جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


جيزيل فرويند رحلت عنا يوم جمعة حزين صديقة اليسار الأوروبي والكتاب


فاضل عباس هادي
1-2
عندما علم ميشيل غيران الناقد الفرنسي المعروف في حقل التصوير الفوتوغرافي بخبر وفاة المصورة جيزيل فرويند كتب في صفحة كاملة خصصتها صحيفة «لوموند » الفرنسية عنها ان الإصغاء لجيمس جويس وهو يعزف على البيانو أو رعاية اندرية مالرو لها أو ان يكون اندرية جيد صديق شرف لها لم يحظ به الا القليلون.
جيزيل فرويند حظيت بهذا الشرف والامتياز هذين، وأكثر من ذلك بكثير اذ ان سجل حياة هذه المصورة الفرنسية )ذات الأصل الألماني( حافل بالامتيازات والمصادفات التي جعلت منها واحدة من شهود العصر بصورة عامة واليسار الأوروبي كتابه وفنانيه بصورة خاصة.
وهي ايضا المصورة التي لعبت الشطرنج مع الفيلسوف الالماني الكبير والتر بنجامين وحصلت على بطاقة صحفية بفضل الكاتب المسرحي الفرنسي جان جيرودو.
صورت هؤلاء جميعا، بالإضافة إلى جان بول سارتر واندريه بريتون وبول فاليري وسيمون دوبوفوار وسان جون بيرس وهنري ميشو.
هي المصورة التي ارتبط اسمها بكتاب أوروبا في الثلاثينيات والخمسينيات. قرأتهم بتعمق وهي التي قالت عنهم أنهم كتاب جيدون، والكاتب الجيد يسبق زمانه.
كانت في العشرينيات في ألمانيا وفي فرنسا في الثلاثينيات وما بعدها. شهدت أحداثا مهمة في الأرجنتين والمكسيك، قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها. توثق الحياة الابداعية والسياسية وشعارها الشعار المعروف «الوجه الإنساني مرآة الروح » باستثناء قناع الموت، الذي غطى وجه الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران، وهو، كما يشير غيران، الوجه الوحيد u1575 الذي لم يكشف عن أسراره وهو يزيّن حاليا جميع بلديات العاصمة والمدن الفرنسية الأخرى.
كانت جيزيل فرويند تعيش في شقة تقع يا للمصادفة في شارع باريسي يحمل اسم داغير مخترع التصوير الفوتوغرافي الفرنسي في الحي رقم 14 .
هناك عاشت حتى موتها ولفترة عقود أربعة. من هناك كانت تنطلق وهناك كانت تقرأ وتقرأ لتروي عطشها الدائم للقراءة خاصة في الثمانينيات بعد ان تقدم بها العمر ولم يقلل أبدا من حبها للحرف والكلمة والصورة «الساكنة .»
ولدت جيزيل فرويند في ضاحية قريبة من برلين في العام 1908 . أبوها كان جامع لوحات، وكان لها من العمر اثنتا عشرة سنة عندما اهداها كاميرا بمناسبة عيد ميلادها. درست الفلسفة والتاريخ في مدرسة فرانكفورت الشهيرة التي كان يعلم بها فلاسفة كبار مثل مانهايم وادورنو ونوربيرت الياس. وهذا الأخير هو الذي اقترح عليها أن تكتب أطروحة عن التصوير الفوتوغرافي الفرنسي في القرن التاسع عشر، موضوع لم تكن اهميته مطروحة وقتئذ.
في العام 1933 بدأت النازية بالصعود، فقررت جيزيل فرويند مغادرة فرنسا. جاءت إلى باريس ومعها حقيبة صغيرة وكاميرا فقط.
عاشت السنتين الأولى والثانية بعد وصولها إلى باريس حياة شظف وبوهيمية وتصميمها عظيم على متابعة دراستها في السوربون وكتابة أطروحتها برغم أن الناس لم يفهموا سبب اختيارها كتابة أطروحة عن التصوير الفرنسي في القرن التاسع عشر. كانوا يعتقدون بأنها «مخبولة »
في اختيارها هذا الموضوع وزياراتها اليومية إلى المكتبة الوطنية الفرنسية «تفتش » في الأدراج التي علاها الغبار وغطاها عن صور «لا قيمة لها ». الا ان الصور نفسها أصبحت اليوم ثروة قومية فرنسية لا تعادل بثمن.
في العام 1935 نشرت فرويند اول تحقيق مصور لها وكان عن البطالة في انجلترا وعند عودتها إلى باريس التقت باندريه مالرو الروائي والثوري الذي اخبره ناشره بأنه ينوي إصدار طبعة جديدة من روايته الشهيرة «الوضع البشري » وقد وقع اختيار مالرو على جيزيل فرويند لتلتقط له بورتريت ليزين غلاف الرواية الخلفي. وكان البورتريت واحدا من البورتريتات الفوتوغرافية الناجحة والتي لا تقل شهرة عن البورتريتات التي نفذها يوسف كارش لهمنغواي، أو هنري كارتيه بريسون لألبير كامو. كان بورتريت مالرو والسيجارة والمعطف والشعر الذي تلعب به الريح يلخص الفترة، فترة الثلاثينيات التي شهدت ذروة الانفجار اليساري في فرنسا. وهو يذكر، بالتأكيد ببورتريت كامو لهنري كارتيه بريسون.

«أصدقاء الكتاب »
وفي باريس الثلاثينيات، كانت هناك مكتبة «أصدقاء الكتاب »، التي تديرها سيد فرنسية هي أدريان مونيه. كانت المكتبة ملتقى الكتاب اليساريين. وكانت فرويند بطبيعة الحال من المترددين الكبار عليها. وكانت مونيه هي التي فتحت الأبواب لها. ولعبت دورا مهما في وضع فرويند على الطريق الصحيح الذي بدأته بإنجاز ذلك البورتريت الشهير لاندريه مالرو الذي لم يكتب الرواية فقط، بل النقد التشكيلي. وكان واحدا من الذين حاربوا إلى جانب الجمهوريين في أسبانيا، وأصبح في فترة لاحقة وزيرا للثقافة في حكومة شارل ديغول.
كما ان مونيه هي التي ساعدت جيزيل فرويند على ترجمة كتابها عن التصوير الفرنسي في القرن التاسع عشر إلى الفرنسية، وهي أيضا التي ساعدت على نشر العمل «الروائي » الأهم في القرن العشرين: «عوليس » لجيمس جويس مترجما إلى الفرنسية من الانكليزية الاصلية.
عن كتاب  (السيدة لايكا
تنتظرك في البيت) المعد للطبع



المشاركة السابقة : المشاركة التالية