جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


جيرار كوران، هل هذه سينما حقاً؟


صلاح سرميني
في محادثةٍ صوتية مع الناقد السينمائي الفلسطيني الراحل”بشار إبراهيم"، أشار (بدون أن يكون ذلك انتقاداً) بأنني أكتب عن أفلامٍ لا يستطيع القارئ العربي مشاهدتها، مثل تجربة السينمائي الفرنسي”جيرار كوران"، وكانت إجابتي، بأنني لستُ مسؤولاً عن ما هو متوفرّ، أو غير متوفرّ في الأسواق العربية من أفلام، وفي نفس الوقت، لو فكرتُ بهذا الأمر،
فلن أكتبَ عن أيّ شيءٍ غير بعض الأفلام الأميركية التي تُعرض في الصالات التجارية العربية، وهناك عددٌ لا يُستهان به من الصحفييّن، والنقاد يكتبون عنها بالقدر الذي يستطيعون.
لقد تخيّرتُ النبش في سينما مُوازية، رديفة، مختلفة، وتجريبية،.. كي ألفتَ الانتباه نحوها، يقرأها من يرغب، ويبحث عنها بالطريقة التي يجدها مناسبة، وأعتقد بأنّ جمهور اليوم، بكلّ أعماره، وفئاته، يمتلك إمكانيات مُشاهدة لم تحظَ بها أجيال البارحة، وهذا ما قاله لي يوماً المخرج، والباحث السينمائي”د.مدكور ثابت"، وأكد بأنّ ثقافته السينمائية نظرية تماماً، حيث قرأ الكثير عن تاريخ السينما، مدارسها، واتجاهاتها بدون أن يتسنى له فرصة مشاهدة الكثير من الأفلام، وبدوري، عشتُ هذه التجربة خلال دراستي في”المعهد العالي للسينما”بالقاهرة، وكنت أعوّض عن ذلك النقص بمُتابعةٍ متواصلة لعروض نادي السينما، جمعية الفيلم، جمعية نقاد السينما المصريين، والمراكز الثقافية الأجنبية.
كان الراحل”بشار إبراهيم”يميل إلى الكتابة عن السينما الفلسطينية، والسورية بقطاعيّها العامّ، والخاصّ، وقدم للمكتبة العربية مؤلفاتٍ مهمّة تتمحور حول هذا الاهتمام، بالمقابل، كان يمتلك فضولاً سينمائياً يدفعه للتعرّف على كلّ جديدٍ في السينما، وهو السبب الذي أثار النقاش حول كتاباتي عن السينما التجريبية، و"جيرار كوران”بالتحديد.
وعدته بأن يتعرّف قريباً على بعض أعماله، وكان ذلك قبل انعقاد الدورة الرابعة لمهرجان الخليج السينمائي في دبي عام 2011، ولم أكن قد كشفت وقتذاك عن مُبادرة الاحتفاء بـ"جيرار كوران”بطريقةٍ مختلفة.
يعود اهتمامي بتجربة هذا السينمائيّ إلى عام 1986، وكنت أدركُ تماماً ما أفعل، ولم تذهب كتاباتي عنه هباءً، حيث تجمعت اليوم في كتابٍ (أو كتيّب) سوف ينتقل تدريجياً إلى من يريد الغوص أكثر في مسيرةٍ سينمائية فريدة، استثنائية، ومختلفة تماماً عن السينما السائدة، وقريبة جداً من السينما التجريبية مع أنّ”جيرار كوران”لا يستمتع كثيراً بوضعه في هذا التصنيف، ويقول عن نفسه ـ تندراًـ بأنه سينمائيّ هوليوديّ محترف (HYPER–HOLLYWOODIEN PROFESSIONNEL).
في الحقيقة، هو من كوكبٍ آخر،”مورلوكيّ”إنّ صحّ التعبير، هؤلاء الوحوش ـ البشر الذين ظهروا في أعمالٍ سينمائية مختلفة، وأوحوا لـ"جيرار كوران"، ورفاق دربه بفكرة تأسيس أكاديمية وهمية مارسوا من خلالها فلسفتهم الخاصة.
وانطلاقاً من هذا الاختلاف، عمدت إدارة مهرجان الخليج السينمائي وقتذاك إلى تقديمه بطريقةٍ مبتكرة، أدّعي بأنّ”جيرار كوران”حصل عليها لأول مرةٍ في حياته المهنية، وتتلخص بالنشاطات التالية :
ـ عرض متواصلٍ لنماذج من أعماله على11 شاشة فيديو توزعت في أماكن متعددة (لماذا 11 شاشة؟، لا أعرف).
ـ إصدار كتاب يجمع مقالات، حواراتٍ، ودراسات تحليلية.
ـ تنظيم جلسة ليلية مع ضيوف المهرجان أدارها الناقد السينمائي اللبناني”هوفيك حبشيان".
ـ توزيع عشراتٍ من نسخ أفلامه على من يرغب من النقاد المُهتمّين.
خلال أيام المهرجان، أنجز”جيرار كوران”70”سينماتون”مع الضيوف، وثلاثة أفلام من سلسلة”دفتر ملاحظاتٍ فيلمية"، وبورتريه جماعيّ، وبورتريه ثنائيّ، وفيلماً في سلسلة”من نافذة غرفة فندق".
كانت الشاشات جزءاُ من المكان، تُلاحق المتفرج، أو يُلاحقها، وُضعت بين الجمهور نفسه، بجانبه، أمامه، أو خلفه،.. ينظر إليها، يشاهد مقتطفاتٍ من الأفلام، يُحيد عنها، يسمع بعض الكلمات، والموسيقى، أو لا يسمعها، يتجوّل بينها كما الحال في قاعة متحفٍ يتفرج على منحوتاتٍ بصرية، لقد تمّ التفكير بهذه المنظومة كي تثير المتفرج بصرياً، وتحثه فكرياً، أو لا يُبدي أيّ تعاطفٍ معها، لا يهمّ، السينما التجريبية لا تستجدي إعجاب أحد.
في الساعات الأولى من وصولي مع”جيرار كوران”إلى الفندق في دبي، توجهنا إلى مكاتب إدارة المهرجان، وكنا نبحث عن تلك الشاشات التي وعدني بها”مسعود أمر الله"(مدير المهرجان)، وأرسلت لي”دلفين مروة"(المدير التنفيذي) صوراً فوتوغرافية عنها، وفي الوقت الذي كنا نتساءل عن أماكنها، تبيّن لنا بأننا نقف بجانب إحداها، أصابتنا مرارة حالما اختفت لاحقاً.
منذ اليوم الأول، بدأ”جيرار كوران”يمارس هواية اصطياد شخصياتٍ يُوثقها في سلسلته”سينماتون"، هو لا يعرف أيّ واحدٍ من الضيوف، كانت البداية مُقلقة، تخيّرتُ بأن أبدأ مع السينمائيين أولاً كونهم، من وجهة نظري، أقرب إلى الكاميرا، وأسهل في إقناعهم.
كان المخرج العراقي”قتيبة الجنابي”(مصورٌ فوتوغرافيّ، وسينمائيّ، ومخرج)، بالنسبة لي أقدر على فهم هذه الحالة، هو الذي يُثني دائماً على اختياراتي لأفلام القسم الدوليّ للمهرجان (المسابقة الدولية، برنامج”تقاطعات”خارج المسابقة، وتحت الضوء)، ولهذا، كانت مهمّة إقناعه سهلة جداً، وأصبح الضحية الأولى/البطل السينمائيّ الأول لمجموع الـ 70 سينماتون التي صوّرها”جيرار كوران”في دبي، وتخطى بها الرقم الذي صوّره خلال 12 يوماً في إحدى دورات مهرجان كان (يُذكرني”جيرار”بأنّ الحدّ الأقصى الذي وصل إليه يوماً لم يتجاوز 10 سينماتون في اليوم الواحد).
يتقنُ”جيرار كوران”الإنكليزية كما معرفتي باللغة التامولية، ولهذا توّجب عليّ مرافقته خطوةً، خطوة كي يُنجز عمله السينماتونيّ، وترجمة عدداً لم يحلم به سابقاً من اللقاءات الصحفية، والتلفزيونية (بمُساعدة ثمينة من”دلفين مروة”في حالة الترجمة من الإنكليزية إلى الفرنسية).
كانت مهمتي في إقناع الضيوف بالوقوف أمام كاميرا”جيرار”سهلة مع البعض، معقدة مع آخرين (الممثلين، والممثلات خاصةً)، وتعود بعض الأسباب، من وجهة نظري، إلى عدم فهم هدف هذه”اللعبة السينمائية الطريفة"، التردد، الخوف، الغرور، التعالي، أو ببساطة التكاسل،...
ولكن، ساعةً بعد ساعة، كانت تختفي تلك العوائق المُفترضة، من كان يهزّ رأسه معتذراً، يوافق في اليوم الثاني، أو الثالث، ومن شعر بالتردد، بدأ يقترب مني، ويُذكرني بأنه على استعدادٍ للوقوف أمام”جيرار كوران"، ومن نسيته في زحمة السينماتونات، بدأ يعبّر عن رغبته بالوقوف أمام الكاميرا، أو يتوسط شخصاً آخر عاش تلك اللحظات السينماتونية، وهكذا أصبح الفعل السينماتونيّ نشاطاً متواصلاً (وطريفاً)، التقطته الكاميرات الهاتفية، الفوتوغرافية، والتلفزيونية، وبدأ معظم الضيوف يتصفحون كتاباً أزرق الغلاف تخيّرتُ له عنواناً غريباً، ومُستفزاً :”جيرار كوران، هل هذه سينما حقاً؟”كان مهملاً في اليوم الأول، وبدأت أسمع عباراتٍ مقتطفة منه حرفياً يرددها هذا الصحفيّ، أو ذاك الناقد السينمائيّ في حوارٍ، أو مقابلة مع”جيرار كوران"،.... وكأنه يعرفه منذ دهرٍ.
هل هناك طريقة أفضل للتعريف بـ"جيرار كوران"، وخاصةً سلسلته”سينماتون”التي طغى الحديث عنها على كلّ أعماله الأخرى، وكنت أحاول تذكيرهم بها :
ـ يا جماعة،”جيرار كوران”لم ينجز سلسلة”سينماتون”فقط، في قائمته الفيلمية أفلاماً موسيقية، تأملية، مغناطيسية، متكررة،.. وحتى أنه ضغط أفلام كبار السينمائيين، وأعادها إلى حالتها الطبيعية...تقريباً.
منذ”مسابقة أفلام من الإمارات”في أبو ظبي (حتى الدورة السادسة)، و"مسعود أمر الله”لم يتوقف عن”توريط”الشباب، والبنات في صنع أفلام، ومنذ مهرجان الخليج السينمائي في دبي،”تورطتُ”معه في”توريط”الضيوف أنفسهم في نشاطاته كي يشعروا بأنهم يشاركوا في حدثٍ سينمائيّ يخصّهم.
وها نحن قدمنا تجربة”جيرار كوران”بطريقةٍ”توريطية"، وأصبحت 70 شخصية من الضيوف، والعاملين في المهرجان شخصياتٍ سينماتونية بامتياز.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية