جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


الفنان عادل قاسم .. فلسفة الفراغ في الفوتوغرافيا


ناجح المعموري
تنفتح صورة الفوتوغرافي عادل قاسم على قراءة جديدة، ذات فضاء ينفتح على تأويل، يستعين بدراسة المفكر هايدجر"أصل العمل الفني"حيث أشار الى أن الخاصية الاداتية للأداة تكمن في منفعتها. وإذا أردنا الاستفادة من ذلك فأننا نستطيع الإشارة الى أن الكرسي الذي جلس عليه الرجل واضح النفعية، لأنه أدى وظيفة واضحة، وعلى الرغم من أن الكراسي الأخرى لها منفعة.
لكن الأداتية لها غير متحققة إنها مستقبلية، أي ليس الآن، لحظة تسجيل النص فوتوغرافياً. بغض النظر عن ماهية الرجل الذي اختار مكانه وحده أو بتوصية من الفنان، وتتضح الفائدة أو وظيفة الكرسي الوحيد. أما الكراسي الأخرى فهي مؤجلة ممتلئة بمزاولات أدائية، وستتخذ دلالتها طابعاً فكرياً وفنياً مختلفاً. لكن هل بإمكان الوظيفة المتحققة / المنفعة أن تفضي للصفة على الشيء، هو الكرسي؟ أم أنها لا تلغيه، وتبغيه خاضعاً لاحتمالات التبادل أو الاستدعاء. وعلى الرغم من وضوح سياق الكراسي التي هي شاغلة مكان كبير، فإنها علامة على الفراغ، الذي يعني به الوظيفة المقترحة والمعطلة، أو المنفعة المرتبطة بالأشغال.
تظل حقيقة الشيء / الكرسي ضمن حقائق كل واحد من الكراسي. وقد تبدو متماثلة، لكنها في الحضور ستكون حتماً مختلفة. والاختلاف ليس واضحاً الآن في الصورة، لكنه سيتضح لاحقاً من التحقق والانتفاع به.
يقود هذا التأويل بقراءة أخرى وهي الجنوسة المنتفعة من الكرسي، عمرها، علاقتها مع الشيء الذي اختاره الفنان عادل قاسم، وهو الذي اختار مكان الأشياء وجعل منها شيئيات ذات منفعة، خاضعة للوجود؟ أم إنها اعتباطية الوجود التشكيلي؟ وهل وجود الشخص قصدي أم صدفي؟
يقترن الكرسي من الرجولة ويضفي عليها نوعاً من الحضور الاجتماعي والوظيفي، ويتحول بتغيرات المكان الى وسيلة للسلطة ومرآة لها. حشد الكراسي مرتبط حتماً بما ــــ يحيط به من حياة واسعة ومشاركات جمعية، الآن الاعتقاد بوجود الفراغ خارج إطار الصورة، سيجعل منها معطلة، وهي حتماً تمثل عملاً فنياً مزوراً، ويفضي نحو حلقات كذبية. وهنا سيسقط العمل الفني الفوتوغرافي، مثلما ستتضاءل رمزيته، وتفقد أهميتها. لكني أجد حضور الرجل استفزازاً للقراءة أو مجموع القراءات، لأنه ــ الرجل ـــ وضعنا أمام تصورات / تخيلات وضعت الشيء بمكانه وسط الفضاء. وأرى بأن الفراغ أكثر إثارة للمخاوف والفزع، لأنه طارد للحضور الكينوني المهم. وينطوي الغياب على استدعاء جديد، او استدعاءات اكثر، لها ضرورات، عندها يكون للحضور تأثير ثقافي. ولولا تصورنا لأهمية الحضور، لما استطعنا قراءة تفاصيل فاجعة الفراغ والغياب. ولن يكون لأحدهما قيمة حياتية / انطولوجية، إلا من خلال تجاوره مع الآخر، ولن يتضح المعنى الا بتخيل الثنائية الفلسفية الحتمية.
أرى بأن الفنان عادل قاسم وثق لحظة الفراغ / التغيب، وهي لحظة الخوف والرعب، بتفاصيلها التي عاشها المبدع والمثقف العراقي في زمن النظام السابق. لم يكن الفراغ غياباً مؤقتاً، بل هو موت انتصر على الكينونة. والدلالة الرمزية حاضرة في هذه الصورة، التي قدمت لنا عادل قاسم خائفاً من الفراغ، أو الموجود المقصي عن وجوده،لأنه لا يستطيع مقاومة الفراغ الموجود. أوجد فيه شخصاً واحداً، دلالة على الوجود البشري، لكن هذا الوجود لم يقلل من ضغط غياب الوظيفة / المنفعة الخاصة بالكراسي، وهذا حضور غير ظاهر، أو ماثل في الصورة التي تدعو له وتؤشره من خلال الفقدان.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية