جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


عندما يكون السريالي مصوراً


فاضل عباس هادي
يعود الفضل إلى الفنانين والشعراء السرياليين في استخدام الطرق المختلفة والتأكيد عليها لخلق العمل الفني. اندريه ماسون كان يستعمل التراب والريش لرسم اللوحة، وترى من الشعراء من كان يعطي كتابه لرسام يرسم له تخطيطات ترافق النص. كانوا يؤمنون بحرية المبدع الكاملة في استعمال أي مادة أو أي تكنيك لتحقيق ما يريد.
ومن ماكس ارنست إلى سلفادور دالي نرى الفنان السريالي وهو يخلق في جو كامل وتام من الحرية.المخيلة هي المعين الذي لا ينضب وأشياء العالم هي المكونات الاعتباطية يختار منها ما يلائم فكرته ويترك الباقي إلى مناسبة أخرى. بدأت الحركة كتجمع صغير يضم الكتاب والشعراء وعلى رأسهم اندريه بريتون، ثم توسعت الدائرة فدخل إليها السينمائيون والرسامون والمصورون.
مان راي "Man Ray" كان واحدا منهم. أمريكي اختار أن يعيش في باريس يوم كانت باريس عاصمة العالم الثقافية. لم نُشِر إلى السريالية هنا اعتباطا أو تفلسفا. ولكن لأننا نريد أن نشير هنا إلى أهمية المخيلة، في خلق العمل الفني، اخترنا مان راي المصور الكبير، الذي ارتبط اسمه بالحركة السريالية عاصرها وعايشها اثر فيها وتأثر بها. انه المصور السريالي بامتياز أمره يهم الفنانين بقدر ما يهم المصورين هواة كانوا أم محترفين.
ولد مان راي في السابع والعشرين من آب في مدينة فيلادلفيا  مقاطعة بنسلفانيا الأمريكية وذلك في العام 1890 ، ثم انتقلت العائلة إلى نيويورك وكان له من العمر سبع سنوات. في العام 1913 بدأ مان راي حياته الفنية بأن حاول مع بعض الأصدقاء تشكيل «كومونة » للفنانين ثم تعرف على أعمال الفنانين الطليعيين وبدأ يرسم على الطريقة التكعيبية والتقى وهذا هو الأهم بالمصور الضوئي العملاق الفرد ستيجلتز. وفي العام 1915 أصدر مجلة صغيرة، ونشر كتابا ساهم فيه ببعض التخطيطات، ثم أقام معرضه الأول في نيويورك. وبعد عام بدأ يهتم بصورة جادة بالتصوير وتوطدت صداقته بالفنانين والكتاب الطليعيين وعلى رأسهم مارسيل دوشامب، وأصدر معهم مجلتين طليعيتين للفن والشعر والتصوير الفوتوغرافى. في 1921 انتقل إلى باريس وتوطدت صداقته مع مارسيل دوشامب وكبار السرياليين. وأقام معرضا كبيرا لأعماله الفوتوغرافية في «مكتبة الستة » في العاصمة الفرنسية، وفي العام 1923 عرض فيلمه السينمائي «العودة إلى العقل » وفي العام التالي تعمق ارتباطه بالحركة السريالية وساهم في واحدة من مجلاتهم الكبيرة «الثورة u1575 السريالية » وفي العام 1925 اشترك بكثافة في المعرض السريالي وأخرج عددا من الأفلام السينمائية القصيرة. وعندما قرر الشاعر بول ايلوار طبع مجموعته الشعرية «الأيدي الحرة » اختار مان راي ليرسم له التخطيطات.
وفي العام 1940 غادر مان راي فرنسا وعاد إلى أمريكا، وكان ذلك قبيل الاحتلال الألماني لفرنسا، وفي أمريكا استقر في هوليوود. وبعد ست سنوات تزوج مان راي صديقته جولييت براونر في حفل زواج شمل أيضا زواج الرسام ماكس ارنست من الفنانة دوروثيا تاننج. وفي العام 1951 عاد إلى باريس مع زوجته. وفي العام 1961 منحته لجنة «بينالي » في مهرجان البندقية الفني جائزتها الذهبية. واستمر الفنان في الإنتاج الفني واقامة المعارض في مختلف أنحاء العالم حتى وفاته في باريس في العام 1976 .
حياة مان راي لا يمكن أن تلخص ببضعة سطور. كان فنانا متعدد المواهب جمع بين الرسم والنحت. ثم أن مواهبه في التصوير كانت متعددة أيضا.
برع في كل فروع الفن المثير هذا. أجاد «البورتريت » وتصوير الأزياء، وبرع تماما في تجاربه في الغرفة المظلمة، وإليه يعود الفضل في اكتشاف عدد من التقنيات التي احسن استخدامها لأغراضه الفنية.
ومن الطريف أن مان راي اختار التصوير، لأول مرة، لا لشيء إلا ليصور بنفسه أعماله الفنية من رسوم ومنحوتات، إلا انه بعد العشرينات توجه توجها كاملا نحوه واصبح اليوم واحدا من الذين لا يكتمل أي كتاب عن التصوير من دون فصل عنه.
لقد أدرك مان راي أن التقاط الصورة هو نصف العمل، أما نصفه الثاني فينجز في الغرفة المظلمة. وكان فيها يقضي الكثير من وقته، وفيها اكتشف تكنيك التصوير من دون كاميرا، أي أنه كان يختار عددا من الأشياء كأن يكون المشط أو الدبوس بينها، يضعها على الورق الحساس ثم يعرضها للضوء، أو أنه كان يختار طريقة تعريض الفيلم للضوء جزئيا أثناء عملية التحميض، وبإمكاننا الآن جميعا لو شئنا ممارسة «اللعبة » ذاتها. إلا أن النتائج التي توصل إليها مان راي ترفعها من درجة العبث إلى مصاف الفن. لقد ارتبط اسم مان راي بالحركة الطليعية بصورة عامة وبالحركة السريالية
بصورة خاصة، والتعرف علي عالمه من خلال الصور والكتب العديدة التي ظهرت له أو عنه هو الضرورة التي لا بد منها للانتقال من نقطة الهواية الصغيرة إلى برزخ الاحتراف الكبير.

عن كتاب
(السيدة لايكا
تنتظرك في البيت) المعد للطبع



المشاركة السابقة