جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


الأسيرة


سعاد الجزائري
أسدلت الليل على شعرها، لبست نهارها ثوباً، وبضيائه أنارت كل مساحة في جسدها تستحق أن يلامسها النور، لتشع الدفء حولها..
حملت حقيبة كلماتها وأسرارها، علقتها على كتفها، ثم أسدلت الهواء شالا انساب بنعومة انثناءاته على صدرها وقلبها.
فتحت باب عالمها، وبالمفتاح اغلقت خزنة حزن تكدست فيها تلال من بقايا قصص تكسرت أوجاعها على عتبات زمنها الذي سرقت سنينه من قبل أناس انتهكوا حرمة روحها قبل الجسد..
عند باب القصة، وهي تحاول الدخول تعثرت بعتبتها، وعند المدخل، تذكرته، كان مركونا في عمق دهاليز الذاكرة..يجلس وكأنه جبل لا ينزاح من موقعه..
عند المنعطف الأول في مدينة تلك الحياة التي تبعثرت بين أيام حب وشهور حرب وسنوات اغتراب، التهم الزمن دفعة واحدة، كل منبت للفرح، زمن كأنه غول حكايات طفولتها وسعالي خيالها المسكون بالخوف والهزيمة..
يجلس،هو، عند المنعطف في درب قهرها، تتذكره عالياً، وكانت قامتها بجانبه، تنكمش كلما تيبس الحب في أطرافها..وكلما يشتد البرد في فراش وحدتها..
من موقعه الغاضب، وعبر صليل شفرات قسوته، كان يراقب، ويتربص أي فرحة قد تفلت عن غفلة من روحها، فيصطادها بحجارة غضبه وتسلطه..
بهذا العالم المحشور بقهره، والذي خلا من سمائه، ولا نور فيه، تكدست ظلمته على أرصفة الغروب، بانتظار شمس أقسمت أن لا تشرق فيه، خوفاً على أشعتها التي قد تتكسر في وحشة هذا العالم المتوحد..
وتدريجياً بدأت تتساقط طيور فرحها الطفولي، وحزم شبابها أمتعته ليرحل بعيداً، وقص الخوف أجنحتها فلم تعد تطير أبداً، وبقيت هي ساكنة في زاوية الوحشة ترتعد خوفاً وتمطر دمعاً..
عافتها السنوات بعدما تعبت شهورها، وشحبت أيامها، وتناثرت ساعاتها بين تراب الأحذية..
ظلت أسيرة زوايا جدران خذلانها، وتدريجياً نساها الكره والحب، فصارت كيساً أجوف، لا يحركه حتى الخواء الذي يحيطه..هبطت الى العمق ولم يعد في حياتها خط عمودي تسطحت تفاصيلها وبدأت تتسرب أجزاء منها نحو العمق، وظل هو كنصل حاد، ينغرز في كل جزء يحاول الظهور..
الأسير لا يحلم إلا بمساحة يمدد جسده فيها نحو الأعلى، أو بقعة ضوئية، تتحرر فيها العين من ظلمة تلفها بقوة، أو بيد تتحرك بأتجاهات مختلفة، لا يهم أن يكون قلب الأسير عاشقاً، أو كارهاً، المهم في لحظات الأسر هذه، الحركة، هي كل ما يشتهيها الأسير، حركة تحرره من البقعة التي يتسمر بها...
هي كانت داخل جسد هذا الأسير المحتجز منذ سنوات تفتحها وحتى بداية تساقط أوراقها النظرة..ظلت تراقب جذورها التي بدأت تنكمش وتلتف حول ساقيها، تلملم أوراقها التي بدأت تتساقط، لتعيدها الى مكانها..تتعبها ابتسامته الشامتة وهو يراقبها، متلذذاً بذبولها المبكر، وبإمتلاكه لمفاتيح روحها وجسدها، لكنه ترك لها حرية القهر ومساحة شاسعة من حزن تخاف حتى أن تبوحه..
تعلمت منه وبسببه صنعة الخديعة، وتدريجياً بدأت تزحف خطوة خطوة خارج أسره.
كالصغيرة كانت ترتعب من خطواتها وهي تتحرر نحو الفضاء، وترتعب أكثر وهي تتذكر عالم أسرها، لكنها لم تتوقف، بعدما لامست يدها أول خيط في فضاء حريتها، هي هناك، في المدى البعيد، رأت جسدها يرقص على أنغام الشمس، وفي عينيها بريق لا يشبه لمعان الدمع، هو الشيء الذي لا تعرف اسمه، لكنها ستعرف اسمه يوما ما.. ما أجمل أن ترى البريق في عينين لم يلمع فيهما إلا بريق الدمع..
ستهرب من ليلها، وتقفز عالياً من حفرة الأسر، نحو فضاء عالم ستكتشفه بمفردها، برؤيتها، تتلمسه بيدها، وترسم بوعيها جغرافيته كي تنسى تاريخ تلك الظلمة..
كيف تزيح هذه الذكرى التي تركت آثارها كالحروق، او كأثر طلقة يأبى جرحها أن يندمل..
يوم تحررت من بقعة أسرها، عرفت إنها دفعت من رصيد حياتها كل سنينها اليافعة، وأبقت لها بعضاً من السنوات الهرمة، لكن روحها ظلت مربوطة بذلك المكان الذي سكنه الأسير، وهي تتجول بين سنواتها بحثاً عن منفذ تقتحمه لتحلق في فضاء تحلم به، فضاء رسمته على ورق مائي، يضيع فيه حبر الكلمات، فضاء هو حلم تلك المساحة الشاسعة التي تريد أن تنطلق بها كحصان لا يروض..
غادرت عالمها القديم، لكن بقاياه عالقة بين أصابعها، في بؤبؤ العين، بين خفقات القلب، وفي تنفسها، ويشتد عصف ذكرى ذلك العالم كلما تشكل في رحم روحها جنين فرح..
لم تتحرر من أسر قهر تلك السنوات، حتى لحظة انعكاس وجه الآخر في مرآة عينيها، رأت فيه الفضيلة، وعرفت بحضرته العبادة، لانه النقاء بدون وضوء، مد شعاع روحه، أمسكته وتسلقت عالياً الى دنيا رأتها بحلمها فقط، وظلت دنيا هلامية بعدما غاب، وبغيابه، عرفت إنه دخل عالمها ليفك أسرها، بعدما مدت يدها في عمق بحر عشقه وانتزعت، من محارة قلبه لؤلؤة الحب الذي لم تشاهد بريقه إلا معه..
معه كسرت جدار صمتها وسمعت رنين صوتها لأول مرة، سمعت نشيد الحب..لكنه غادرها بعد ما أن وجدت بداية حدودها ونهاية جغرافيتها..
بغيابه بدأت رحلة البحث عن المفقود عن النصف الذي لن يكتمل..ولم تجده..
فسرقت الحب
علقته مبللاً على حبل الصدفة
.تحت شمس البعد
فجف سريعاً
وتاه قلبها من جديد
بين الخاطف والأسير
عادت بإرادتها وبكل وجد الى أسرها.
هذه المرة كانت هي الخاطف والأسير معاً..لأنها لا تطيق الانتظار عند بوابة الحب، كي تتلقف كلمة قد تقال أو حرفاً يتطاير مع رياح الوجد التي تعصف بشدة وتخبو بشدة...لكن في خزينتها الكثير من الحب خبأته لوقت الحاجة كي لا تعيش العوز حباً..



المشاركة السابقة : المشاركة التالية