جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


المراحيض


لؤي حمزة عبّاس
منذ إن استل جبرائيل وسطاه من إست آدم، وآدم، حتى هذه الساعة، ولما لا يعدّ ولا  يدرك من الساعات، يلتذُّ بما يخرج منه، لذاذة الراحة والمراح، فيقصي نفسه ليُعيد في كلِّ مرة حرارة الأصبع في الإست المفتوق، محرِّكاً إحساسه بالنزول الكثيف وهو يزيد من ارتباطه بالأرض ويمنحه شعوراً خالصاً بالدفء والصلابة التي ينفتح لها إسته كما انفتح لأصبع الملاك*، فيقوم وفي جسده شيء من خفّةٍ يخلّفها الجهد والدفء والرائحة،
وعذوبة غريبة توطّد إحساساً مبهماً يسري في أسلاكه العصبيّة، موحِّداً بينه وبين أشد الكائنات نتانة، وبينه بين صاحب الأصبع العتيق،فالعملية لمتخل من أحساس النظافة التي ترتفع به كل مرّة، تحرّك ظل جبرائيل المحبوس في طين جسده الآدمي.
إنه يعرف سرَّ الراحة، تتفشى في جسده بعد كلِّ مرَّة، ويدرك تلك اللذاذة الطافحة التي تمنح المخلوق مقدرة على الاستمرار : الإفراغ الحي إستعداداً لإملاءٍ تستمر به حصافة الأماكن السريّة وحصانة أسرارها. مثلما تتوطد، من خلاله، علاقته المكتومة مع ما حوله من مخلوقات، حية تؤتي مثله أفعال إفراغها، أو جامدة يكون الفساد بعضاً من كينوناتها والهدم جزءاً من طبائعها، فهم لحظة يخوضون في مشهد واسع للخصوبة والحياة، يشكلون الوجه الآخر، غير المرئي، لضرورات أجسادهم، حيث تؤآخيهم الطبيعة كي تعيدهم جميعاً لجملة أسرارها.
      في الأيام العادية يكون للتبرز ميقات، ينظّم، إلى حدٍ ما، عاداتنا ومواقيتنا أزاء ما حولنا من حوادث أو أفراد، وفي الأيام العسيرة يتمنّى المرء لو لم تكن له صفة التبرز من بين صفات عديدة أخر، لكي يكون بإمكانه الاستغناء عن ثوابت عاداتها. فالحروب، مثلاً، تعيد تقطير حيواتنا عبر هضم البسيط من عاداتنا اليومية، ابتداءً من التخري عادةً وسلوكاً. ذلك هو اليقين الخرافي الذي تواجهنا به، من دون أدنى تعاطف أو رحمة، حياة العسكر بصرامتها الخادعة، فمع أولى ليالي معسكرات التدريب،  فاتحة حيوات العسكر وكهوف ولادتها، يمكن اكتشاف الموعظة الخرائية:
حفر واسعة، محدودة العمق، ملحقة بغرف صغيرة متجاورة ذوات أحواض من إسمنت محفّر محكوك، توحّد بين الحفر والأحواض أنابيب قصيرة منحرفة، تشغل المسافة الفاصلة، قنوات ضيّقة سريعاً ما تمتلئ بامتلاء الحفر، لتطفح بعدها الأحواض وتغيب حوافها المحكوكة في مزيج السوائل الكثيفة، مع إصرار الجنود على التبرّز داخل الغرف، وموانع المعسكر، أوامره ونواهيه، تحدّد منطقة النتانةُ التي لا يسمح بارتيادها لغير فصائل الأشغال ومعاقبي سجن الوحدة، فيحاول كلٌّ منهم زرع جزر طابوقيّة إضافيّة في بركة الخراء، وصولاً إلى الأحواض المطمورة والمكممة بفضلات عصيّة على التيبّس، جرّاء البول المتواصل ودفق مياه التنظيف.
    ممارسة المعسكر الأولى تبعد، في العادة، أكثر من ثلاثمائة متر عن ساحة العرضات، وهي لا تشبه – بلا شك – درس وصايا التسديد والتصويب إلا بالقدر الذي تشبه فيه نتانة البركة رائحة الجسد إذ يتفسّخ، مرميّاً، في الوقت الحرام.
إنه درس نتن أول تقدّمه مراحيض الجنود بوضوح صارم، لتتوالى دروس مراحيض الحروب بالقسوة المتلاعبة ذاتها، متشظية في أماكن لا حدَّ لها ولا بيان.
تهيئ جغرافيا مراحيض الحروب إمكانية طيّبة لفهم شراسة الحروب وتلمس حيوانيتها، وكشف جانب من قدرتها على الفتك بالطبيعة والإنسان، فالجندي – خلافاً لجميع البشر – يتفوق إجلاله لفتحة جهازه الهضمي العليا على فتحته السفلى، وتختلف حساسيته الفميّة تبعاً لاختلاف ضراوة الحرب التي يخوض، ولكنها تظلُّ، في الغالب، هاجساً تتراجع أمامه حاجة الافراغ، حتى لتكاد تغيب. لذا، تبدو جغرافيا المراحيض، بالنسبة له، مفتوحةً، غيرَ محددةٍ، مكاناً صالحاً – بالضرورة – لأداء حاجة الجسد، إلى الحدّ الذي تعيّنه الطبيعة باختلاف تضاريسها وتغيرات مناخها، وتتحكم بالحروب نفسها.
      أن تُحاصَر في ساتر جبهة حرب يعني أن تؤجل أشياء عديدة دفعة واحدة، لم تكن تفكر ذات يوم أن بإمكانك أن تؤجلها، أو تحاول أن تجد لضرورتها بديلاً، وأهم من ذلك ألا تفكر – في حرب الساتر – بأن ثمة حاجةً ينبغي فيها لك الاعتزال لتروّح عن نفسك ثقل الجسد.
    ملجأ الأمتار الطوليّة الثلاثة مسافتك الفاصلة، برزخك بين ميتتين، والأثنا عشر جندياً، رفاق الملجأ، عُدَّة حصارك الكاملة. هل كنت تفكر أن بإمكانك أن تتبرز داخل الملجأ؟ جميعكم يفكر أن بإمكانه أن يتبرز داخل الملجأ.
ـ مَنْ فكّر يومها أن بإمكان حبوب الإمساك أن تؤجل المشكلة؟
ربما كان من أعراف الحروب الكبيرة الطاحنة، أن يحمل الجندي أقراصاً وإبراً ومراهم، في محاولة منه لمحاصرة الكائن فناءه، وللجسد حصاره المكين، إيقاع سطوته، فبعد كم من الأيام لن يكون بإمكانه التجلد والرضوخ أمام ثقل ما خزن من ألم؟
القصف وحش جهنمي من حديد ونار، وعلى بطانية العسكر المقلّمة أن تلتفَّ اثنتي عشرة مرَّة على الأنصاف السفليّة لاثني عشر بشرياً تؤدي وظيفة متخمّرة، وعلى الملجأ أن يسع ما لا يُطاق من الروائح ومالا يُعدُّ من المخاوف والآلام.
هكذا تُنحت للمراحيض أشكالٌ تبتكرها الأوقات العصيّة، ثابتة ومتحركة في آن، حيث يتساوى – في مراحيض الحروب – الفم اللاهث المفتوح مع انقباض الإست المشعّر، بإرادة سافرة تحكمها سطوة الموت أكثر مما يحكمها جلال الحياة، فتعيد لكل من الفتحتين مكانتها اللازمة.
      أن تفي بحاجة الجسد في مثل هذا الوقع العنيف يعني أن تجاهد في سبيل القفز على اللحظة الماثلة – كما يحدث في شتاءات (شلهة الأغوات) حيث ستقف في سنوات الحرب وحيداً تراقب زحف سنواتك في الزمن الحرام، فتعرف كم أن الطبيعة عدو سافر ولجوج. سيوصيك جندي الملجأ الأقدم بتجنب المناطق الطينيّة الليّنة : إضغط قدميك برفق. ذلك ما يقوله من دون أدنى تعليل، فلا وقت لبيان الأسباب في مثل تلك المواقع، النتائج وحدها تمنح حياتك أو موتك معنىً. لكن منطقة ليّنة في رأسك تفور كي تداس، إنك تجاهد لتعرف، فتدوس دونما رفق منطقة ليّنة في الطريق إلى مراحيض القصب، حيث بإمكانك أن تُسفر عن حاجتك فيكون لك ما كان لقبلك، معرفة السبب لإقامة مثل تلك الوصيّة: إن حذاءك ذا الثقل المريع يسحب، كلما غطس، عضواً بشرياً أو بقايا عضو، حيث تمضي طليقاً في مقبرةٍ واسعةٍ دونما حدود. تتسمع، في صوت الجندي، إلى أصداء الشاعر الأعمى وهو يحدِّثك من محبسيه عبر العصور : خفف الوطء، فيا لأديم الارض من هذه الأجساد!
وتعيد للعبة، مرّة أخرى، توازنها المرير بين مكانين من أماكن العسكر، ففي الوقت الذي يُنصت فيه جندي المساء، في مراحيض المعسكر، مزروعاً وسط البركة لعواءات كائنات الليل، تتسمع، وحدك، في نتانة الأعضاء الشائهة، لصوت الشاعر مشغولاً بإيقاع الفناء الفادح وهو يصدح في الصوتين.
        إننا إذ نسمِّد نثار أعضائنا، نحدِّد أشكالاً أخرى للأماكن، وهي تمضي منقادةً باتجاه المراحيض:
المقابر المراحيض، الملاجيء المراحيض، الضفاف المراحيض، المزابل المراحيض، الأنفاق المراحيض، المخافر المراحيض، المعتقلات المراحيض، المواخير المراحيض، الأزقة المراحيض، البساتين المراحيض، السراديب المراحيض..
مراحيض مضيئة، مراحيض مظلمة، مراحيض طافحة، مراحيض مجدبة، مراحيض متيبّسة، مراحيض مزدحمة، مراحيض خالية..
مراحيض ليليّة، مراحيض نهاريّة، مراحيض ربيعيّة، مراحيض صيفيّة، مراحيض خريفيّة، مراحيض شتويّة..
مراحيض المباغي (لا يستخدمها الزبائن)، مراحيض الأطباء (لا يستخدمها المرضى)، مراحيض الضباط (لا يستخدمها الجنود)، مراحيض المديرين (لايستخدمها الموظفون)، مراحيض المعلمين (لا يستخدمها الطلاب)، مراحيض الضيوف (لا يستخدمها أصحاب المنازل)..
مراحيض مستورة، مراحيض مكشوفة، مراحيض منسيّة، مراحيض مذكورة، مراحيض زائلة، مراحيض باقية.
          الشقوق الجبليّة تحدّثنا ببلاغة صخريّة عن صراع الإنسان، وهو يُعيد اختبار حقائق وجوده كما أختبرها من قبل، تلمّس فيها كياناً محيطاً لا سبيل للانفلات أو الخلاص منه، لكن عبر مواجهته يراكم جلال حقائقه، فيخبرنا العماء الجليدي بمقدرة الطبيعة واستعدادها لشتى ضروب المواجهات، حيث تنهض الجبال كيانات من صخر أجرد، هائل أصم، يختزن في ارتفاعه الشاهق لغةً أبديةً، يكون الإنسان فيها نقطةً هائمةً في اشتباك الحروف. تتواجه الجبال، في حوارها الصامت الجليل، فتبيح، من دون إشارة، هواجس جنود الربايا والمواقع لغابة الجليد. الجبل لا يفصح عن نفسه، عن محتواه، عن الإنسان الذي يتحرّك فيه. يكمن الخطر دائماً في القمم، فوق بعض القمم، حيث كان جنود الربايا في أثناء احدى مراحل القتال لا يتحركون إلا بصعوبة، لا يخرجون لقضاء حاجة إلا خلال اللحظات التي تقوم الطائرات فيها بعمليات القصف. تلك هي اللحظات التي تختفي فيها بنادق القنص المعادية أيضاً، الحياة فوق القمم تحمل أخطاراً من نوع غريب.. أخطار فصول السبات تستمر أربعين يوماً كاملة أو أكثر، لا يسمع فيها من الأصوات إلا مرور الرياح بين الجبال. في مثل هذا الزمهرير تنفتح جغرافيا المراحيض انفتاحاً كبيراً، تندفع مثل موجة معتمة على ورق الخارطة، فتغرق خطوطها النحيلة، علاماتها، كلماتها الصغيرة، مساحاتها اللونيّة المختلفة، تلوّثها بالركام الدافيء النتن، وهو يُطمَرُ قرب الملاجيء المحصّنة والربايا بانتظار أن تفضحه فصول أخرى. لا طريق في متاهة الجليد لمراحيض الصفيح المقامة على الحافة الجبليّة، بقنواتها المقوّسة المنحدرة على نحو عنيف إلى جوف الوادي، حيث يُسمع احتكاك الفضلات فيها قبل أن تستقر في الأعماق السحيقة، في فصول الاعتدال المناخي واعتدال الحروب.
الإحتكاك الذي تتناقله الرياح في المساحات الباردة كما تتناقل صرخات اللوعة الحادّة لعشرات الجنود التائهين على القمم المرعبة وهم يوقتون حيواتهم على مراسيم الحروب، مناسيب فتوّتها اللاهبة، إذ تسحب الكائن، بلا هدىً، نقطةً حشرية هائمةً على يباب الخارطة، لاظل لها ولا غبار، وحدها الصرخات الكونيّة تشير لحضورها الخاطف على قمم الجليد، أو الصحارى المديدة، أو بين الغابات المتشابكة، وسنون الصخر، وعلى المياه، تطلقها طيور (الهامة) المجبولة من جمر وريش، وهي تتلفّت في المجاهل الظلماء، تشعُّ فصوص عيونها الدقيقة في الأبراج المفتوحة لسياط الطبيعة، نجوم راجفة، رؤوس دبابيس صدئة مغروزة في جلد الليل، تندفع صوب الملاجيء المنفردة متبوعةً بخطى الجنود الواهنة على جليد الفصول، خلف كل طائر جنديٌ هائمٌ، واهن الخطى، يتفرّقون في مسارب الجهات. قريباً من ملجأ معزول تحكُّ حوافر الرياح خواصره المكشوفة، سيحطُّ طائر، على قمة الصخرة القريبة، منتظراً جنديّه ريثما يصل، ينتفض جناحا الجمر والريش، وتميل الرقبة الرقيقة إلى الجانبين، وفي دفء الملجأ سيكون الجندي الخافر قد استمع لاصطفاق الجناحين وأحسَّ اقتراب الخطى فأزاح قطعة الخيش المسدلة على فتحة المزغل المحصّنة، مأخوذاً بما تكثّف داخله من إحساس بالوقع الغامر الغريب لزائريّ الليل، سترتجف يده وهو يحدّق إلى فصّي الطائر البارقين، وجناحيه المفتوحين من جمر لاهث وريش أبيض طويل، ثم وهو يرى إلى الجندي منكشفاً في حومة جناحي الطائر، وقد مدَّ يده وتلمّس الحجر، حتى إذا آمن لصلابته اتكأ عليه. سيشغله انتفاض جناحي الطائر كما شغل جندي الملجأ، فيحرّك رأسه قريباً من الجمر. لحظتها تلتقي الأبصار الثلاثة في نقطة مركوزة في صلابة الليل: بصر جندي الملجأ، وبصر الطائر، والبصر الممسوح لجندي الخطى الواهنة وهو يحدِّق، دونما كلال، مثلما تحدِّق منذ قرون عيون التماثيل السومرية موجهة أبصارها الممحوّة بعيداً، نحو أنفاق أبدية حافلة.
      لحظة كليّة، تجسّدها صرخات الكينونات الثلاث وهي تتمازج مخلفةً صدىً راعشاً، قاسي الوقع  تمتصه عروق الصخور المتنصّتة في ليل الحروب.
        هل يحرّك المرحاض، بوصفه ملاذاً حسيّا، شعورنا بالرضا والاطمئنان؟
          وهل يقودنا، عبر الاندماج بما صُمم له من وظائف، إلى مصالحة ذواتنا وهي تتخفف مما حُمّلت أجسادنا من أدران؟   
          إنه، بشكل ما، مكان للحماسة والتخفف والحياة، حيث ينزلق المرء وهو يمنح نفسه لأداء وظائفها الجسديّة، بين لحظتين: لحظة من وجود أرضي، ساكن، وعميق، وأخرى من عدم، ومضة مطرودة زائلة، تكتم كلٌّ منهما الأخرى، تتلبس بها وتحيل إليها، ليتجرّد الفاني، داخل المرحاض، مؤكداً حضوره وهيمنته وهو يراقب انزلاقنا في فوهة البئر الأولى حيث تنزل  أجسادنا إلى فراديسها المائيّة، في الوقت الذي نراقب فيه انزلاق فضلاتنا.
في المرحاض يُنصت لحمُ أجسادنا لما يتشقق تحته من أرض وما يتبلل من تراب.
ليس المرحاض بيتاً للراحة، إنه رحم المنزل وفردوس الجسد، فيه يعيش المرء أعلى تماه ممكن مع أمثاله من البشر، يندغم فيهم، وتتشابك أعضاؤه مع أعضائهم ليحلّقوا في لحظة الراحة والرائحة



المشاركة السابقة