغريبة التي ازعجت سالنجر وتداولتها الصحافة في حينها أن نسخة من رواية سالنجر وجدت بحوزة قاتل مغني فريق البيتلز"جون لينون"بعد أن ألقت الشرطة القبض عليه. كانت شخصية بطل الرواية ملهمة بطرق غريبة للشباب الاميركي الغاضب. صورة كولفيلد مرتدياً قبعة صيد حمراء ستغدو صورة محببة لجيل صعب المراس.
ثمة من يعتبر أن سياسة الافلات من الشهرة التي اتبعها سالنجر خلقت له على نحو مفارق اكبر شهرة ينالها كاتب امريكي في العالم، مما جعل البعض يشكك في مصداقية مواقفه، رغم أن لا أحد يختلف في أن سالنجر كان يدرك أن لديه موهبة أكبر من الآخرين وانه وجد في هذا العالم ليكتب ولاشيء آخر يعنيه.
أصبح هولدن كوفيلد شخصية شعبية شكلت جزءاً من النقاشات العامة للقراء الأميركيين من أجيال مختلفة حتى غدت الرواية مقرراً دراسياً في مناهج التعليم الاميركي. يقول جيري سالنجر:"لم يكن هناك كتاب عظماء منذ ميلفيل وصولاً إلي"وهو يشير بذلك ضمنا الى خصومته مع كتاب آخرين، أعجب بهم في سريرته، فقد كان ناكراً بطريقة لئيمة لمكانة هيمنغواي وشتاينبك باعتبارهما مواهب من الدرجة الثانية.
حرب ملهمة
إن السنوات الحاسمة في حياة سالنجر التي اختارها هذا الفيلم الروائي تجعلنا قادرين على تفهم ما سيصبح عليه هذا الكاتب في حياته اللاحقة. إذ لم يكن أمراً سهلاً في الستينيات وضع صورة كاتب على غلاف مجلة"تايم"عام 1961 لانه أمر كان مقتصراً على السياسيين في الغالب، الموعد مع الشهرة والكتابة الاستثنائية قد أعلن عن نفسه بقوة منذ ذلك التاريخ. وبالفعل تجاوزت مبيعات روايته (الحارس في حقل الشوفان) الستة ملايين نسخة، وبيع منها في  وقت لاحق نحو 250 ألف نسخة في السنة،لكن الكاتب  تجاهل جمهور معجبيه واختفى في  ذروة نجاحه. سنرى أن المخرج سترونغ لا يهمه الخوض  في هذه التفاصيل، محاولاً التركيز على جوانب درامية معينة أثرت في شخصية سالنجر من بينها عدم توافقه مع والده الذي يرفض أن يكون ابنه كاتباً، لأن عليه أن يرعى مصالح العائلة والعمل في مصلحة بيع اللحوم والاجبان، فيما تقف أمه الى جانبه وتشد من عزيمته. إلا أن الجانب الأهم الذي يأخذ المساحة الأكبر في سرد الأحداث هو علاقة سالنجر المتقلبة بصديقه دكتور ويت بارنيت (يؤدي الدور كيفن سبيسي) الذي التقط بشكل مبكر موهبة سالنجر حينما كان استاذه في كولومبيا، لتبقى أصداء نصيحة بارينت لسالنجر الشاب عميقة، وطريقاً هادياً لما سيكتبه سالنجر لاحقاً:"اذا لم تكن متأكداً مما ينبغي عليك فعله، عليك أن تتخيل كتاباً كنت تود قراءته، ثم أذهب فوراً لكتابته".
سالنجر المولود في مانهاتن 1919 لام اسكتلندية واب بولندي يهودي لم يجد من يؤمن بموهبته واستمرت نيويوركر في عدم نشر قصصه وسيتهم هو محرريها بانهم محدودو الافق ولا يقدرون المواهب الحقيقية. في الاثناء يطرد سالنجر من الثانوية ويرسل الى اكاديمية عسكرية. وعقب خيبات عاطفية عدة يتزوج سالنجر من"أونا اونيل"الابنة المدللة للكاتب المسرحي يوجين اونيل وهي فتاة جميلة معروفة بانجذابها للشخصيات العبقرية الشهيرة، وخلال خدمته في الجيش خلال الحرب تتخلى أونا عن حبها له وتتزوج من شارلي شابلن، ليغرق سالنجر في دوامة الشعور بالإهانة وضياع الاحلام. لكنه سيستعيد عزيمته بعد نشر قصته الشهيرة (يوم مثالي لسمك الموز)عام 1948 والتي حققت له شهرة واسعة، ثم قصته"الى إيسما مع الحب والبراءة"المستوحاة من تجربته في الحرب.
المشاهد القليلة التي صوّرت خدمة سالنجر في جبهات القتال ومشاركته في عملية نزول قوات الحلفاء في النورماندي كانت خياراً سردياً مناسباً ومقتصداً للإشارة الى مسألة بالغة الأهمية وهي إن الحرب العالمية الثانية صنعت مجد سالنجر الحقيقي، فهي مصدر إلهام لأبرز قصصه مثلما يذهب كاتب سيرته(ديفيد شيلدز) , لكن في المقابل كانت حياة سالنجر ومنجزه الأدبي على حد سواء عرضة للفناء وسط اهوال الحرب وعنفها، فقد وضع كل ما كتبه في حقيبة حملها معه في زمن الحرب، وفي الاثناء نشر أربع قصص قصيرة ستجمع لاحقاً في كتابه"تسع قصص"عام 1953. ثم سيصدر في عام 1961 كتابه"فراني وزووي"ليتوقف عن النشر نهائياً منذ عام 1965، لكنه حتى مع عدم اجرائه أية مقابلة أراد من حين الى آخر أن يذكر الناس دوماً إنه منعزل.
مقاتل طويل القامة بشارب صغير سيترك انطباعاً غير محبب عن رجل منشغل بشؤونه الخاصة ولا يتحدث لأصدقائه كثيراً. خلال خدمته في فرنسا عشية الحرب شعر سالنجر حين قابل عدداً من الناس هناك أن تلك فرصة نادرة لفهم ما فعلته الحرب بالسكان المدنيين. فيكتب عقب خروجه من مصحة نفسية لرعاية المقاتلين، عن مشاهد عاشها في سنوات الحرب لا تغادر مخيلته، أهمها لحظة دخول قوات الحلفاء الى باريس عام 1944 حيث يتبادل الجمهور الفرنسي التحية مع الجنود المحررين الذين يمرون بعجلاتهم العسكرية مزهوين بالنصر. إلا أن الامر الاهم أن سالنجر سيقابل في باريس الكاتب الشهير"ارنست هيمنغواي"ليعرض عليه احدى قصصه، ويرد الاخير بكلمات مشجعة سيعتبرها سالنجر أعظم مديح حصل عليه في حياته.



المشاركة السابقة