جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


ذاكرة لزجة


أحمد الماجد
كثيراً ما يحدث أن تعتلي عرش العاطفة وحيداً، تقف فوق حافة فوضى الحواس، تحيّد العقل إلى أدنى مرتبة في أبعد نقطة ممكنة من المنطق، هكذا تفعل الذاكرة مع كل ممسوس بها، تراوده عن نفسه تلك الأمكنة الأمارة بالعودة، حين غادرها ولا سبيل لرجوعه إليها إلا بشق الأنفس أو ارتكاب مغامرة.
منزلي يعرف شكلي، يحدث هذا في كل مرة تأخذني إليه الصدفة، أو بالأحرى يتعمد اللاوعي صنعها لتبدو كأنها صدفة، من أجل التقرّب من الماضي الذي بات ملكاً لصاحبه الجديد، ملكاً مشاعاً، يخضع لتقلبات الحياة وموازين العرض والهجرة والطلب.

شعور ملتبس يتعذر على الكلمات تفسيره، ذاك الذي يولد في كل مرة أقف بها وجها لوجه أمام منزلي القديم، إنها عِشرة هانت عليّ حينما وقع قرار الإنتقال إلى أوسع الأمكنة، خذلان حلّ حينما تخليت عنه وهو في أرذل العمر، تركته لقمة سائغة لأياد غريبة لا تأبه للسنين، عبثت بتفاصيله بألف حجة، بعثرت حفنات العمر بيوم وليلة، وصوّت أبي وأمي يعتذر لجدرانها، يجلجل في رأسي مثل ضمير سقط في غياهب بئر، لم يدل وارد دلوه لينتشله منه.

تمنيت لو أن الساكن الجديد، يهبني الفرصة أو نصفها بالدخول إلى منزلي في كل سانحة، أن أقف عند بابه، ألصق بذاكرتي أكثر من جناح يحملوني نحو أزمان البراءة، أرهف السمع لصوت الموسيقار محمد عبدالوهاب من مذياعنا القديم ممتزجاً بدندنة أبي، والنسخة الجديدة من أغاني سليمة مراد بصوت أمي، لمشاغبات أخي الصغير متسلقا ما كانت في السابق تسمى شجرة، لشرفة ابنة الجيران، وهي تقف على علو، وشاهق السعادة التي تدلقها قسمات وجهها في روحي مع كل ظهور.

شقوق الجدران التي قرر صاحب المنزل الجديد ترميمها بغية الحصول على أعلى مورد، متجاهلاً أنها جزء من تاريخ عائلتي الذي صنعته تصدعاتها، الأصباغ التي شوهت ملامحه بألوان الحداثة، النوافذ الحديدية القديمة التي كنت أقف خلفها وأعدّ السيارات التي تمر في شارعنا، أحفظ ماركاتها بمساعدة جدي الذي آثر أن يغادر قبل سقوط الذاكرة، الكاشي الرخامي القديم الذي زحفنا فوقه على أربع، السرداب القديم وما حواه من عفاريت متخيلة، وإغراقه بالماء مع الملح كل خميس بغية رفع ضغط الجنّ، وإبعادهم عن منزلنا وفق منظور جدتي، سطح المنزل ومغامرات المشي على الحافة، التوجيهات الخاصة بتعديل هوائي التلفزيون بعد موجة رياح عاتية أفقدت قنواته النظر وذهبت بها إلى البياض.

أمتعض لحفنة أغراب يتحركون في جنباته كيف يشاؤون وأنا ممنوع عليّ الإقتراب، تنتابني نوبة غضب بمقدورها أن تطرد أعتى محتلّ، وباب منزلنا الأسير يبتسم لي بحزن مثل أب عاد ولده الضالّ بعد مسافة. تمنيت لو أن بإمكاني التوسل لصاحب المنزل الجديد بأن يعطيني برهة من الزمن، أمسك من خلالها بلجام الماضي والتصق بذاكرة المكان وأتمرغ بها، أقف أمام تلك الشجرة التي زرعها والدي يوم مولدي، وكبرنا معاً بالسقاية والرعاية، أشم رائحة"الدولمة"في زوايا المطبخ وانتشاء أمي بأنها أمهر من يجيد تفاصيل لفها، أبدأ بالسلام على أبي الجالس متكئا على أريكته الأزلية التي لا يتحول عنها، أمر على الغرف واحدة بعد الأخرى، غرف رغم ضيق حجمها، إلا إنها عميقة الدفئ مشحونة بالعاطفة.

منزلي يحفظ رائحتي، حتى لو أنني أدرتُ مقود السيارة ولم أتوقف عنده، المنازل لا تنسى أصحابها، حتى لو أنهم اقترفوا هجرانها وتاهوا في دروب العولمة، حين اتخذوا قرارهم باستبدال الذاكرة القديمة الحية بأخرى من ورق.. سطحية مهزوزة لزجة.. يجوز لأي عابر مسحها.



المشاركة السابقة