جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


غربة انكيدو في أوروك


ناجح المعموري
الملحمة مفتوحة منذ الاستهلال على العنف وتمجيده بوضوح تام وكأن الذي كتب ، والممثل للخطاب الديني والسياسي في مدينة أوروك استعجل أمر الإعلان عن شخصية الملك جلجامش وما يتميز به من عناصر تجعل منه ملكاً مستبداً وطاغياً يفعل كل ما يريده بعنف وقسوة . ويذهب أبعد من ذلك نحو القتل والعنف والدمار . لكن الاستهلال لم يتجاهل ما قام به جلجامش ،
موظفاً فاتحة النص للانفتاح على خاتمة النص الملحمي وفي هذا نوع من الذكاء في تحديدات البناء كعتبة جديدة ابتكرها الكاتب العراقي الأول .
وقبل الدخول نحو أشارات سريعة على العنف الذي لعب دوراً في رسم بعض ملامح الفرد أو الجماعات العراقية . استعين برأي للمفكرة حنة ارندت من كتابها المهم " في العنف " وهي تقول " لا تحتاج السلطة الى تبرير لها ، كونها جزءاً عضوياً من وجود المجموعات السياسية ، إلا أنها تحتاج الى الشرعية . أما العنف فيمكن تبريره أحياناً ، فيما يستحيل عليه وفي المطلق ، أن يكون شرعياً . وقد درست حنة ارندت العنف الكامن في أعماق الكائن الإنساني وفي المجتمع ، ولا يمكن عزل العنف والسلطة لأنهما دائماً ما يظهران ذاتها معاً . وأكدت حنة ارندت الى أن العنف في حالات معينة يصبح إرهابياً ، بحيث تستعمل الوسائل الوحشية ، ليس ضد أعداء الطاغية وحدهم ، بل أيضاً ضد أصدقائه ومؤيديه . وقالت : إن العنف هو في الأساس ، نقيض السلطة ، أنهما حين يتصادمان يكون النصر دائماً للأول .
باستفادة بتصرف من رأي لانغلز ذكرته حنة ارندت أقول بأن العنف ـ في تمايزه عن السلطة أو القوة ، أو القدرة ، بحاجة دائمة الى أدوات واعتقد بأن أدواته في العراق القديم هو المقدس وحصراً الإله أنليل . هذه الأداة صالحة لكل زمان ومكان وما يؤكد ذلك الحاضر العراقي . وعلينا ملاحقة المقدس وإعادة قراءته وفحصه باستمرار . لم يكن انليل بريئاً في مزاولاته التدميرية ، بل واعياً لأفعاله وقصدياً للاستبداد والتطرف ، لأنه يريد دوماً الإشارة والتأكيد على موقعه في مجلس الألهة ومسؤوليته للسلطة التنفيذية ، الممسكة بكل عناصر المراقبة والمعاقبة واختيار الملوك ومعاينتهم على الأرض ومن تمظهرات تلك السلطة هو العنف الذي كشفت عنه المراثي والدمارات التي نفذها ، من أجل كبح الجماعات وتأديبهم والهيمنة عليهم وإخضاعهم بما يتناسب من السوء والإخلال الحاصل ، ومثال ذلك أسطورة الطوفان وتدمير نفر ، ولعنة الألهة . انليل وعشتار التي طاردت الفلاح شوكاليتودا التي أوضحت درجة العنف ونوعه ، والدمار المعلن عنه في النصوص . والمراثي كافية لإيضاح ما ينطوي عليه هذا الخراب . وما يريده أنليل من الإخضاع الكلي وفرض سطوته الجبارة . كذلك ينطوي على رسالة ضمنية للألهة الآخرين بضرورة التعاون من أجل الحفاظ على السلطة التنفيذية ، وتمظهراتها على الأرض واحترامها . واعتقد بأن اتساع مساحة العنف مرتبط موضوعياً بالتردي الاقتصادي والاجتماعي وضعف عائدات المعابد لخلل ما في الأنماط الإنتاجية ، لذا يلجأ الكاهن الأكبر لتمثيل المقدس بالذي يراه مناسباً ، متماهياً مع الأسباب الأبرز والأكثر حضوراً في حياة المدينة " يجب علينا أن نعرف كما قالت حنة ارندت إن كل انحطاط يصيب السلطة ، إنما هو دعوة مفتوحة للعنف ، ولو لمجرد أن أولئك الذين يقبضون على السلطة ، سواء أكانوا حاكمين أو محكومين ، إذ يشعرون بأن هذه السلطة تفلت من بين أيديهم ، يلاقون على الدوام أكبر قدر من الصعوبة دون مقاومة أغراء استبدال السلطة بالعنف .
كان الألهة سبباً في حصول العنف والحروب ، لأن للملك الذي اختارته السلطة التنفيذية ـ أنليل ـ وظيفة حماية مملكته والدفاع عنها وعليه تجنيد الشباب للدفاع عن مدينتهم .
قرع الطبول وسيلة إيقاعية / تصويتية قوية وعالية . كذلك حادة للإعلان عن نذير يستوجب تذكير والتحضر للمشاركة في الحرب . إن قرع الطبول مقترن بالشفاهية كما قال بول زومتور في كتابه مدخل الى الشفاهية . وتغيرت وظيفة الطبل من ترفيهية الى إنذارية وإشهارية سريعة .
يبدو بأن دخول انكيدو خفف من سيادة العنف الثقافي المتمظهر في الطقوس الدينية عبر ممارسة الجنس الإلهي المقدس ، لكن الملك جلجامش لا يقوى على تعطيل أفعاله ، فعاود وظيفته مستثمراً وجود انكيدو وانعقاد صداقة بينهما . السؤال هل كان أنليل راضياً بسفرتهما الى غاية الأرز ؟ لم يوضح لنا نص الملحمة ذلك . واكتفى بتبيان دعم الإله شمش . وإذا كان أنليل راضيا لماذا اعتبره أحد الأسباب التي جعلته يتخذ قرار اغتياله ؟ ولم تتكتم الملحمة على التحقق من الأفعال الايجابية التي تقضي بالنتيجة الى دعم السلطة الدينية والسياسية وتكرس السيادة وسط أوروك . اعتقد بأن السبب الجوهري لاغتيال انكيدو هو علاقته المثلية مع الملك وخوف أنليل من انفتاح أوروك بشكل واسع أمام الوافدين من الصحراء ، وهذا سبب أكثر خطورة ، لأنه يغلق الأبواب أمام التنوع والتباين الذي يذهب نحو حوار مشترك ، لابد وأن يحقق نوعاً من القبول بالآخر ، عبر ثقافته وتقاليده ، معتقداته وطقوسه الدينية . لذا أنا اعتقد بأن الملحمة لم تستطع أن تتوصل الى سبب موضوعي لقرار أنليل بالاغتيال ، لأنه ـ أنليل ـ كان حاضراً عندما أعلن الإله آنو أمره للأمّ الكبرى لتخليق انكيدو . بمعنى كان على علم بالذي حصل في أوروك من هزة جماعية قوية ضد الملك . وما هو السبب الذي عطل أنليل من اتخاذ فعل تدميري للمدينة ؟ مثلما حصل لمدينة نفر ودمرها بالكامل ، مثلما كشفت مرثيتها ، ونحن نعرف بأن ما حصل فيها لم يكن خرقاً أو تمرداً على النسق الإلهي السائد ، والمعروف منذ زمن طويل ؟ هذا مجال يحتاج فحصاً ويحتاج معلومات تفصيلية عن المجالات الاجتماـ سياسية والاقتصادية ، والتجارية ، والزراعية ، ومعرفة لعلاقة أوروك مع المدن المجاورة والبعيدة ، حتى يتمكن القارئ من فحص هذا الموقف وأيضاً اغتيال انكيدو وإلا ستظل التأويلات في الحدود التي توصلنا إليها معاً وهي مثيرة للتساؤل أيضاً (*)
لقد تطرف وبمغالاة كبيرة عندما ذهب أنليل باتجاه الاغتيال ، بعدما حصلت تحولات كبرى في شخصيته ، حيث " ابتدأت مرحلة التكشف (*) الجديدة له . مرحلة أبصار الحقائق ومعرفتها بوعي ، والاتجاه معها بخط مسير واضح ، حيث أكدت تجربته الجديدة وجود طرفين للحياة الطرف الأول : مدينة أوروك وحضارتها التي أسست معها إيديولوجية سياسية ، متمثلة حياة القهر والاضطهاد والاغتصاب والطرف الثاني : حياة البراري التي غادرها ، لكنه ظل محكوماً لها وحاملاً تأثيرها  ، وهذا ما ظهر كمسكوت عنه في شخصيته "
لم يشر نص الملحمة ـ بسبب صمت الكاهن الذي كتب ـ الى أن الملك جلجامش قد طلب من الألهة مساعدته للتخلص من انكيدو مثلما تعارف على ذلك لدى الكثير من الملوك وأشار لذلك د. عبد الرضا الطعان .
يبدو بأن التمرد الحاصل في مدينة أوروك نتيجة للخلل البنيوي في المدينة وسلطتها  بسبب أفعال الملك وباستفادة من حنة أرندت أن الخلل في السلطة ، وفر فرصة للتمرد الذي تم امتصاصه عبر ذكاء الإله آنو الذي مثل الآلهة عندما أعلن قراره . ولم يكشف نص الملحمة عن فعاليات سلطوية أعلن عنها ومارسها الملك وضعت  حداً لحالة الاحتجاج ، بل كان دخول انكيدو مثالاً لقوة خلقت التوازن والمجاورة مع الملك (*) " حتى السلطة الأكثر استبداداً التي نعرفها ، أي حكم السيد للعبيد ، الذين كانوا على الدوام يفوقونه عدداً ، لم تتأسس أبداً " على تفوق في أدوات الإكراه لوصفها هكذا ، بل على تنظيم متفوق للسلطة ـ أي على تنظيم التضامن بين السادة . إن الرجال الأفراد الذين لا يجدون الى جنبهم آخرين يدعونهم ، لا يكون لديهم أبداً ما يكفي من السلطة لاستخدام العنف استخداماً ناجحاً . من هنا نجد في المسائل الداخلية ، كيف أن العنف يشتغل بوصفه الملجأ الأخير الذي تلجأ إليه السلطة لمواجهة المجرمين أو المتمردين ، أي ضد الأفراد المعزولين الذين قد يرفضون أن يخضعوا لسيطرة توافق الأكثرية " (*)
يفيدنا هذا الرأي على الرغم من أنه نتاج لزمان ومكان مغاير ومختلف عن المرحلة التي أنتجت فيها ملحمة جلجامش في التاريخ الأكدي لأن حنة أرندت مفكرة وعالمة اجتماع بارزة ، تمنحنا إمكانية الاستثمار وتوظيف بعض الآراء الخاصة بالعنف والاستبداد ، لأنها وظفت السلطة بوصفها طرفاً مركزياً في أنتاج العنف .

* . صدر لي / ملحمة جلجامش والتوراة / أنانا . جلجامش وشجرة الخالوب / المسكوت عنه في ملحمة جلجامش / عن دار المدى / استعمالات الذاكرة في الملحمة / مخطوط / والأصول الثقافية للعنف في الأدب العراقي القديم / مخطوط .
* . ناجح المعموري / المسكوت عنه / ص250
* . حنة ارنرت / أصل العنف / ص11 .



المشاركة السابقة