جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


قصيدة "سمني إسماعيل الليلة" للشاعر أغا شهيد علي


1-2
شاكر حسن راضي *
ولد أغا شهيد علي عام 1949 ونشأ وترعرع في كشمير في أسرة معروفة وتتمتع بمستوى عالٍ من التعليم والثقافة. درس في جامعة كشمير وجامعة دلهي وعند هجرته الى الولايات المتحدة عام 1975 درس في جامعة ولاية بنسلفانيا وأريوزنا.ورغم أصوله الكشميرية الإسلامية إلا أنه يعرّف نفسه إنه شاعر أميركي يكتب بالأنكليزية.حصل على العديد من الجوائز والشهادات التقديرية والزمالات الدراسية ووصل الى القائمة النهائية لجائزة الكتاب الوطني.
كما عمل أستاذاً في جامعة ماساشوسيتس- كلية برينسينتون. تعكس تجربته الشعرية تراثه الهندو-إسلامي العربي. وقد لاحظ الناقد بروس كينج في كتابه"شعراء معاصرون"“أن شعر أغا شهيد علي يتمحور حول الأحساس بفقدان الأمان وحالة الهوس بالذاكرة والموت والتاريخ والأسلاف والحنين الى ماض لم يعفه على الأطلاق. كما يتناول مواضيع المهرجانات الهندوسية والطقوس الأسلامية والصداقات والوعي بذاته شاعراً"تدور معظم موضوعات دواوين علي حول تعدد الثقافات فهو دائم الأشارة والتلميح الى التراث الأدبي الأوروبي والتراث المكتوب بالأوردو والتراث العربي-الفارسي. وقد وصف الباحث الهندي، أمارديب سينج، أسلوب علي"أنه غزلي"مشيراً الى تكرار توظيف الشاعر لهذا الشكل أو مزجه بإيقاعات واشكال التراث الهندو-إسلامي مع منهجية أميركية واضحة في السرد القصصي."نشر ديوانه الأول"نزهة في الصفحات الصفراء"عام 1987 وصنّفه الناقد كينج بأنه"عالم من الكوابيس السريالية والتنافر والمرح وكل ما هو مخيف وطبيعي"رغم أن حالات القلق الوجودي لها جذورها في مشاكل الكبر والهجرة من الوطن وإلتقاء الثقافات، الأ أن المصطلح يبقى أميركياً معاصراً. أما ديوانه الثاني فجاء بعنوان"أميركا في عيني مصاب بالوطان"1991. يسرد في هذا الديوان سلسلة من الرحلات في مشاهد طبيعية تجمع أحيانا بين موطنه في أميركا وذكريات الصبا في كشمير.ويرى كينج أن مخيلته"تربط الماضي بالحاضر"أميركا والهند، الصحارى في العالم الأسلامي وصحارى أميركا، المدن الأميركية والقبائل الهندية- الأميركية، والصحارى المعاصرة والمحيطات ما قبل التاريخ"ويصيف كينج"هناك لغة ملونة متسامية وتناقضات وتجاورات متناقضة"موظفاً فيها وسائل أرفع من مستوى القصائد الى مستوى الغنائية والخيال الجامح. وقد لقيت دواوينه التي صدرت لاحقاً قبولاً واسعاً. أما القصيدة التي كانت تحمل عنوان"كشمير بدون مكتب بريد"فقد نشرت من ضمن ديوانه الموسوم"بلاد بدون مكتب بريد"(1997). وقد إستمد عنوانه من إنتفاضة الكشميريين ضد الوجود الهندي عام 1990 مما أدى الى عنف سياسي وقرار بأغلاق كافة مكاتب البريد في البلاد لمدة 7 شهور.وقد نشرت مجموعته الشعرية الكاملة بعد وفاته تحت عنوان"الجناح المحجّب"(2009) الذي وصفه النقاد بأنه يمثل ذروة إنجازاته. أما ديوان"غرف لم تؤثث بعد"(2001) فقد دوّن فيه هذا الدمج ما بين المأساة السياسية والشخصية وقد أستعار في إحدى القصائد بيتاً من الشاعرة الأميركية إيميلي ديكنسون"أمهيرست الى كشمير"كشف فيها عن حزنه لموت أمه وإحساسه المتواصل بالنفي من موطنه وثقافته. ويصف الناقد الأميركي دوناهو كيف يجمع أغا شهيد علي بين أحداث ثقافية وسياسية وشخصية ويرى في القصيدة"تقصي ثقافي ونعي للنفس"من خلال سرد قصة إستشهاد الأمام الحسن محافظاً في ذات الوقت على التاريخ والأمل في ما وصفه الناقد دوناهو"عنف متسام"يداهمنا دائماً مستمدا القوة من عقيدة مقصورة على فئة معينة من القراء والناس.. عرف عن أغا شهيد علي بأنه شاعر قصائد الغزل وهي شكل من أشكال الشعر الفارسي الذي يقوم على التكرار والقافية  والدوبيت. يقول في مقدمته لكتابه"تفككات فاتنة: الغزل الحقيقي بالأنجليزية"الصادر عام 2000"تتكون قصيدة الغزل من بيتين لهما نفس القافية، وكل بيتين يتمتعان بالأستقلالية ويكملان بعضهما موضوعياً وعاطفياً بعد أن يحدد الشاعر حرف الروي بحرية مطلقة"وغالياً ما يشير في ديوانه"سمني إسماعيل هذه الليلة (2001) الى شعراء أمريكيين وقصائد أخرى يستخدمها مراجع له. وقد نشر الديوان بعد وفاته المفاجئة عام 2001. ويرى الناقد بارك دوتي إن قصائد"علي حافلة بالرسائل والعناوين ومظاريف الرسائل والخرائط المفقودة بالأضافة الى صور الوطن المستذكر والذي يكرر زياراته في  الأحلام"أما قصيدة"الليلة"أو"سمني إسماعيل الليلة" Call me Ishmael Tonight, Ghazals  في قصيدة تجسد التماهي التام ما بين الشاعر المغترب والوطن المفقود، يوظف فيها ما أسماه بالغزليات، وهي شكل من أشكال الشعر الفارسي الذي يقوم على فكرة التكرار والقافية الموحدة  في بيتين مستقلين  بفكرتهما  أو (كوبليت). يقول الشاعر في مقدمة كتابه"تفككات فاتنة: الغزل الحقيقي بالأنجليزية  الصادر عام 2000"تتكون قصيدة الغزل من بيتين لهما نفس القافية وكل بيتين يتمتعان بالأستقلالية في الفكرة ويكملان بعضهما موضوعياً وعاطفياً بعد أن يحدد الشاعر حرف الروي بحرية مطلقة". وفي هذه القصيدة يشير الى شعراء وشاعرات أميركيين وأميركيات، لكنه وبسبب تأثره الشديد بشعراء كتبوا بلغة الأوردو ومنهم الشاعر فايز أحمد فايز خاصة ديوانه"صورة جانبية للمتمرد"(1992)  يقدم أغا شهيد علي رؤية مختلفة عن الشعر الغربي ويوثق حالة الدمار الفردي والثقافي حيث يركز على الوطن المفقود الذي يكرر زياراته في الأحلام. وويسكن أغا علي منفاه في هذا العمل الذي يلاحقه في حياته ليجعل منه موطناً للعيش فيه رغم بعده كما تقول الناقدة ستيف دوتي.. لكن كلمة غزل مستعارة من العربية وتعني قصيدة غنائية في التشبيب ووصف جمال المحبوب وقد أخذها الفرس عن العرب ولكنهم قننوها بالكوبليت أو الدوبيت حيث تظهر ذات القافية وتكون الأبيات مستقلة ومتكاملة من حيث المبنى والمعنى وكأن كل بيتين قصيدة مستقلة. ويضم البيت الأخير عادة إسماً وعلى الأكثر إسم الشاعر وينحو منحى القصائد الماجنة أو الثيمات الصوفية كما في أشعار جلال الدين الرومي حيث يكون الله هو المعشوق. وقد شاع هذا الجنس الأدبي في تركيا قبل وبعد الأمبراطورية العثمانية وظهر بلغة الأوردو تحت حكم السلاطين المغول في شبة القارة الهندية. ومن أبرز الأسماء في هذا المجال ميرزا غالب (1797-1869) والشاعر الثوري فائز أحمد فائز (1911-1984). ظهرت قصيدة"الليلة"لأول مرة في ديوان"بلاد بدون مكاتب بريد"(1997). قد يصعب تحديد هوية القصيدة فقد أسماها الشاعر"كاظم علي"“قصيدة فن شعر الغزل"وتتناول ثيمات كثيرة وإشارات متداخلة الى مواضيع المنفى والحب الميؤس منه والتشرد والأوهام الدينية والتعصب الأعمى.


سمني إسماعيل الليلة

أين أنت الآن؟ ومن يرقد تحت سحرك الليلة؟
ومن هو الاخر الذي ستستبعدين من طريق النشوة الليلة؟
تلك"الأقمشة من كشمير"التي تجعلني جميلة"هي"حلية"ترصعني، تزينني"
لا أعرف كيف أصفها، الليلة، أتوسل من أجل ملاذ:
  أيتها السجون، إفتحي بواباتك 
لاجيء هارب من الأيمان يبحث عن زنزانة الليلة
إستحالت وحشة نبيذ السماء الى خل حامض
وسقط كل ملائكة الطبقة العليا بعد أن تجمدت أجنحتهم، الليلة
أيها الرب، صرخت الأصنام، لا تدعهم يحطموننا
فنحن الوحيدون القادرون على أن نهدي الكافرين، الليلة
يا سقوف  قصور المغول، دعي تقعراتك المزججة
تحيلني الى ذوات متعددة في الحال الليلة
لقد أطلق ناراً من الجليد متعطفاً على السماء
وترك أبواب الجحيم مفتوحة لأجل الله الليلة
في معبد القلب المجزع
حطمت كل التماثيل
ولم يترك كاهن بزيه الزعفراني
ليقرع نواقيسه الليلة
إلهي، أوقف هذه العقوبات، مازال أمامنا يوم القيامة،
فما أنا سوى مذنب، أنا لست بكافر الليلة
يقترب الجلادون من المرأة الواقفة عند النافذة
اللعنة عليك"إليو"*، سأبارك جزيبيل* الليلة
إنتهت المطاردة، وأنا أسمع نداء المؤذن للصلاة
وهو يضمحل في نداء تلك الغزالة الجريحة الليلة
هل دعوت كل عذالي في حبك، هذه إهانة صريحة
ليس هذا بوداع الليلة
وأنا، شهيد، حسبي إني هربت لأقول لك
أن الله ينشج بين ذراعي
فسمني إسماعيل الليلة!
* إليو: أحد أنبياء العبرانيين الذين ورد ذكرهم في العهد القديم (حوالي القرن التاسع قبل الميلاد) ممن عارضوا عبادة الأصنام، وقد أضطهد بسبب توبيخه لأيهاب وجيزيبيل (ملك وملكة بني إسرائيل). ويقال أنه نقل الى السماء بعربة من نار.
* جيزيبيل: زوجة إيهاب ملك بني إسرائيل. وحسب ما جاء في العهد القديم، فقد كانت ملكة قاسية وفاسقة دعت الى عبادة بعل وحاولت قتل إليو  وأنبياء آخرين من أنبياء بني إسرائيل.


* أستاذ مساعد سابق،
كلية اللغات، جامعة بغداد



المشاركة السابقة : المشاركة التالية