جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


ساعات روائية عظيمة!


عبدالكريم يحيى الزيباري
أزمة الرواية في ثقافتنا، تختلف عنها في ثقافة الغرب! والإسفاف الروائي لم يأتِ من فراغ، بل هو انعكاس لانحطاط الذوق العام! وإنَّ أزمة ازدياد عدد الروايات المنشورة، هي أخطر من أنْ تُترك دون ربطها بانحطاط دور النشر وفساد ذوق القارئ ولو عَلِمَ القاضي الجرجاني المتوفى (470) للهجرة أنَّ مصطلحه- السهل الممتنع- سيُبتذل إلى هذه الدرجة،
لَمَا عنونَ فصلاً (السهل الممتنع من شعر البحتري) من كتابه (الوساطة بين المتنبي وخصومه)! حتى لم تبقَ روائية لم توصف لغتها بالسهل الممتنع!
اكتب رواية وإنْ كانت تافهة، وإنْ لم تخلُ صفحة من الأخطاء الأدبية والنحوية الفاضحة، فالأدب الرفيع لا يعترف بالإملاء ولا النحو! هذه فصاحة العاميَّة! سنقول أنَّهُ خطأ مقصود للتهكم بالنحويين!
اكتبي رواية تنفتحُ لك الأبواب المغلقة. ادفعي بسخاء إلى دار نشر مشهورة، أستأجر نويقداً أو اثنين يكتبان عنها، قد يكون الاستئجار بالمجان لاختلاف الجنس وشيوع مراهقة الشيخوخة، ولماذا لا تكتبين رواية، وأنتِ ترينَ كلُّ مَنْ تكتب رواية، تصيب حظَّاً من الشهرة، وتتصدَّر قوائم الدعوة إلى مهرجانات الثقافة والأدب. ادفعي لأحد السفراء أو ملحق ثقافي من مرشحي الكيانات السياسية الحاكمة، ليقيم لكِ مهرجاناً ثقافياً باسمكِ الكبير في إحدى قرى المغرب أو السودان، ودرع أفضل رواية عالمية صنع في الصين لن يُكلِّفَ أكثر من عشرين دولار! وبعدها بقفزة صغيرة تسرقين من قوت الشعب مقعداً في مجلس النواب العراقي أو حقيبة وزارية ولا بأس بتقاعد درجة خبيرة ثقافية! فقط تساهلي مع بعض مراهقي الشيخوخة، ليكون لكِ جيشٌ من المعجبين! ستؤرَّخ بكِ الرواية العراقية، فيقولون أدب فلانة وما قبلَ أدب فلانة الروائية!
نحنُ بحاجةٍ إلى ثربانتس ليتهكَّم بهذا الكم من أدب الفروسية الحديث! نعلمُ أنَّ روايةً عظيمة مثل يوليسيس أو قصر كافكا أو محاكمته أو حتى مدام بوفاري، ما كانت لتفوز بجائزة، لأنَّها لم تُكتب بشرط أعضاء لجنة التحكيم التقليدية الأكاديمية الذين بالتأكيد لا يجدون وقتاً كافياً لقراءة النصوص الخالدة، ولا حتى نصفها، ولم تُكتب بشرط السوق ولا كان هدفها تحقيق أعلى المبيعات فور صدورها عندنا. ونعلمُ أيضاً أنَّ روائية مثل غيرترود شتاين لم تنل حظَّها من الشهرة والإنتشار
حيث أنني أقصد روايةً عظيمة، ولا أقصد التماثل حدَّ التطابق، بل أقصد اختراع عالمٍ موازٍ بأسلوب لم يُسبق إليه.
إذا كانت الأساطير والملاحم في التاريخ القديم، قد أسهمت في تكوين العقل البشري القديم، فإنَّ الرواية الحديثة باعتبارها درساً حضارياً ثقافياً لها دورٌ كبير في تغذية العقل البشري الحديث بفكِّ الشفرات ومنحه خبرات معرفية متراكمة. فضلاً عن أنَّ الفن الروائي يتطوَّر باستمرار، ولا يمكن لروائي مُقلِّد ترويج خدعه الرخيصة الزائفة فترةً طويلة. الروائي التقليدي يبحث عن ناقد تقليدي، لأنَّهُ يُحِبُّ النقد الذي يمتدحُ نصوصه ويُعلي من شأنها، وسيكون من المبهج مقارنتها بنصوص خالدة، كما يُحِبُّ أنْ يفعلَ أحد أصدقائي بروائي محلي يذكر اسمه في العنوان، مع ماركيز وبورخس. الروائي العاقل يسيطر على الغريزة التي تدفعه إلى الانتهاء من الكتابة، ويعقلن رغبته الجامحة التي تدفعه إلى الإسراع في نشر التفاهات التي تجعله محلا للسخرية، لأنَّ الروايات المتعجلة المتخمة بكلِّ شيء إلا الأدب، فضلاً عن غفلات الروائي التي تؤذي القارئ، ومهما كانت في الرواية نقاط مضيئة، فإنَّ الأخطاء فقط هي التي تعلق في الذهن! ولكلِّ روائي جانبُ يتميز به، غوغول الساخر لا يمكن أنْ يكون تولستوي الواقعي. وواقعية ستاندال التحليلية تختلف عن واقعية فيكتور هوغو المتخيَّلة، وقدرتهما على اختراع الشخصيات وتحريكها بقوة عفوية تُعطِّل ارتياب القارئ وتشركه في الوقائع والأحداث لتكشف جانباً من الذاكرة الجمعية لمجتمعٍ ما.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية