جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » اعمدة » استدراك


استدراك


علاء المفرجي
منذ ترسيخ الصناعة الورقية وانتظام صدور الجرائد والدوريات العربية في بداية القرن العشرين عانت المجلات الثقافية العربية فترات تألق وضمور.. تبعاً للظروف الاقتصادية والسياسية السائدة.. فقد صدرت نهاية القرن التاسع عشر مجلة (الاستاذ) لعبد الله النديم و(الهلال) لجرجى زيدان، فتوقفت الأولى،
وما زالت الثانية تواصل الصدور.. وفي ستينيات وسبعينيات القرن  المنصرم صدرت العديد من المجلات الثقافية، وخاصة في عواصم الثقافة العربية القاهرة ودمشق وبيروت وبغداد، وكان مصير البعض منها هو الاغلاق.
تساؤلات كثيرة تُطرح حول أسباب تغييب أو حصر المجلات الثقافية العراقية، هل سبب هذا الغياب يعود إلى دور جيل الشباب اليوم كقُراء، واهتمامهم الأكبر بالسوشيال ميديا؟، أم هو تداعي صمود هذه المجلات بسبب غياب التمويل؟ أم أن السبب يعود لغياب المراكز الثقافية في العالم العربي بسبب تحولات سياسية جارفة لجميع التيارات وبخاصة الثقافية؟ أم أن هذه المجلات كانت حصراً على النخب الثقافية، أم أنها رتيبة وتخلو مما هو جديد؟ أم لأنها تابعة للحكومات ومؤدلجة ضمن توجهاتهم؟ أم أن هذه المجلات تناست استيعاب التطور الثقافي والتكنولوجي؟.
فالمجلات الثقافية كأيّ مجال آخر، عانت فترة ازدهار وفترة تراجع، وكانت فترة الستينيات هي الأخصب لبروز أهم المجلات الثقافية. وأن هذا الغياب الذي نشهده في الوقت الحالي لا يشمل العراق فقط، بل هنالك مجلات عربية مهمة تعاني  هذا الغياب وهي مجلات مهمة منها الآداب، والفيصل، ودبي الثقافي، ونقد ودراسات عربية، والفكر العربي، وغيرها. فقد توقفت مجلات «الكاتب»، «الطليعة»، «الفكر المعاصر»، «المجلة"والتي كان لها دورها في تقديم جيل جديد من المبدعين والأدباء. أما في التسعينيات، فتصدرت وزارات الثقافة في بعض البلدان العربية المشهد ودفعت بعدد من المجلات منها «فصول»، و«القاهرة"التي تحولت الآن إلى جريدة أسبوعية، ومجلة «إبداع»، و«سطور». وكانت من أبرز المجلات الخاصة «وجهات نظر"التي كان لها طابع مميز، ومجلة «أدب ونقد» ومجلة «الكتابة الأخرى"التي تصدر وتتوقف من آن لآخر، وفي العراق صدرت الكثير من المجلات الثقافية اضافة الى مجلة الاقلام التي واظبت على الصدور منذ عام 1964، مثل افاق عربية والطليعة الأدبية وغيرها.
يقول عبد الستار البيضاني: ان مجلة كبيرة في طروحاتها مثل الأقلام، وهي ذات هوية مهمة، باتت تعاني تغييباً بسبب القارئ وليس لتراجع موضوعاتها فحسب، ففي الوقت الذي كانت تمتلك هذه المجلة كادراً متكاملاً من المحررين، أصبح اليوم رئيس تحريرها يعمل محل هؤلاء المحررين، لغيابهم بسبب الدعم المالي، إضافة إلى استعانته ببعض الأصدقاء من المثقفين للعمل طوعياً على متابعة وتعديل بعض النصوص. وهنا يترك لنا البيضاني مثالاً بسيطاً، عن إدارته الثقافية مجلة ألف باء عام 1988 قائلاً"إن مجلة ألف باء كانت تتمتع بـ10 صفحات ثقافية آنذاك، وكنت أتحرج من الكتاب في تلك الصفحات، لأن جميع موضوعاتهم تستحق النشر، وكانت الصفحات تُملأ ويفيض العديد من الموضوعات التي تستحق، ولكني حين أدرت الصفحة الثقافية لمجلة الشبكة والتي كانت تتضمن صفحتين فقط، كنت أعاني كثيراً في كيفية ملء هاتين الصفحتين لغياب الموضوعات ذات القيمة الثقافية
يبدو أن عدم اهتمام القُراء اليوم بالموضوعات الثقافية، أو النتاجات الثقافية الورقية، لا يعدّ مشكلة محلية فحسب، بل إنها مشكلة عالمية، ففي لبنان، نرى المكتبات هنالك تخلو تماماً من القُراء إلا ما ندر، وأن الموضوع ليس عراقيا فحسب، فالثقافة اليوم أصبحت سلعة تتنافس مع السلع الأخرى، إلا أن قدرتها على المنافسة ضعيفة للأسف، ولكي تتنافس الثقافة بقوة فهي بحاجة الى مردود مالي قوي".
فليس غريباً أن نرى كتب التجميل في أميركا تباع أكثر بكثير من كتب الأدب والثقافة، فنحن بحاجة إلى مجالس ثقافية رصينة كالسابق تمنحنا اهتماماً يومياً بالثقافة يحفزنا على القراءة والإطلاع.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية