جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


صوت صديقة الملاية .. مدن تهاجر، وأخرى على وسائد الغرام


نعيم عبد مهلهل
للتاريخ في قصص ما جرى مفارقات لا يمكن أن نتوقعها في نهاياتٍ لم تحسب حتى بالنسبة إلى أصحاب تلك النهايات، وهذا يعود بالطبع إلى قراءتهم الخاطئة للتاريخ، وربما يركب الغرور والزهو صاحب هذه النهاية، ولم يَدُر في خلده أن ينتهي مجد أسطورته والملك ذات يوم على حبل مشنقة أو في زنزانة الحكم المؤبد أو فندق المنفى أو أي مكان لم يألفه بذخ السلطان وجبروته، وشواهد التاريخ لاتعد ولا تحصى..
غير أن في هكذا سِفر لمثل هؤلاء الذين تتراوح سيرهم الذاتية بين تاريخ الخير والآخر تاريخ شر، ما قد نجده مفارقة أن ينتهي هذا المجد بصورة بائسة ومذلة وحزينة، ولدي صورتان جمعهما فقط تشابه نهاية المشهد الحياتي لكل منهما، وليس بينهما أي رابط وصلة، ولكنهما كل من مكانه لديه تاريخ بمقاس مجده، فالأول كان القائد لجيوش الفتح العربي في إسبانيا، بالرغم من أنه لم يكن عربياً، بل كان بربرياً من جبال المغرب، ولكنه منح العرب دولة كبيرة صنعت زهوها الخاص لقرون بما يسمى دولة الأندلس، والتي تعيش اليوم على سياحة شواهد هذا المجد في قرطبة وغرناطة واشبيلية وملقا وقشتالة وطليطلة وغيرها من مدن الأثر الغابر الذي انتهى بالخروج المُذل لآخر ملوك الاندلس المسمى (عبد الله الصغير). فهذا القائد الصلب (طارق بن زياد)، عاش مجداً لم يعمرْ معه، فتح بلاداً ليهنأَ بها غيره، ولم ينل من نصره سوى حسد القادة وإهمال الخلفاء ومجافاتهم، لينتهي به الأمر إلى أن يمتهن التسوّل على بوابة الجامع الأموي في دمشق، وقيل إنه وُجد ميتاً قرب البوابة ولم يكن معه سوى سيفه وصرة خبز يابسة.
في تقديري هذا موت مشرف بالرغم من بؤسه، موت لم يختَرْهُ لنفسه أي جندي شجاع مثل طارق، ولكن في المحصلة الوجودية نقول: أقدارنا أقوى من أحلامنا، بالرغم من هذا فأنا أرى في مشهد موته صورة أسطورية أفضل مما كان يتمناه ليعيش في برج السلاطين والفاتحين، فقد انتصر بشرف ومات بشرف وتلك المعادلتان من الخلود صعبٌ أن نجمع بينهما.
المشهد الثاني لشبيه الموت المؤسطر للقائد الأمازيغي طارق بن زياد، هو موت المطربة العراقية الشهيرة (صديقة الملاية) والتي ارتبط اسمها بمدينة البصرة من خلال أغنيتها الساحرة (الأفندي)، والتي تتحدث عن صبري صندوق أمين البصرة الذي لا يشبه حتماً أمناء الصناديق في هذه الأيام، فقد كان صبري يحسب للبيزة ألف حساب، وهو يقفل عليها صندوق الأمانات، لأنك قد تستطيع ذبحه من الوريد إلى الوريد، ولن تجبرَهُ على سرقة فلسٍ واحدٍ من خزينة الدولة.
هذه المطربة التي صنعت دهشة التراث ومحليته في أغانٍ كثيرةٍ منها (للناصرية.. للناصرية.. بو جناغ أريد وياك.. للناصرية)، وأغنية (يا صياد السمج.. صدلي بنية) وغيرها من عاطفة القلب البريء الصادق، كانت بغدادية أصيلة ولكن أشهر اغنياتها قد أطلقتها من أجل مدن الجنوب، هذا يعني أن صوت صديقة الملاية كان صوتاً موحداً، ولم يكن صوتاً فيدرالياً، لهذا استحقت المجد لتسكن الذاكرة، غير أننا الآن نتحدث هنا عن نهايتها المأساوية التي انتهت بفقر مدقع وحياة بائسة في غرفة بخان من خانات بغداد الرطبة، ولم يمنحها أي مسؤول في الدولة العراقية الرعاية والتقدير الذي تسحقهُ وهو يمرّ كل يوم على مبنى الاذاعة العراقية في منطقة الصالحية ليرى المطربة (الأسطورة) صديقة الملاية تمارس التسوّل مهنة لتعيش، وغير بعيد عنها يطرق لمسامعها صوت المذياع وهو يلهج بأغانيها كما يلهج العصفور المرتجف من البرد باسم عشه الدافئ، ومثل طارق بن زياد توفيت صديقة الملاية على باب الإذاعة وهي تمد يد التسول والتوسل فقط لتعيش بكرامة المعاند، لا بكرامة الذي يطرق الأبواب في مذلة التوسل والرياء والنفاق والسحت. بين موت طارق بن زياد وصديقة الملاية تشابهٌ واحد وخليقة واحدة وتاريخ واحد، وقناع لوجه واحد، شمعه بؤسنا وقدرنا مع الحروب والمنافي واقداح الشاي والعرق المستكي.
بين طارق بن زياد وصديقة الملاية، ويسألني: لقد جمعت الغريبين في خاطرة روحك، وكأنك تعيد في صدى روحك بيتاً شعرياً لأمرئ القيس: إنّا غريبان ها هنا.... وكل غريب للغريب نسيبُ.
لا أعرف صديقة الملاية ولكني أعرف طارق بن زياد جيدا، وأنت عرفتهما كليهما، أنتم أبناء سومر وبابل تعرفون تواريخ الأمكنة لأن رحلاتكم الأزلية في أرجاء العالم صنعتموها قبل ابن بطوطة، نوح وجلجامش وربما مغامرون آخرون لا أعرفهم أنا.
ــ نعم بعض رحلاتنا لم تكن على الارض، بعضها مغامرة في مدن الآلهة في السماء العالية كما في رحلة شاب سومري اسمه آدابا، كما في رحلتي أنا إلى منازل أنانا في سماء طفولتي يوم ذهبنا في أول سفرة طلابية إلى مدينة أور.
يتعجب مرافقي بدر الدين مهاوش ويسألني: تبدؤون سفركم الأسطوري منذ طفولتكم؟
أرد: نعم تلك قدرية وجودنا، بسبب أن آدم نزل في قرانا، والطوفان لم يغرق ناطحات السحاب في نيويورك ودبي بل في قرانا، وحتى الحروب لم يشعلها في بدئها سوى غضبنا وملوكنا وجنودنا الذين عاش فيهم الاستلاب ليكونوا أول الضحايا وأول زبائن دوائر التجنيد.
ــ هذه القدرية أتيت بها إلى هنا في مشاعر غامضة، ان سفينة نبيكم نوح رست في سواحل طنجة، وسفن طارق أحرقت نوحاً. لكن نوحاً أشعل في قلوبنا خواطر السفر وربما أودع سفينته عند أهل طنجة وبنى معبدا وقفل راجعا إلى أور ليموت فيها.
ــ ما أخصب خيالك يامهاوش، أنا كنت أتوقع هذا أيضا.
وبين ما أتوقع أنا ويتوقع هو، عصافير أشجار محطة قطار طنجة تزقزق بأنشودة ترحيب هادئة بالقادمين إلى المدينة، تعيد في مدائحها اليومية ما كان جان جنيه يكتبه عن فضاء استراحته في المقهى التي اعتاد إرتياده بعد كل ظهيرة:
هذه المدينة تفجِّر فينا الصمت لتدفعنا إلى التوقع واليقين أن نهايتنا هنا.
لكن جان جينه اختار لنهايته قبرا أبعد قليلا حيث يستقر في هدوئه الأزلي في مدينة العرائش، قرب الهدوء والبحر وبعيدا عن اللصوص الذي احبهم في زحمة السوق القديم.
وجه جان جينيه أيضا يضاف إلى الوجوه، هو ترك باريس وسحرها لينشد خلوده في الشاي الأخضر والبابنك وكؤوس الويسكي في آخر الليل حيث تعود محمد شكري أن يجالسه منذ أن تعرف عليه. أتخيل تقاسيم الوجه الذي يصبغه شمس قناع الصعلكة والسجون وخمارات الموانئ.
أور أيضا كانت ميناء وربما كان هناك من سكنتها، مغامرة الهروب من جيش سرجون أو لوكال زاكيزي أو أور كاجينا ولكنه أينما وصل، أرمينيا أو دلهي أو عمان أو طيبة، لن يعيش فتنة مقاهي النعاس المنتشي، لقد كانوا يسافرون حفاة ومعهم فزع مخيف يصنعه ظل ملوك قساة وآلهة مذعورة ولها شكل عفاريت. وبعضهم من فرط رومانسيته هو من ينصحكَ بالهجرة والسفر.
أنت تسافر، تتذكر ما تخيلته وكتبته وعشقته في طنجة، تفتش عن وجه طارق والمغنية الملاية العجوز التي تركتها تتسول على باب الاذاعة في صالحية بغداد، تفتش عن ملامح تشبه حزنك يوم تتخيل أن سعال أبيك قصائدُ وليس ألماً في صدره، وحين تتعرف على شاعرة مغاربية اسمها صديقة، تكتشف أن لا مُقاربَ روحياً وجمالياً بين صديقة المطربة وصديقة الشاعرة، فالأولى وجهها غامض وعابس وأغانيها تشبه النواح، والثانية وجهها يقطر عسلا وصوتها تعاكسه شهية الحروف الفرنساوية المختلطة باللهجة المغاربية الدافئة.
هو أيقاع ناقتك، التي لاتشبه ايقاع الناقة التي سافر عليها ابن بطوطة ليجوب العالم متأملا طراز المدن وعادات ملوكها وأناسها، وربما ناقة أخرى تمتُّ لها بصلة قرابة تلك التي عبر فيها لورنس العرب ليصنع لشخصيته الغامضة واحدة من أشهر قصص التجسس وليخرج من سنامها فصول كتابه المهم أعمدة الحكمة السبعة، وربما القرابة ذاتها بين النوق تشمل تلك التي اعتلاها قبلاي خان وتجول معها على طول مسافة سور الصين العظيم ليكتشف أن السفر يمنح الحكمة قبل أن يمنح صاحبه غرام المحطات وكتابة رسائل الحنين لأصحاب وخلان ظلوا هناك.
لقد أبقيت في أور عصافيرَ من الطين، ودكات بيوت تنتظر شهداءها قبل مهاجريها، وتلك القدرية العجيبة هي من أكسبتك هاجس الاشتياق والمرح لمدائح العودة إلى الداخل تلك التي اكتشفتها مع شاعرك المفضل سان جون بيرس لتحفظها عن ظهر قلب، وهي وحدها من جعلتك تتمنى أن تطير مع عصافيرك من مراكش إلى الصين.
أبقيت فيها ملاحم حربك وشهوات الجنود ونعاس العذراوات التي ابكتك إحداهن عندما لامست طفولتك أول قصة تقرؤها عن أور التي تمنح النساء الباكرات هدايا لوحش في النهر. ليلتها لجئت إلى حضن جدتك لتقصّ عليك حكاية مرحة تبعدك عن حزن ذلك الوحش الذي يضاجع عذارى المدينة وفي الصباح يلتهمهن لجوع في بطنه.
هو شهريار ولكن بوجه وحشي، لتشعر معه أن كل الوجوه تشترك في الرغبة ولكنها تختلف بين روح وأخرى.
أبقيت أزمنتك. وآناباز القصيدة التي أعطتك طاقة من التخيل لتتخلص من أي ألم في باطنك، وتمضي مع القدر الذي ينتظرك في مكان ما من هذا العالم.
تغادر مراكش، وتلبس صمت الليل وتحيط أجفانك بصمت الغريب، فلا تثير أحداً من الجالسين في مقصورتك، تتأمل النجوم وهي تبعثر وميضها على مساحات معتمة من القرى والمزارع والمرتفعات والبحيرات، تتذكر نجوم ليل أور حين تصمت معاول المنقبين فتستيقظ نساء من أشباح أقبية الموت النذري ليندبن حظهن على قدرية أن يرافقن سيدهن الميت وهن حيّات، تكتشف قبل وولي أن النواح يبقى صدى المكان وخواطره وأن الحزن يلون التراب بهاجسه قبل أن يلونه الطيف الشمسي ويعطيه هذا المزاج الغامض.
مراكش بيوتها وأسوارها حمراء. أور بيوتها معتمة بلون يمتزج فيه الأصفر بالبني ليكون لونا كاكيا تفضله الحروب ليكون لون بدلات جنودها.
والجنود جميعهم في حملة القائد الإغريقي يظنّون أنهم حُمْقٌ حين يمتثلون إلى أمر قائدهم أكزينون وينسحبون إلى الداخل فيما انسحاب الجندي المخذول أو المخادع دائما يكون إلى الوراء.
أنت مثلهم لن يكون بمقدورك أن تعود إلى الوراء، وإنما جهتك أنك تصعد إلى منابع أحلامك، القمم العالية وأرصفة موسيقى خطواتها كعوب عالية لنساء تضيء أفخاذهن كشموع أعراس جنوب عينيك.
داخلك الذي تنسحب إليه هو الشمال مقتديا بما سمعته عن أبيك مرة قوله: ننجب أبناءنا في أرحام جنوبية، لكنهم عندما يكبرون يتجهون شمالا. فأنا لم أر في حياتي وجها شماليا يقول جئت من الشمال إلى الجنوب مهاجرا سوى الموظفين الحكوميين وضباط الجيش، والذين يبيعون الخمر ونوادل النوادي الاجتماعية.
استغرب من تفسير أبي ودقة ملاحظته وأتذكر بعضا من تلك الوجوه، حمراء، وصارمة، وحاكمة.
وبعيدا عنها قريبا من موسيقى قطار هذا الليل بسماء صافية وثمالة من الذكريات، أعيش حفنة المشاهد التي تسكن أعماقي وأنزل إليها مع نشيد أناباز ومدائح الشعر ومشاعر غراميات صنع الدمى بنهود كبيرة وعضو أنثوي يقطر خجلا من بين أصابعي وهي تنحته في شهوة المشاعر الغامضة، وكأني أستعيد ما تعلمته ودرسته وشعرت به في أول زيارة لي لآثار مدينة أور، وفوق الزقورة حين يضربك هواء المناطق المتصحرة وتسمعك الطائرات ضجيجها وتتخيل أن القصر الذي أمامك كان الملك شولكي يعزف في غرفه السرية سمفونيات قدر المدينة الحزين مع مجدها المحترق وتشتت فقرائها وهجرة أولادها صوب الشمال الذي هاجر إليه جلجامش.
دائما الخلود في المنطقة التي أعلى من رؤوسنا، جهة الشمال، حتى هذا القطار يصعد من مراكش الى الشمال حيث طنجة، وكل الذين تسكنهم أحلام رغباتهم المستحيلة يتخيلون أن تحقيقها لن يتم إلا عندما نهاجر شمالا، مرة واحدة خالف أجدادنا السومريون هذا الخيال ووضعوا جنتهم المفترضة دلمون في مكان جنوبي، ولكن احدهم لم يذهب إليها مشيا على القدمين، فقد افترضوها وذهبوا إليها بخيالهم فقط، أما جنائن الشمال، غابات الأرز وطيبة وايثاكا وباريس وروما والأمكنة الأخرى فقد كانوا يذهبون إليها مشيا أو على حصان أو قطار أو طائرة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية