جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


أعمال خالد بابان.. فضاءات وأوضاع


سهيل سامي نادر
بين عامي 1961 و 1962 كان خالد بابان يعدّ نفسه كي يكون فناناً ومعمارياً. في الفن رسم بالزيت بعض المشاهد الواقعية من مدينة بغداد، وفي المعمار كان يرسم المخططات الأرضية لمشاريع وأبنية أمانة العاصمة حيث كان يعمل. كان يخوض عتبات التجارب الأولى التي ستطويها سنوات من التجربة الحقلية في العمارة والتصميم والرسم. في تلك السنوات رسم سوقاً تقليدية،
حيث مخروط السقف في الأعلى، وفي الأسفل جريان الأشخاص والنور. موازنة بين كتلة قوية شبه صماء وانفتاح الضوء والأشكال. وفي مرسم الأمانة كان يعمل على مقاييس كببرة، ومن تحت ذراعيه، وتحت المسطرة الخشبية ذات التقسيمات الحسابية، كانت تظهر مجاميع من المربعات والمستطيلات، مغلقة أو مفتوحة على بعضها البعض. كان هناك عالم لم تظهر أشكاله وكتله وخطوطه الى النور بعد، لكن بالإمكان قراءته.
أحسب أن تلك الممارسة التي اعتمدت على الخطوط وتحديد القياسات وتخيل الصورة العامة، وبعضها اعتمد على اللون، ظلت ماكثة في ذاكرته، وأعاد إنتاجها في سياق تمثل وانفتاح جديدين، مرة على مستوى البناء، ومرة على مستوى التعبير الشكلي والجمالي. في هذه الأعمال - التي يضمها هذا المطبوع - المنفذة في فترات متباعدة، يتجاوز بعضها العشرين عاماً، نجد الفنان يعمل على قياسات صغيرة من حيث المساحة، ليس بسبب اقتصادي في المواد، بل بسبب اقتصادي في الأشكال، ولتوليد أحياز متخيلة مناسبة تستقر فيها الأشكال كأنها وجدت بيتها ومستقرها المكين.
لعلنا سنجد المخططات الارضية في تفاصيلها الهندسية المتنوعة وقد استحالت الى خلايا لونية فنية، فهي الآن تنظيم يغطي كامل المساحة، وهي ترصيعات هارمونية ذات وظيفة جمالية، وهي سطح فني يستقبل موضوعات الطبيعة الجامدة : المزهريات والفاكهة والطنافس. وفي الوقت الذي يلتقي فيه بوجوه ذات قسمات معبرة في الباص وفي الشارع تصلح لفن البورتريه، أو بمشهد يدعو للتعاطف، حاذفاً منه أي استطالة روائية، سيرسم بالأسلوب نفسه أمه وأخته، مؤكداً على الرابطة التي بينهما متمثلة في الذراعين والأصابع. في هذه الأعمال يركز خالد على لحظة اعتيادية تكون فيها الشخصية التي يرسمها غارقة في حياتها، في قوتها وضعفها ولحظتها العابرة التي لن تعود. وههنا تظهر الوظيفة الجمالية في اعتماد قياسات صغيرة، فهو ينتخب ما هو جوهري وتعبيري من الشخصية، من دون أن يجعل التفاصيل الخارجية، ولا حتى الخلفيات الملونة أو الفارغة، تثير أي اضطراب غير ما هي عليه من تميّز.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية